منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ارتفاع الضحايا المدنيين 40% وتصاعد الهجمات الروسية يهيمنان على نقاش أممي بشأن حقوق الإنسان في أوكرانيا

04 يوليو 2026
مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك
مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك

شهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نقاشاً واسعاً حول تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا، وسط تحذيرات من تدهور غير مسبوق في أوضاع المدنيين، مع ارتفاع عدد الضحايا بنسبة 40% خلال الأشهر الستة الماضية، واستمرار الهجمات على البنية التحتية المدنية، ولا سيما منشآت الطاقة، إلى جانب تصاعد المخاوف من الانتهاكات في الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا.

ضحايا مدنيون

وأكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن الحرب تبتعد أكثر فأكثر عن أي أفق للسلام، مشيراً إلى أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر مع استمرار العمليات العسكرية.

وأوضح أن الفترة الممتدة بين ديسمبر 2025 ومايو 2026 شهدت مقتل نحو 1300 مدني وإصابة ما يقرب من 6900 آخرين، بزيادة بلغت 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لافتاً إلى أن 96% من الضحايا سقطوا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية نتيجة الاستخدام المكثف للأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة من قبل القوات الروسية.

وأشار تورك إلى أن الهجمات الروسية المكثفة، ومنها إطلاق نحو 1500 صاروخ وطائرة مسيّرة خلال يومي 13 و14 مايو على ثماني مناطق أوكرانية والعاصمة كييف، أسفرت وحدها عن مقتل 27 مدنياً وإصابة ما لا يقل عن 86 آخرين، مؤكداً أن الهجمات الأخيرة التي شهدتها كييف تمثل تذكيراً بضرورة إنهاء الحرب التي وصفها بالدامية.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى سقوط ضحايا مدنيين أيضاً داخل الأراضي الروسية، إذ أعلنت موسكو مقتل 105 مدنيين وإصابة نحو 1300 آخرين خلال الفترة نفسها، إلا أن المفوضية أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق من هذه الأرقام بسبب عدم السماح لها بالوصول إلى الأراضي الروسية، داعية السلطات الروسية إلى تسهيل عمل فرقها للتحقق المستقل من الوقائع.

وأكد المفوض السامي أن استخدام الطائرات المسيّرة أدى إلى زيادة أعداد الضحايا المدنيين بنسبة 57% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، موضحاً أن هذه الهجمات لا تؤدي فقط إلى سقوط الضحايا، وإنما تعرقل كذلك عمليات إيصال المساعدات الإنسانية وإجلاء السكان وتوفير الرعاية الطبية.

وأوضح أن آلاف المدنيين ما زالوا محاصرين داخل المناطق المحتلة دون إمكانية الحصول على الغذاء أو الدواء، داعياً إلى وقف لإطلاق النار، ما يسمح بإجلاء المدنيين إلى مناطق أكثر أمناً.

أوضاع أسرى الحرب

كما سلط التقرير الضوء على أوضاع أسرى الحرب، موضحاً أن المفوضية تحققت منذ نوفمبر 2025 من إعدام 20 جندياً أوكرانياً كانوا محتجزين لدى القوات الروسية، في حين أظهرت مقابلات أجرتها مع 130 أسير حرب أوكرانياً أن نصفهم تعرض للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الغذاء.

وشدد تورك على أن حظر التعذيب يمثل قاعدة مطلقة في القانون الدولي، داعياً إلى إنهاء جميع أشكال سوء معاملة الأسرى.

وتناول التقرير كذلك تأثير الحرب على البنية التحتية الحيوية، مشيراً إلى أن الشتاء الماضي كان الأشد برودة منذ خمسة عشر عاماً، في وقت تعرضت فيه منشآت الطاقة الأوكرانية لهجمات متكررة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة والمياه الساخنة عن آلاف المدنيين لأسابيع، في حين وصلت درجات الحرارة إلى عشرين درجة مئوية تحت الصفر.

وأوضح أن هذه الظروف عطلت خدمات أساسية مثل المصاعد وإمدادات المياه، وعوّقت وصول المدنيين إلى الملاجئ أثناء الغارات الجوية، مؤكداً أن الهجمات لم تقتصر على أهداف عسكرية بل طالت بصورة واسعة السكان المدنيين والبنية التحتية المدنية.

وفي الأراضي الأوكرانية الخاضعة للاحتلال الروسي، أشار التقرير إلى استمرار انتهاكات قوانين الاحتلال، من خلال طرد السكان من منازلهم، وفرض قيود على حرية التعبير، وإصدار أحكام وإجراءات بحق 160 شخصاً بسبب معارضتهم للحرب أو دعمهم لأوكرانيا، فضلاً عن تسجيل نحو 40 ألف حالة مصادرة أو نزع ملكية في المناطق المحتلة.

