منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

استرداد الأموال المنهوبة.. كيف يمكن للبنان الاستفادة من التجربة السويسرية؟

27 يوليو 2026
الأموال المنهوبة في لبنان قضية مثيرة للجدل
الأموال المنهوبة في لبنان قضية مثيرة للجدل

لا يُنظر اليوم إلى استرداد الأموال المنهوبة بوصفه ملفاً مالياً أو قضائياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من معركة أوسع تتعلق بحماية حقوق الإنسان وتعزيز العدالة الاجتماعية، فحين تُستنزف الموارد العامة عبر الفساد وتحويل الأموال إلى الخارج، تتراجع قدرة الدول على تمويل الخدمات الأساسية، من الصحة والتعليم إلى الحماية الاجتماعية.

وفي لبنان الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، عاد ملف استرداد الأموال المنهوبة إلى الواجهة باعتباره أحد المسارات الممكنة لتعزيز المساءلة واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويقصد باسترداد الأصول مجموعة الإجراءات القانونية والقضائية التي تهدف إلى تعقب الأموال أو الممتلكات الناتجة عن جرائم الفساد أو الاختلاس أو غسل الأموال، وتجميدها ومصادرتها ثم إعادتها إلى الدولة أو الجهة المتضررة.

ويُعد هذا المسار أحد المبادئ الأساسية التي كرستها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد باعتباره أداة لتعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

الفساد وتحويل الأموال

أصبحت جرائم الفساد وتحويل الأموال غير المشروعة إلى الخارج من أبرز التحديات التي تواجه الدول في حماية حقوق الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة.

ولم تعد هذه الجرائم تقتصر على إهدار الموارد العامة، بل باتت تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدول على توفير الخدمات الأساسية وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.

وفي لبنان، اكتسب ملف استرداد الأموال والأصول الموجودة في الخارج أهمية متزايدة في ظل الأزمة الاقتصادية التي صنفها البنك الدولي ضمن أشد الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى ارتفاع معدلات الفقر من 12 بالمئة عام 2012 إلى نحو 44 بالمئة عام 2022، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل والحماية الاجتماعية.

ويرى خبراء حقوقيون أن الأموال العامة المفقودة لا تمثل خسائر مالية فحسب، بل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها، الأمر الذي يجعل استردادها جزءاً من جهود حماية الحقوق وتعزيز العدالة الاجتماعية.

صعوبة استرداد الأموال

رغم المطالبات المتكررة باستعادة الأموال والأصول المنقولة إلى الخارج، يواجه لبنان تحديات قانونية وقضائية معقدة في هذا المسار، فإثبات الصلة بين الأصول والجرائم الأصلية يتطلب تحقيقات مالية دقيقة وأدلة قضائية متماسكة تتوافق مع المعايير القانونية المعمول بها في الدول الأجنبية.

وتعدد الجهات المختصة وطول الإجراءات القضائية وصعوبة الوصول إلى المعلومات المالية عبر الحدود يسهم في إبطاء عمليات التجميد والمصادرة والاسترداد، ما ينعكس سلباً على جهود مكافحة الفساد ومحاسبة المتورطين في الجرائم المالية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني انكمش بنحو 40 بالمئة منذ عام 2019، وهو من أكبر الانكماشات الاقتصادية المسجلة عالمياً خلال العقود الأخيرة، ما يبرز أهمية أي موارد أو أصول يمكن استعادتها لدعم المالية العامة وتمويل الخدمات الأساسية.

تجربة سويسرا واسترداد الأصول

تُعد سويسرا من أبرز الدول الرائدة في مجال استرداد الأصول غير المشروعة والتعاون القضائي الدولي، وخلال العقود الماضية طورت السلطات السويسرية منظومة قانونية متقدمة تسمح بتجميد الأصول المشبوهة والتعاون مع الدول الطالبة لاستعادتها وفق ضمانات قضائية دقيقة.

ويُنظر إلى التجربة السويسرية باعتبارها نموذجاً مهماً في مكافحة الفساد العابر للحدود وتعزيز الشفافية المالية، حيث أعادت السلطات السويسرية أكثر من ملياري دولار إلى عدد من الدول المتضررة من الفساد والاختلاس، في إطار آليات قانونية تهدف إلى إعادة الأموال إلى الشعوب المتضررة ومنع استخدامها مجدداً في ممارسات غير مشروعة.

وتتمتع سويسرا بخبرة واسعة في تنفيذ طلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتبادل المعلومات المالية، الأمر الذي جعلها شريكاً أساسياً في العديد من قضايا استرداد الأصول حول العالم.

التعاون القضائي الدولي

يشكل التعاون القضائي الدولي إحدى الركائز الأساسية لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، فمن خلال طلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتبادل المعلومات المالية والقضائية، تستطيع الدول تعقب الأموال وتحليل مساراتها وتجميدها عند الضرورة تمهيداً لاستعادتها.

