منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مليار مصاب بالسمنة حول العالم

235 دعوى قضائية.. الصحة العالمية تتهم شركات الأغذية فائقة المعالجة بعرقلة الإصلاحات الصحية

02 أغسطس 2026
استهلاك الأغذية فائقة المعالجة يشهد نموًا متسارعًا
استهلاك الأغذية فائقة المعالجة يشهد نموًا متسارعًا

كشف تصاعد المواجهات القانونية بين شركات الأغذية فائقة المعالجة والسلطات العامة عن معركة تتجاوز الخلافات التجارية إلى صميم الحق في الصحة، بعدما باتت الحكومات والهيئات الصحية تواجه تحديات قضائية متكررة عند محاولة فرض سياسات تستهدف الحد من استهلاك المنتجات المرتبطة بالسمنة والأمراض المزمنة.

وبينما تؤكد الشركات دعمها العلني لجهود تحسين الصحة العامة، تشير الوقائع إلى أن كثيراً منها يلجأ إلى القضاء للطعن في الإجراءات التنظيمية أو تأخير تنفيذها، في وقت تتزايد فيه معدلات السمنة عالمياً، ويقترب عدد المصابين بها من مليار شخص.

اتهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، كبريات شركات الأغذية فائقة المعالجة بعرقلة اعتماد تدابير أساسية للصحة العامة، معتبراً أن لجوءها المتكرر إلى المحاكم أدى إلى إطالة أمد أزمة السمنة العالمية، وألقى أعباء مالية ضخمة على الدول نتيجة تكاليف الرعاية الصحية والمرافعات القضائية.

مسببات الأمراض

وأوضح أن الأنظمة الغذائية غير الصحية تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بالإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والسرطان، في وقت يشهد فيه استهلاك الأغذية فائقة المعالجة نمواً متسارعاً، حتى أصبحت تمثل نحو نصف متوسط النظام الغذائي في عدد من الدول، بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا.

وبدأت حكومات عديدة، مع تزايد إدراكها للتبعات الصحية والاقتصادية للسمنة، في تطبيق إجراءات تستهدف تشجيع الأنظمة الغذائية الصحية، شملت وضع ملصقات تحذيرية على واجهة العبوات الغذائية، وفرض قيود على تسويق وإعلانات المنتجات غير الصحية، إلى جانب فرض ضرائب على بعض الأغذية، وفي المقابل، تؤكد شركات الأغذية فائقة المعالجة في تصريحاتها أنها تؤيد هذه السياسات وتسعى إلى مساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات غذائية مدروسة.

وقد خلص تحقيق أجرته صحيفة “الغارديان” بالتعاون مع أكاديميين وغرفة الأخبار غير الربحية Lighthouse Reports وائتلاف من المؤسسات الإعلامية إلى أن عدداً من الشركات نفسها لجأ إلى القضاء للطعن في تلك السياسات أو إضعافها أو تأخير تنفيذها، رغم إعلانها دعمها العلني لها.

ورصد التحقيق تسجيل 235 دعوى قضائية استهدفت سياسات صحية مرتبطة بالأغذية فائقة المعالجة في المكسيك وكولومبيا والبرازيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال الفترة بين 2010 و2025، في أول تحليل متعدد الدول من نوعه لدراسة حجم المواجهة القانونية التي تقودها صناعة الأغذية فائقة المعالجة.

معارك قضائية طويلة

وأكد مدير عام منظمة الصحة العالمية، أن نتائج التحقيق لم تكن مفاجئة، لكنها تمثل اعترافاً مؤلماً بوجود نمط متكرر من تدخل الصناعة كلما ارتبط الربح بالمنتج ذاته، موضحاً أن هذا النمط يقوم على إثارة الشكوك وعرقلة التنظيم.

أظهر التحقيق أن ثلاثة أرباع الدعاوى القضائية التي حُسمت انتهت بخسارة شركات الأغذية فائقة المعالجة، إلا أن ذلك لم يمنعها من تحقيق أثر آخر تمثل في تأخير تنفيذ سياسات الصحة العامة لسنوات، واستنزاف وقت وجهد المسؤولين الحكوميين والعاملين في قطاع الصحة في نزاعات قانونية معقدة ومكلفة.

كما أشار التحقيق إلى أن تكرار اللجوء إلى القضاء يوحي بأن أهداف الشركات لا تقتصر على كسب القضايا، وإنما تشمل أيضاً إبطاء إصدار التشريعات الجديدة وتقويض استعداد الحكومات والجهات التنظيمية لتبني سياسات مماثلة مستقبلاً.

وقال غيبريسوس، إن التقرير يوثق استخدام التقاضي لمعارضة أو إضعاف تدابير الصحة العامة الخاصة بالسمنة والأنظمة الغذائية غير الصحية، بما يعادل نحو 600 سنة تراكمية من المعارك القضائية، وبمتوسط عامين ونصف العام لكل قضية، رغم أن معظم تلك القضايا انتهت بالفشل.

ولفت إلى أن هذه التأخيرات تُحمّل الدول مليارات الدولارات من نفقات الرعاية الصحية والتقاضي، كما تخلق حالة من التردد التنظيمي تدفع الحكومات إلى الإحجام عن اعتماد تدابير الحماية الضرورية.

