منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

القمع العابر للحدود يهدد التعاون مع الأمم المتحدة

23 سبتمبر 2026
لقطة من الحوار التفاعلي حول تقرير الأمين العام بشأن التعاون مع الأمم المتحدة
لقطة من الحوار التفاعلي حول تقرير الأمين العام بشأن التعاون مع الأمم المتحدة

حذّرت الأمم المتحدة من تصاعد أعمال الترهيب والتهديد والانتقام التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمحامين والنقابيين وأفراد المجتمع المدني بسبب تعاونهم أو سعيهم إلى التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها في مجال حقوق الإنسان، في وقت بات فيه القمع يمتد، وفق ما عرضه التقرير، إلى خارج حدود الدول، مستفيداً من أدوات المراقبة الرقمية والقيود على الحركة والإجراءات القضائية.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي حول تقرير الأمين العام بشأن التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها وممثليها في مجال حقوق الإنسان، حيث قدمت كلوديا فوينتس خوليو، مساعدة الأمين العام لحقوق الإنسان، التقرير السنوي الذي يرصد حالات الترهيب والانتقام المرتبطة بالتعاون مع منظومة الأمم المتحدة، محذرة من الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها الحيز المدني في مناطق مختلفة من العالم.

وقالت فوينتس خوليو إن وجود حيز مدني مفتوح يمثل عاملاً أساسياً لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتنمية والسلام، إلا أن هذا الحيز يتعرض لضغوط متزايدة، بما يؤدي إلى خلق بيئات من الخوف والرقابة الذاتية، ويحد من قدرة الأفراد والمنظمات على التواصل بحرية مع الأمم المتحدة وآلياتها.

32 دولة في دائرة الرصد الأممي

وبحسب العرض الذي قدمته مساعدة الأمين العام، يوثق التقرير حالات استهدفت فيها دول أو جهات من خارج الدولة مدافعين عن حقوق الإنسان وضحايا انتهاكات وصحفيين ومحامين ونقابيين، بسبب تعاونهم أو سعيهم للتعاون مع الأمم المتحدة.

وتشمل الحالات التي وثقها التقرير 32 دولة، من بينها 9 دول أعضاء في مجلس حقوق الإنسان، بينما يتضمن المرفق الأول حالات جديدة في 19 دولة، بينها ثلاث دول تظهر فيها الحالات للمرة الأولى.

أما المرفق الثاني، فيتضمن حالات مستمرة في 20 دولة، تتابعها آليات الأمم المتحدة عن كثب، وفق العرض المقدم خلال الجلسة.

وأشارت فوينتس خوليو إلى أن بعض الحالات تعكس، بحسب التقرير، أنماطاً متكررة ومنهجية من القمع تستهدف السيطرة على الحيز المدني وردع الأفراد والمنظمات عن التعاون مع الأمم المتحدة.

وفي المقابل، لفتت إلى أن الأرقام والحالات الموثقة لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للظاهرة، إذ قد لا يتم الإبلاغ عن بعض الوقائع، كما قد يمتنع بعض الضحايا عن الكشف عن هوياتهم خشية التعرض لمزيد من الانتقام.

القمع يتجاوز الحدود

ومن أبرز الملفات التي سلط عليها التقرير الضوء ما وصفته فوينتس خوليو بتزايد القمع عبر الحدود، حيث لم تعد أعمال الترهيب والانتقام مقتصرة على الأشخاص الموجودين داخل الدولة المعنية.

وأوضحت أن هيئات الأمم المتحدة وثقت أشكالاً متعددة من هذا القمع، شملت مزاعم بالاحتجاز التعسفي، والاتهامات الجنائية، والمحاكمات الغيابية، والمراقبة الجسدية، والمضايقات الرقمية، وفرض قيود على التنقل.

وبحسب العرض الأممي، استُخدمت هذه الأدوات ضد أفراد ومنظمات بسبب تعاونهم مع الأمم المتحدة، وهو ما أثار خلال النقاش مخاوف بشأن قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني على المشاركة في الآليات الدولية دون التعرض لعواقب بسبب هذا التعاون.