ولفت التقرير أيضاً إلى أن الحرب خلفت آثاراً إنسانية وبيئية واسعة، إذ تشير دراسات حديثة إلى سقوط نحو مليون ضحية بين العسكريين، فضلاً عن تلوث واسع للتربة والأراضي والمياه.

 أوكرانيا: الحرب تستهدف هوية الشعب

من جانبها، أكدت أوكرانيا أن التقرير يعكس جانباً من المعاناة اليومية التي يعيشها المدنيون، معتبرة أن الحرب الروسية لا تستهدف الأراضي فحسب، بل الهوية الوطنية للشعب الأوكراني ومستقبله.

وقالت إن الأشهر الأخيرة شهدت استمرار الهجمات اليومية بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي دمرت مستشفيات ومدارس ومنشآت مدنية، مشيرة إلى أن روسيا استهدفت في يونيو أحد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو، إضافة إلى كاتدرائية تاريخية، ما وصفته بمحاولة لمحو الذاكرة الوطنية.

وأضافت أن الاحتلال يتمثل في حرمان السكان من الغذاء والمياه والأدوية، وإخضاع الأطفال لبرامج ذات طابع عسكري، والضغط على الأسر لفرض الرواية الروسية، مؤكدة أن ملايين الأوكرانيين في المناطق المحتلة يواجهون الاضطهاد المستمر.

ودعت كييف المجتمع الدولي إلى مواصلة الضغط على روسيا، وتفعيل جميع آليات المساءلة الدولية، معتبرة أن تأخير العدالة يعني حرمان الضحايا منها.

 دعم أوروبي واسع للمساءلة

وأجمعت غالبية الدول الغربية التي شاركت في الحوار على إدانة الانتهاكات الموثقة في التقرير، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها.

وأكد الاتحاد الأوروبي أن أعداد الضحايا المدنيين بلغت مستويات قياسية خلال الأشهر الأخيرة، مع استمرار عمليات القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب والعنف الجنسي والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، مطالباً روسيا بوقف عملياتها العسكرية واحترام سيادة أوكرانيا وإعادة جميع الأطفال الذين تعرضوا للنقل أو الإبعاد القسري.

كما شددت هولندا، باسم مجموعة من الدول، على ضرورة دعم المحكمة الجنائية الدولية وآليات التحقيق الدولية، في حين أكدت دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق أن الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية تمثل تهديداً مباشراً للحياة المدنية، مع الدعوة إلى إجراء تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات.

وأعربت ألمانيا عن قلقها من فرض الجنسية الروسية على سكان المناطق المحتلة، ومن عسكرة الأطفال وترحيلهم، مؤكدة أن الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كما دعت المملكة المتحدة وفرنسا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا واليونان والتشيك والجبل الأسود وجورجيا إلى تعزيز المساءلة الدولية، وإنهاء الترحيل القسري للأطفال، ووقف التعذيب والاحتجاز التعسفي، واحترام القانون الدولي الإنساني.

 اليونيسف: الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

بدورها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من استمرار تدهور أوضاع الأطفال في أوكرانيا، مشيرة إلى أن عدد الضحايا من الأطفال ارتفع بنسبة 66% خلال شهر مايو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.

وأوضحت المنظمة أن أكثر من 3600 طفل قتلوا أو أصيبوا منذ بدء الحرب واسعة النطاق عام 2022، معظمهم نتيجة استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة، في حين أثرت الهجمات على مرافق المياه في دونيتسك على أكثر من مئة ألف شخص، مهددة حصولهم على المياه الصالحة للشرب.

 موقف مغاير من كوريا الديمقراطية

في المقابل، انتقدت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية التقرير الأممي، معتبرة أنه يتبنى مقاربة “أحادية ومسيّسة” تركز على انتقاد روسيا، وترفض استخدام آليات حقوق الإنسان للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، مؤكدة دعمها للجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع.

 دعوات متواصلة لإنهاء الحرب

واختتمت الجلسة بتأكيد غالبية الوفود أن استمرار الحرب يؤدي إلى تفاقم الانتهاكات الإنسانية واتساع معاناة المدنيين، مع تجديد الدعوات إلى وقف الأعمال العسكرية، وضمان وصول آليات الأمم المتحدة إلى جميع المناطق المتأثرة، وتعزيز المساءلة الدولية عن الانتهاكات، باعتبارها شرطاً أساسياً لتحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print