ويسهم هذا التعاون في تعزيز مبدأ المساءلة وملاحقة مرتكبي الجرائم المالية أينما وجدت الأصول أو الحسابات المرتبطة بهم، ما ينسجم مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي كرست استرداد الموجودات باعتباره أحد المبادئ الأساسية للتعاون الدولي.

وتؤكد الأمم المتحدة أن الفساد يكلف الاقتصاد العالمي ما يزيد على 2.6 تريليون دولار سنوياً، أي ما يعادل أكثر من 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدول في مكافحة الجرائم المالية العابرة للحدود.

جزء من الحق في التنمية

يرى حقوقيون أن استعادة الأموال العامة المنهوبة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الشعوب في التنمية والاستفادة من مواردها الوطنية.

ومن هذا المنطلق، يمثل التعاون بين لبنان وسويسرا فرصة لتعزيز العدالة الاقتصادية وترسيخ مبادئ الشفافية والحكم الرشيد، كما أن نجاح جهود استرداد الأصول يمكن أن يسهم في دعم الثقة بالمؤسسات العامة وتوفير موارد إضافية يمكن توجيهها إلى القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.

وفي هذا السياق، أكد المستشار القانوني الدكتور حسن الزعتري أن استرداد لبنان الأموال والأصول الموجودة في الخارج لا يُعد قضية سياسية أو دبلوماسية فحسب، بل هو في جوهره ملف قانوني وإجرائي معقد يتطلب توافر أدلة قوية تثبت ارتباط هذه الأموال بجرائم فساد أو جرائم مالية.

وأوضح الزعتري بحديثه لـ”صفر” أن الدول التي توجد فيها هذه الأصول، وفي مقدمتها سويسرا، تلتزم بضمانات قانونية صارمة تحمي الملكية الخاصة، ما يجعل إجراءات التجميد أو المصادرة أو إعادة الأموال مشروطة بوجود طلبات قضائية مكتملة ومستوفية للمعايير القانونية المطلوبة.

التعاون القضائي الدولي

وأشار الزعتري إلى أن التعاون القضائي الدولي واتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة يشكلان حجر الأساس في عمليات استرداد الأصول، لما توفره من آليات لتبادل الأدلة والمعلومات المصرفية وتنفيذ الإنابات القضائية وتجميد الأموال بصورة مؤقتة إلى حين صدور الأحكام النهائية.

وأضاف أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد جعلت استرداد الموجودات أحد المبادئ الأساسية للتعاون الدولي، وألزمت الدول الأطراف بتقديم أكبر قدر ممكن من المساعدة القانونية في هذا المجال.

ولفت الزعتري إلى أن نجاح جهود الاسترداد يبقى مرهوناً بقدرة السلطات اللبنانية على إعداد ملفات قضائية متماسكة وإجراء تحقيقات مستقلة وسريعة وإثبات المصدر غير المشروع للأموال وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة.

وبيّن أن التأخير في الإجراءات أو تضارب الاختصاصات أو ضعف التنسيق بين الجهات المعنية قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات القضائية أو حتى فقدان فرص استعادة بعض الأصول.

القضاء المستقل مفتاح النجاح

وشدد الزعتري على أن التجربة السويسرية تؤكد أن استرداد الأموال المنهوبة ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة وطنية جادة وقضاءً مستقلاً وتعاوناً قضائياً دولياً فعالاً، إلى جانب الاستفادة من آليات المساعدة القانونية المتبادلة والاتفاقيات الدولية، ما يضمن ملاحقة جرائم الفساد العابرة للحدود واستعادة الأموال العامة في إطار سيادة القانون.

وتكشف تجربة لبنان وسويسرا أن استرداد الأصول المنهوبة يتجاوز كونه إجراءً مالياً أو قانونياً، ليصبح جزءاً أساسياً من جهود حماية حقوق الإنسان وتعزيز العدالة الاقتصادية، فحين تُستعاد الأموال العامة وتُوجَّه إلى القطاعات الحيوية، فإن أثرها لا ينعكس على الموازنات العامة فقط، بل يمتد إلى حياة المواطنين وقدرتهم على التمتع بحقوقهم الأساسية.

ومع وصول معدلات الفقر في لبنان إلى نحو 44 بالمئة من السكان واستمرار تداعيات الانكماش الاقتصادي الحاد، تبرز الحاجة إلى استعادة الموارد العامة بوصفها جزءاً من مسار أوسع للإصلاح والمساءلة.

وفي المقابل، تثبت التجربة السويسرية أن استرداد الأموال المنهوبة ممكن متى توافرت الإرادة السياسية والقضاء المستقل والتعاون القضائي الدولي الفعال.

ومن هنا، فإن نجاح لبنان في هذا المسار لن يشكل مكسباً مالياً فحسب، بل سيعزز الثقة بالمؤسسات العامة ويرسخ مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، ما ينعكس إيجاباً على التنمية وحماية الحقوق الأساسية للأجيال المقبلة.