منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اليمن أمام مجلس حقوق الإنسان.. تصعيد يفاقم الانتهاكات وقيود على العمل الإنساني

02 أكتوبر 2026
عرض التقرير القطري الخاص بحالة حقوق الإنسان في اليمن
عرض التقرير القطري الخاص بحالة حقوق الإنسان في اليمن

تتواصل تداعيات الأزمة اليمنية على حقوق الإنسان في ظل تصاعد العنف وتدهور الأوضاع الإنسانية، وسط استمرار سقوط ضحايا مدنيين ونزوح أعداد كبيرة من السكان، إلى جانب توثيق حالات قتل وإصابة واعتقال واحتجاز تعسفي، في حين تواجه المنظمات الإنسانية والحقوقية قيوداً أمنية وميدانية تحد من قدرتها على الوصول إلى المتضررين وتوثيق الانتهاكات.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال عرض التقرير القطري الخاص بحالة حقوق الإنسان في اليمن، في إطار البند العاشر من جدول الأعمال، حيث قدم عبد العزيز تيويه، نائب مدير شعبة العمليات العالمية بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان، تقرير المفوض السامي بشأن تنفيذ المساعدة الفنية المقدمة إلى اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المرتكبة من جميع أطراف النزاع في اليمن، تنفيذاً لقرار مجلس حقوق الإنسان 60/31.

وأشار التقرير إلى أن المفوضية السامية واصلت، خلال الفترة من يوليو/تموز 2025 إلى يونيو/حزيران 2026، تقديم الدعم للجنة الوطنية للتحقيق، رغم القيود المرتبطة بالأزمة المالية التي تواجه الأمم المتحدة، بهدف تعزيز قدرتها على إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة، ورصد حالة حقوق الإنسان والإبلاغ عن الانتهاكات.

وشملت المساعدة برامج لبناء القدرات المؤسسية والعملياتية، وتدريبات متخصصة، وتيسير الاجتماعات، وتوفير موارد أساسية لأعضاء اللجنة والمحققين والراصدين الميدانيين وأمانتها، ما ساعد على تعزيز قدرتها على تنفيذ ولايتها في مجال التوثيق والتحقيق ودعم المساءلة والوصول إلى العدالة.

كما قدمت المفوضية دعماً لمنظمات غير حكومية تعمل في مجال توثيق الانتهاكات، وساعدت في تعزيز القدرات الوطنية المتعلقة بالعدالة الانتقالية، إلى جانب تقديم مساعدة فنية ومالية لدعم العمل الحقوقي المحلي وتعزيز التواصل مع آليات حقوق الإنسان الدولية.

مئات الضحايا المدنيين

وفيما يتعلق بالتطورات الميدانية، أشار التقرير إلى أن مكتب المفوضية وثق، منذ الأول من أغسطس/آب، 166 حالة قتل أو إصابة لمدنيين، مع استمرار توثيق الأضرار التي تلحق بالسكان المدنيين رغم القيود الأمنية وصعوبة الوصول ونقص الموارد البشرية.

وأشار العرض الأممي إلى أن النساء والأطفال شكلوا النسبة الكبرى من الضحايا الذين جرى توثيقهم منذ سبتمبر/أيلول، ما يعكس استمرار تعرض الفئات الأكثر هشاشة لتداعيات التصعيد.

ولا تقتصر الخسائر على الضحايا المباشرين؛ إذ تسببت الأعمال العدائية في موجات جديدة من النزوح. وبحسب ما أفاد به العاملون في المجال الإنساني، نزح أكثر من 152 ألفاً و856 شخصاً داخلياً خلال الفترة من الأول من أغسطس/آب إلى 26 سبتمبر/أيلول، في حين أفادت وكالة اللاجئين بوصول أكثر من 3700 شخص إلى الجزر ومنها إلى الصومال، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على الخدمات والموارد المتاحة للنازحين والمجتمعات المستقبلة.

وتعكس هذه الأرقام استمرار اتساع الاحتياجات الإنسانية في بلد يعاني أصلاً سنوات طويلة من النزاع وتراجع الخدمات الأساسية، في وقت يواجه فيه المدنيون مخاطر مرتبطة بالنزوح وفقدان مصادر الدخل وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية والغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

احتجاز موظفي الأمم المتحدة

ومن أبرز الملفات التي أثارها التقرير قضية الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، حيث أشار إلى استمرار احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة بصورة تعسفية من جانب أنصار الله، إلى جانب موظفين في منظمات غير حكومية وطنية وفاعلين في المجتمع المدني.

وقالت المفوضية إن هذه الاعتقالات لا تؤثر فقط في حقوق الأشخاص المحتجزين، وإنما تمتد آثارها إلى الحيز الإنساني نفسه؛ لأنها تقيد قدرة العاملين في المجال الإنساني على أداء مهامهم والوصول إلى ملايين الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة.