شارك في إعداد الدراسة باحثون من مركز روبرت وإيثيل كينيدي لحقوق الإنسان، وجامعة سيدني، وجامعة ساو باولو، وجامعة كالداس، لدراسة حجم المواجهة القانونية التي تقودها صناعة الأغذية فائقة المعالجة.

وبيّن التحقيق أن الملصقات التحذيرية على المنتجات الغذائية كانت أكثر السياسات تعرضاً للدعاوى القضائية، تلتها الضرائب على الأغذية غير الصحية، ثم القيود على التسويق والإعلانات.

وكشف كذلك أن ثلاثة أرباع الدعاوى رفعتها شركات الأغذية فائقة المعالجة أو الاتحادات التجارية الممثلة لها، فيما أظهرت الوثائق أن بعض الشركات العالمية الكبرى طلبت من المحاكم عدم الكشف عن هويتها أثناء نظر القضايا.

وأوضح التحقيق أنه من بين الدعاوى التي أمكن تحديد الجهة المدعية فيها، رفعت ثماني شركات أم نحو 38% من القضايا، وهي: كوكاكولا، وبيبسيكو، وموندليز، وكيلوغز، ودانون، وفيريرو، وإكسينيوكس، وهارتلاند فود برودكتس غروب.

دعاوى مضادة

رفعت مدينة سان فرانسيسكو، وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، دعوى قضائية ضد عشر من كبريات شركات تصنيع الأغذية في الولايات المتحدة، متهمة إياها بالتسبب في أزمة للصحة العامة من خلال إنتاج وتسويق الأغذية فائقة المعالجة، بما يشمل منتجات لشركتي كوكاكولا ونستله.

وأدرج المدعي العام لمدينة سان فرانسيسكو، ديفيد تشيو، في الدعوى شركات تنتج علامات غذائية واسعة الانتشار، مستنداً إلى أن الأغذية فائقة المعالجة ترتبط بأمراض تشمل السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني، والسرطان.

وقال المدعي العام لمدينة سان فرانسيسكو، ديفيد تشيو، إن تلك الشركات “أخذت الطعام وحولته إلى شيء لم يعد يمكن التعرف عليه، وأصبح ضاراً بجسم الإنسان”، معتبراً أنها صنعت أزمة للصحة العامة وحققت منها أرباحاً طائلة، ويجب أن تتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عنها.

وأوضح مكتب المدعي العام أن الأغذية فائقة المعالجة تشمل الحلوى، ورقائق البطاطس، واللحوم المصنعة، والمشروبات الغازية، ومشروبات الطاقة، وحبوب الإفطار، وغيرها من المنتجات المصممة لتحفيز الرغبة الشديدة في تناول الطعام وتشجيع الإفراط في الاستهلاك، في حين وصفت الدعوى هذه المنتجات بأنها تعتمد غالباً على مكونات منخفضة التكلفة خضعت لمعالجات كيميائية، مع احتوائها على قدر ضئيل جداً، إن وجد، من المكونات الغذائية الطبيعية الكاملة.

شملت الدعوى شركات بيبسيكو، وكرافت هاينز، وبوست هولدينغز، ومونديليز إنترناشيونال، وجنرال ميلز، وكيلوغ، ومارس إنكوربوريتد، وكوناغرا براندز، بينما لم تستجب أي من الشركات المدرجة فيها لطلبات التعليق التي أُرسلت إليها.

وأكدت نائبة رئيس سياسات المنتجات في جمعية العلامات التجارية الاستهلاكية، سارة غالو، أن الشركات تلتزم بمعايير السلامة التي وضعتها هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، مضيفة أنه لا يوجد حالياً تعريف علمي متفق عليه للأغذية فائقة المعالجة، وأن تصنيف الأطعمة على أنها غير صحية لمجرد خضوعها للمعالجة أو تجاهل قيمتها الغذائية الكاملة قد يضلل المستهلكين ويزيد من التفاوتات الصحية.

وقد أظهر تقرير صادر عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) في أغسطس أن معظم الأمريكيين يحصلون على أكثر من نصف السعرات الحرارية التي يستهلكونها من الأغذية فائقة المعالجة.

ووقّع حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نيوسوم، في أكتوبر أول قانون من نوعه في الولايات المتحدة يقضي بالتخلص التدريجي من بعض الأغذية فائقة المعالجة في الوجبات المدرسية خلال العقد المقبل.

استندت دعوى سان فرانسيسكو إلى عدد من الدراسات العلمية بشأن الآثار الصحية لهذه المنتجات، في حين قالت أستاذة جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، كيم نيويل-غرين، إن الأدلة البحثية المتزايدة تربط الأغذية فائقة المعالجة بأمراض خطرة تشمل السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني، وأمراض القلب، وسرطان القولون والمستقيم، وحتى الاكتئاب في سن مبكرة.

واعتبرت الدعوى أن إنتاج هذه الأغذية والترويج لها يشكل انتهاكاً لقانون المنافسة غير العادلة في ولاية كاليفورنيا، وكذلك لقانون الإزعاج العام، مطالبة المحكمة بإصدار أمر يمنع ما وصفته بـ”التسويق المضلل”، وإلزام الشركات بتوعية المستهلكين بالمخاطر الصحية، والحد من الإعلانات الموجهة للأطفال، إلى جانب فرض غرامات مالية تُخصص لمساعدة الحكومات المحلية على تغطية تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة باستهلاك الأغذية فائقة المعالجة.