وأعربت أستراليا، بالنيابة عن كندا وأستراليا ونيوزيلندا، عن أهمية التصدي لحالات القمع والانتقام، بما في ذلك في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى حالات لناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان في عدد من الدول، وإلى القيود التي تعرقل وصول المنظمات إلى غزة.

ودعت المجموعة إلى توفير بيئة تتيح للمنظمات والمجتمع المدني التعاون مع الأمم المتحدة دون الخوف من الانتقام أو الرقابة أو المنع.

تحذيرات من تأثير الانتقام على الضحايا

وأشارت أيرلندا، بالنيابة عن مجموعة من الدول، إلى أن استمرار ولاية الأمم المتحدة المعنية بالترهيب والانتقام يعكس الحاجة إلى حماية الأشخاص الذين يتعاونون مع المنظمة الدولية.

وأكدت المجموعة أهمية الحق في التواصل والتعاون مع آليات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، محذرة من أن الحالات الموثقة قد لا تعكس الحجم الكامل للانتهاكات.

أما دول البنلوكس، التي تحدثت باسمها بلجيكا، فرأت أن أعمال الانتقام لا تستهدف الضحايا وحدهم، وإنما تحمل رسالة تخويف للآخرين، بما قد يردعهم عن توثيق الانتهاكات أو التعاون مع الأمم المتحدة.

وأشارت إلى حالات احتجاز أو إجراءات انتقامية بحق ناشطين في هونغ كونغ وكوبا وفيتنام وروسيا، داعية إلى الإفراج عن الأشخاص الذين تناولتهم مداخلتها.

الاتحاد الأوروبي: التكنولوجيا والتشريعات أدوات للضغط

من جانبه، أدان الاتحاد الأوروبي استمرار التخويف والقمع والانتقام ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المتعاونة مع الأمم المتحدة.

وأشار الاتحاد إلى أن هؤلاء يمثلون جزءاً مهماً من جهود المساءلة وفي عمل منظومة الأمم المتحدة، محذراً من أن التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تُستخدم في بعض أشكال التجاوزات، إلى جانب توظيف التشريعات للضغط على النشطاء.

كما أثار الاتحاد الأوروبي حالات قال إنها تضمنت توجيه اتهامات بالإرهاب إلى أشخاص بسبب تعاونهم مع الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وسأل عن الإجراءات التي يمكن للدول اتخاذها لحماية ضحايا القمع العابر للحدود.

وفي السياق ذاته، أعربت ليختنشتاين عن القلق من تزايد أعمال القمع عبر الحدود، معتبرة أن الترهيب والانتقام في الفضاءين الواقعي والرقمي يمثلان تهديداً لحقوق الإنسان ولقدرة منظومة الأمم المتحدة على العمل.

مطالب بقنوات آمنة وسرية

وخلال النقاش، برزت الدعوات إلى تطوير أدوات وقائية لحماية المتعاونين مع الأمم المتحدة قبل تعرضهم للانتقام.

وأكدت هنغاريا أهمية المساءلة وجبر الضرر، إلى جانب توفير قنوات اتصال آمنة وسرية للضحايا والأشخاص المعرضين للخطر، بما يشمل الحماية من الانتقام عبر الحدود والوسائل الرقمية.

كما دعت إلى تعاون وثيق بين الدول والمفوضية السامية لحقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة، وسألت عن أكثر الممارسات فعالية في تحديد مخاطر الانتقام والتهديدات التي قد يتعرض لها المتعاونون مع المنظمة الدولية.

وركزت شمال مقدونيا على الحاجة إلى نهج وقائي، يتضمن تحديد المخاطر وتقليلها، وضمان الوصول غير المقيد إلى آليات الأمم المتحدة، وتعزيز الحماية من القمع الرقمي العابر للحدود.

أما أوروغواي، فرأت أن مواجهة الظاهرة تتطلب استجابة منسقة بين الدول والأمم المتحدة والمجتمع المدني، وسألت عن أفضل الممارسات التي يمكن اعتمادها لضمان التعاون الحر والآمن والفعال مع الآليات الأممية.

