نفذت ألمانيا عملية ترحيل جديدة إلى أفغانستان شملت عشرات الأفغان الذين أدينوا بجرائم خطيرة، في خطوة دافعت عنها الحكومة بوصفها إجراءً أمنياً، في حين أثارت انتقادات حقوقية وسياسية بسبب التنسيق مع سلطات طالبان وإعادة أشخاص إلى بلد يشهد أوضاعاً إنسانية وحقوقية متدهورة.
ورحّلت السلطات الألمانية 32 رجلاً أفغانياً إلى كابول، في أحدث عملية ترحيل معلنة إلى أفغانستان منذ استئناف برلين هذا المسار عام 2024، وسط جدل متصاعد حول حدود الموازنة بين الأمن الداخلي والالتزامات الحقوقية المتعلقة بعدم الإعادة إلى بيئات قد تشهد مخاطر جسيمة.
وقالت وزارة الداخلية الألمانية، إن المرحّلين أدينوا بجرائم خطيرة، منها القتل والاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال والاتجار بالمخدرات والابتزاز بالعنف. وانطلقت الرحلة على متن طائرة مستأجرة من مطار لايبزيغ/هاله إلى العاصمة الأفغانية كابول، بمشاركة مرحّلين من عدة ولايات ألمانية.
دفاع حكومي
رفض وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت الانتقادات الموجهة للعملية، مؤكداً أن القانون الألماني يسمح بالترحيل إلى أفغانستان في حالات محددة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص أدينوا بجرائم جسيمة.
وقال دوبريندت إن من يرتكب جرائم خطيرة في ألمانيا لا يملك حق البقاء داخل المجتمع الألماني، مشيراً إلى أن المرحّلين كانوا مدانين وموجودين قيد الاحتجاز قبل تنفيذ عملية الترحيل.
وتأتي العملية ضمن مسار بدأته ألمانيا منذ أغسطس 2024، عندما رحّلت 28 أفغانيا أدينوا بجرائم، في أول عملية من نوعها منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن ألمانيا استأنفت عمليات الترحيل إلى أفغانستان منذ ذلك التاريخ، في حين ظلت القضية محل انتقاد حقوقي بسبب طبيعة الحكم القائم في كابول.
مسار مباشر مع طالبان
تكتسب العملية الأخيرة حساسية إضافية لأنها تأتي في ظل اتصالات مباشرة بين برلين وسلطات طالبان بشأن الترحيلات، بعد أن كانت قطر قد لعبت سابقاً دور الوسيط اللوجستي في تنظيم رحلات مماثلة.
وكانت وزارة الداخلية الألمانية قد أعلنت، في فبراير 2026، ترحيل 20 أفغانياً أدينوا بجرائم إلى كابول، وقالت حينها إن الجرائم شملت اعتداءات جسدية وجرائم جنسية ومخدرات.
وتشير تقارير أوروبية إلى أن ألمانيا رحّلت أكثر من 100 أفغاني من أصحاب السوابق أو المدانين منذ استئناف عمليات الترحيل عام 2024، في حين تتجه دول أوروبية أخرى إلى بحث ترتيبات مشابهة للتعامل مع طالبي اللجوء المرفوضين أو المدانين بجرائم.
انتقادات حقوقية
في المقابل، ترى أحزاب معارضة ومنظمات حقوقية أن الترحيل إلى أفغانستان يطرح إشكالات عميقة، بسبب سجل طالبان في انتهاك حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء والفتيات، وغياب ضمانات واضحة بشأن سلامة العائدين بعد وصولهم.
وقالت النائبة في حزب اليسار كلارا بونغر إن الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات تخلت عن الاعتبارات الحقوقية، معتبرة أن أفغانستان تعيش أوضاعاً إنسانية واقتصادية صعبة تجعل الترحيل إليها غير مقبول، بغض النظر عن الجرائم المرتكبة.
وتستند هذه الانتقادات إلى تقارير أممية متكررة بشأن تدهور حالة حقوق الإنسان في أفغانستان، فقد حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في فبراير 2026 من أن مرسوماً جديداً لطالبان يعمق القمع ويوسع نطاق العقوبات البدنية والإعدامات، ويقيد الحريات، ويزيد استهداف النساء والأطفال والمعارضين.
“تعامل عملي” لا اعتراف
على المستوى الأوروبي، تتصاعد الضغوط لتسريع عمليات الترحيل، وقال مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر إن أوروبا لا تملك خياراً سوى التواصل مع السلطات الفعلية في أفغانستان بشأن إعادة المهاجرين، خصوصاً من يشكلون خطراً أمنياً أو أدينوا بجرائم، مع التأكيد أن هذا التواصل لا يعني الاعتراف الرسمي بطالبان.
غير أن منتقدين يرون أن هذا التمييز بين “التواصل العملي” و”الاعتراف السياسي” قد يصبح ملتبساً، خاصة إذا تحولت عمليات الترحيل إلى مسار منتظم يتطلب تفاهمات مباشرة ووثائق سفر وتنسيقاً أمنياً مع سلطات طالبان.
وتأتي العملية الألمانية في لحظة يشهد فيها الاتحاد الأوروبي اتجاهاً واضحاً نحو تشديد سياسات الهجرة والعودة، ففي 17 يونيو الجاري، صوّت البرلمان الأوروبي لمصلحة مشروع قانون يسمح بتوسيع إجراءات الترحيل، وإمكانية إنشاء مراكز احتجاز أو عودة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، في خطوة انتقدتها منظمات حقوقية وخبراء أمميون خشية أن تؤدي إلى تقويض مبدأ عدم الإعادة القسرية وتوسيع الاحتجاز.
وتدرس دول أوروبية عدة، بينها ألمانيا والنمسا والدنمارك واليونان وهولندا، نماذج لما يسمى “مراكز الإعادة” خارج الاتحاد، في إطار مساعٍ لتسريع ترحيل المهاجرين غير النظاميين أو طالبي اللجوء المرفوضين.
معادلة صعبة
تكشف عملية ترحيل الأفغان من ألمانيا عن معادلة معقدة تواجه الحكومات الأوروبية، من جهة، هناك ضغط سياسي وشعبي لتشديد التعامل مع الأجانب المدانين بجرائم خطيرة؛ ومن جهة أخرى، هناك التزامات قانونية وحقوقية تمنع إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها لخطر التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو انتهاكات جسيمة.
وتؤكد الحكومة الألمانية أن العملية استهدفت مدانين بجرائم خطيرة لا يملكون حق البقاء. أما المعارضون فيرون أن خطورة الجرائم لا تلغي ضرورة ضمانات فردية دقيقة قبل الترحيل، ولا تبرر التعاون مع سلطة غير معترف بها دولياً وتواجه اتهامات واسعة بانتهاك حقوق الإنسان.
وتمثل رحلة الترحيل الأخيرة إلى كابول محطة جديدة في تحول السياسة الألمانية والأوروبية تجاه الهجرة واللجوء، فهي تعكس رغبة واضحة في إظهار الحزم الأمني، لكنها في الوقت نفسه تفتح أسئلة ثقيلة حول مصير المرحّلين، وحدود التعامل مع طالبان، ومدى قدرة أوروبا على تشديد سياساتها دون التفريط بالتزاماتها الحقوقية.
وبين خطاب “الأمن الداخلي” وتحذيرات “عدم الإعادة إلى الخطر”، تبقى القضية أوسع من رحلة جوية واحدة؛ إنها اختبار لطريقة تعامل أوروبا مع الهجرة حين يتقاطع القانون الجنائي مع الحماية الإنسانية.