وجددت المفوضية دعوتها إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجاز العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية يعرقل جهود الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الصعوبات التي تواجه عمليات الرصد والتوثيق؛ إذ أوضح التقرير أن المفوضية تعمل في بيئة أمنية معقدة، ما يحد أحياناً من قدرتها على الوصول المباشر إلى المناطق المتضررة والتحقق من المعلومات المتعلقة بالانتهاكات.

اللجنة الوطنية ودعم المساءلة

وأكد التقرير أهمية مواصلة دعم اللجنة الوطنية للتحقيق، مع طرح توصيات تهدف إلى تعزيز استقلاليتها المؤسسية وزيادة الشفافية في عملها، وتوسيع حضورها الميداني، ما يمكنها من تنفيذ ولايتها في مختلف المناطق اليمنية.

وتكتسب اللجنة أهمية خاصة في ظل تعدد أطراف النزاع وتنوع الانتهاكات المبلغ عنها؛ إذ يمثل التوثيق والتحقيق المستقلان إحدى الأدوات الأساسية لحفظ الأدلة، وتحديد المسؤوليات، ودعم حق الضحايا في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة.

كما شددت المفوضية على أهمية استمرار التعاون مع منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية المحلية، باعتبارها طرفاً أساسياً في رصد الانتهاكات والوصول إلى الضحايا والمجتمعات المتضررة.

الحكومة اليمنية: انتهاكات تطول المدنيين والأطفال

من جانبها، رحبت الحكومة اليمنية بتقرير المفوض السامي، مؤكدة أن الوضع الإنساني والحقوقي لا يزال متدهوراً نتيجة استمرار التصعيد.

واتهم الوفد اليمني جماعة الحوثيين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، مع تركيز خاص على الأطفال، مشيراً إلى ما وصفه بتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح، إلى جانب استخدام المدارس والمراكز الصيفية والمنشآت المدنية في أنشطة التعبئة والتلقين والتجنيد.

وقال الوفد إن هذه الممارسات تحرم الأطفال من التعليم والحماية، وتعرض حياتهم ومستقبلهم للخطر، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة وثقت حالات لتجنيد أطفال واستخدامهم في أدوار عسكرية وميدانية.

كما أثار الوفد اليمني قضية استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، معتبراً أن تداعيات ذلك لا تقتصر على اليمن والمنطقة، بل تمتد إلى حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأثير ذلك في تدفق السلع والمساعدات الإنسانية.

وتطرق كذلك إلى أوضاع المهاجرين الأفارقة، متهماً جماعة الحوثيين باستغلال بعض المهاجرين وتجنيدهم في أنشطة عسكرية، ومعتبراً أن ذلك يمثل انتهاكاً لحقوق المهاجرين وكرامتهم.

آثار التصعيد في الصحة والتعليم

وعرض الوفد اليمني أرقاماً بشأن الخسائر الناتجة عن التصعيد الأخير، مشيراً إلى مقتل أكثر من 250 مدنياً وإصابة أكثر من 360 آخرين حتى نهاية سبتمبر/أيلول، إضافة إلى نزوح نحو 200 ألف شخص ووصول نحو ثلاثة آلاف شخص إلى جيبوتي.

كما أشار إلى مقتل ثلاثة أطفال في هجوم على قرية الطويلة بمحافظة تعز في 17 سبتمبر/أيلول، وإلى تضرر مرافق صحية وتعطل الخدمات في أكثر من 26 مرفقاً صحياً تدعمها اليونيسف.

وفي قطاع التعليم، قال الوفد إن التصعيد منذ سبتمبر أدى إلى إغلاق أو تعليق الدراسة في أكثر من 243 مدرسة، وهو ما أثر في أكثر من 140 ألف طالب وطالبة.

وتعكس هذه التطورات امتداد آثار النزاع من ساحات القتال إلى القطاعات المدنية، ومنها الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وهو ما يضاعف الأعباء الواقعة على الأسر، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وارتفاع معدلات النزوح.

دعوة أممية لوقف التصعيد

وفي ختام العرض، جددت المفوضية السامية لحقوق الإنسان دعوتها إلى وقف التصعيد فوراً، مطالبة جميع أطراف النزاع بالامتثال للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

كما دعت إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة سريعة ودون معوقات، ما يسمح للمنظمات الإنسانية بالوصول إلى الأشخاص الأكثر احتياجاً، فضلاً عن ضرورة احترام حقوق المحتجزين والإفراج عن جميع من يحتجزون بصورة تعسفية.

وأكد التقرير أن حماية المدنيين لا تنفصل عن جهود المساءلة، وأن دعم آليات التحقيق الوطنية وتعزيز قدرتها على العمل باستقلالية وشفافية يمثلان جزءاً من الاستجابة الحقوقية للأزمة.

وفي ظل استمرار النزوح وسقوط الضحايا وتعطل المدارس والمرافق الصحية واحتجاز العاملين في المجال الإنساني، تظل الأولوية المطروحة أمام المجتمع الدولي، وفق ما عكسه النقاش في مجلس حقوق الإنسان، هي الحد من التصعيد، حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات، وتعزيز آليات التوثيق والتحقيق، ما يفتح الطريق أمام مساءلة المسؤولين وإنصاف الضحايا.