تباين في المواقف بشأن المعلومات والتقارير

وفي مقابل الدعوات إلى تعزيز الحماية، ركزت بعض الدول على ضرورة التحقق من المعلومات التي تستند إليها تقارير الأمم المتحدة.

وأعرب العراق عن ترحيبه بالتقرير، لكنه شدد على أهمية التمييز بين حالات الانتقام الفعلية والادعاءات غير الموثقة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق.

كما أكدت مصر أهمية الآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان ضمن ولاياتها، وشددت على ضرورة تحري الدقة والمصداقية وعدم استغلال التقارير لأغراض دعائية أو سياسية.

وقالت مصر إنها مستمرة في التعاون مع الآليات الأممية وتزويد الإجراءات الخاصة بالمعلومات والردود على الادعاءات المتعلقة بعرقلة التعاون أو الأعمال الانتقامية، مؤكدة أن التعاون مع الأمم المتحدة لا يمنح حصانة من المساءلة القانونية، وفي الوقت نفسه فإن اتخاذ تدابير انتقامية بسبب التعاون مع المنظمة الدولية أمر مرفوض.

من جهتها، قالت الهند إن الانتقام من المتعاونين مع الأمم المتحدة أمر غير مقبول، لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة أن تراعي عملية المساءلة المعلومات التي تقدمها الدول وأن تضمن الإنصاف والمصداقية.

الصين وبيلاروس ترفضان ما ورد في التقرير

ورفضت الصين ما ورد في التقرير، واعتبرت أن المعلومات الواردة فيه مضللة وتتدخل في الشؤون القضائية والعدلية الصينية.

وقالت إن الصين دولة يحكمها القانون وإن الأشخاص الذين يخالفون القانون يخضعون للإجراءات القضائية، متهمة دولاً، بينها أستراليا وبلجيكا، بمحاولة الضغط على النظام القائم في هونغ كونغ.

كما دعت إلى التزام آليات الأمم المتحدة بالتعاون البناء مع الدول.

بدورها، اعترضت بيلاروس على ما وصفته بمشكلات في حياد المعلومات الواردة في التقرير، معتبرة أنه يركز على دول نامية ويتجاهل، بحسب موقفها، مشكلات في دول غربية.

ورفضت بيلاروس التقييمات المتعلقة بالحالات المرتبطة بها، وقالت إن ملاحقة الأشخاص تتم بسبب أفعال تعتبرها غير قانونية وبموجب القانون، وليس بسبب تعاونهم مع الأمم المتحدة.

فلسطين تثير أوضاع الأراضي الفلسطينية المحتلة

وخلال النقاش، رحبت فلسطين بتقرير الأمين العام، مؤكدة حق المدافعين عن حقوق الإنسان في التعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها وضرورة حمايتهم من الانتقام والرقابة.

واتهمت إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بممارسة أعمال انتقامية في الأراضي الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية، وربطت ذلك بما وصفته بسياسات استعمارية وإبادة جماعية وتطهير عرقي وحرمان من تقرير المصير.

كما تناولت الوضع في قطاع غزة والقيود المفروضة على المساعدات الإنسانية، وأدانت ما وصفته بالهجمات على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وآليات المساءلة الدولية.

تعاون أممي في مقابل مخاوف من التسييس

وفي اتجاه آخر، شددت دول عدة على أهمية الحوار والتعاون البناء مع منظومة الأمم المتحدة.

وأكدت تشاد تمسكها بالتعاون مع آليات حقوق الإنسان، معتبرة أن المساعدة الفنية وتبادل المعلومات يمكن أن يساهما في دعم الجهود الوطنية.

ورحبت كمبوديا بالحوار البناء مع آليات حقوق الإنسان، مشيرة إلى تعاونها مع المفوضية السامية والمقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في كمبوديا، وإلى تمكن المقرر الخاص خلال زيارته من الوصول إلى مسؤولين حكوميين وممثلين عن المعارضة والمجتمع المدني.

وأكدت الإكوادور استعدادها للحوار الشفاف والمفتوح مع أصحاب الولايات ومنظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، مشيرة إلى تعاونها خلال عام 2026 مع عدد من الإجراءات الخاصة، إلى جانب استمرار التعاون مع الأمم المتحدة في إطار التنمية المستدامة للفترة 2027-2030.

حماية المجتمع المدني شرط للتعاون

وأظهرت المناقشات أن قضية التعاون مع الأمم المتحدة لا تتعلق فقط بحق الأفراد في إرسال المعلومات أو التواصل مع آليات حقوق الإنسان، وإنما ترتبط أيضاً بقدرة المجتمع المدني على العمل في بيئة آمنة ومستقلة.

وقالت أرمينيا إن المراقبة والقيود وحملات التضليل، إلى جانب إساءة استخدام التكنولوجيا الرقمية، يمكن أن تقوض المساءلة والتعاون الدولي، معتبرة أن التعاون الآمن يبدأ بوجود فضاء مدني آمن.

وأكدت ألمانيا تعرض المدافعين عن حقوق الإنسان لضغوط متزايدة، بما في ذلك المراقبة والانتقام العابر للحدود، مشيرة إلى حالات قالت إنها وقعت حتى في جنيف بسبب الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان.

كما شددت أيرلندا ومجموعة من الدول على ضرورة حماية المدافعين عن حقوق الإنسان وضمان قدرتهم على التواصل مع الأمم المتحدة دون خوف من الانتقام.

حق الرد.. جدل حول دقة الادعاءات

وشهدت الجلسة أيضاً ممارسة عدد من الدول حق الرد على مداخلات منظمات غير حكومية.

وأكدت بوركينا فاسو أنها لا تعترف في قانونها بمفهوم الشعوب الأصلية، ورفضت ما وصفته بمزاعم غير مثبتة، مشددة على ضمان المساواة وعدم التمييز لجميع المواطنين.

وردت إندونيسيا على مزاعم بشأن أوضاع حقوق الإنسان، مؤكدة إدانتها للعنف الجنسي ومحاسبة مرتكبيه، ودعت إلى الدقة في عرض الانتهاكات، مشيرة إلى أن بعض الحالات التي أثيرت ترتبط، بحسب موقفها، بأعمال مجموعات مسلحة.

أما اليابان، فأكدت التزامها بحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق شعب الأينو، موضحة أن الأينو مواطنون يابانيون ويتمتعون بالحقوق والحماية على قدم المساواة مع بقية المواطنين.

حماية من يتعاونون مع الأمم المتحدة

وانتهى النقاش العام بعد استكمال قائمة المتحدثين وعدم وجود طلبات إضافية لممارسة حق الرد، على أن تتواصل أعمال المجلس في اليوم التالي بحوارات تفاعلية أخرى.

وتكشف المناقشات حول تقرير الأمين العام عن قضية تتجاوز مجرد تسجيل حالات فردية من الترهيب والانتقام، لتطرح سؤالاً أوسع حول قدرة الأفراد والمجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان على التواصل مع منظومة الأمم المتحدة دون أن يتحول هذا التعاون إلى مصدر خطر عليهم.

وفي الوقت نفسه، أظهرت الجلسة وجود تباين واضح بين الدول بشأن بعض الحالات الواردة في التقرير، خصوصاً فيما يتعلق بدقة المعلومات ومصادرها وتفسير الإجراءات الحكومية أو القضائية التي تتعرض لها الشخصيات والمنظمات محل الرصد.

وبينما تركز المواقف المؤيدة لتعزيز الحماية على توفير قنوات آمنة وسرية، ومنع الانتقام العابر للحدود، وضمان سبل الانتصاف وجبر الضرر، شددت دول أخرى على ضرورة التحقق من الادعاءات واحترام التشريعات الوطنية وعدم استخدام آليات حقوق الإنسان بصورة مسيسة.

وفي المحصلة، يضع التقرير الأممي حماية المتعاونين مع الأمم المتحدة في صميم النقاش حول مستقبل الحيز المدني والمساءلة الدولية، في ظل تنامي أدوات المراقبة الرقمية واتساع نطاق القمع العابر للحدود، وما قد يترتب على ذلك من آثار مباشرة على قدرة الضحايا والمدافعين والصحفيين والمنظمات الحقوقية على الوصول إلى الآليات الدولية والإبلاغ عن الانتهاكات.