حذرت المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للرق والاتجار بالأشخاص، كاترينا شوارتز، من أن الرق والاتجار بالبشر لا يزالان ينتشران في مختلف مناطق العالم، رغم مرور عقود على ترسيخ الالتزامات الدولية الرامية إلى القضاء عليهما، مؤكدة أن التحديات الجديدة لم تعد تقتصر على الاستغلال التقليدي، وإنما باتت تتغذى على أزمات متداخلة تشمل الفقر وعدم المساواة والصراعات وتغير المناخ والهجرة والنزوح، إلى جانب الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا في ارتكاب هذه الجرائم.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف خلال الاجتماع السابع للمجلس، برئاسة السفير سيدهارتو ريزا سورياوديورو، في حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للرق والاتجار بالأشخاص، التي عرضت للمرة الأولى أمام المجلس تقريرها في إطار الولاية الجديدة التي جرى دمجها حديثًا، قبل أن تتواصل المناقشات خلال الاجتماع الثامن بمشاركة عشرات الدول والمجموعات الإقليمية والمنظمات الدولية.
وقالت شوارتز إن دمج الولايتين يمثل فرصة لإرساء نهج أكثر شمولًا وقائمًا على حقوق الإنسان، يقوم على فهم العلاقة الوثيقة بين الرق والاتجار بالأشخاص وأسبابهما الجذرية، بدل التعامل مع كل ظاهرة بمعزل عن الأخرى. وأوضحت أن العالم يقف عند نقطة تحول مهمة، خصوصًا أن عام 2026 يصادف الذكرى المئوية لاعتماد اتفاقية الرق لعام 1926، وهي محطة تاريخية كان يفترض أن تعكس تقدمًا حاسمًا نحو القضاء على الرق، إلا أن الواقع الراهن يكشف استمرار أشكال متعددة من الاستغلال.
وأشارت المقررة الخاصة إلى أن المشهد الحالي يتسم بتلاقي أزمات متعددة، حيث تتفاعل الصراعات وعدم الاستقرار والفقر وعدم المساواة والتدهور البيئي وتغير المناخ والهجرة والنزوح، لتنتج مستويات جديدة من الهشاشة يمكن أن تستغلها شبكات الاتجار والعمل القسري. وفي الوقت نفسه، تؤدي بعض سياسات الهجرة التقييدية والحوكمة الصارمة لمسارات الهجرة إلى دفع الأشخاص نحو طرق أكثر خطورة، وتقليص فرص وصولهم إلى الحماية والمساعدة.
ولم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة تستخدمها شبكات الاتجار، بل أصبحت عنصرًا يعيد تشكيل طبيعة الجريمة نفسها. فالمنصات الرقمية ووسائل المراسلة وأنظمة الدفع والتقنيات الحديثة تتيح للمجرمين الوصول إلى ضحايا في دول مختلفة، وتجنيدهم والسيطرة عليهم واستغلالهم، فيما ظهرت أنماط جديدة من الاستغلال المرتبط بعمليات الاحتيال الإلكتروني، التي باتت تشكل واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في النقاش الدولي حول الرق الحديث.
وأكدت شوارتز في الوقت نفسه أن التكنولوجيا تمثل سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن توظيفها ليس فقط في ارتكاب الانتهاكات، وإنما أيضًا في الوقاية منها والكشف المبكر عنها وتحديد الضحايا وتعزيز أنظمة الإنذار.
ودعت إلى الانتقال من انتظار وقوع الانتهاكات إلى تطوير أدوات للتنبؤ بها، وإدخال معايير السلامة والحماية من الاستغلال في تصميم المنصات والبنية التحتية الرقمية منذ البداية.
واستعرضت المقررة الخاصة نتائج زيارة المقرر السابق إلى البرازيل في أغسطس 2025، مشيرة إلى إحراز البلاد تقدمًا كبيرًا في مواجهة العمل القسري، من خلال إطار قانوني ومؤسسات متخصصة وتفتيش للعمل وتعاون مع الناجين والمجتمع المدني والمنظمات العمالية.
لكنها حذرت في المقابل من استمرار تعرض بعض الفئات للاستغلال بصورة غير متناسبة، وفي مقدمتها الشعوب الأصلية ومجتمعات الكيلومبولا والمجتمعات النهرية، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها التحديات البيئية مع الفقر وعدم المساواة والتمييز والإقصاء الاجتماعي ووجود الجماعات الإجرامية.
وشددت على الحاجة إلى زيادة أعداد مفتشي العمل، خصوصًا في المناطق النائية، وتعزيز التنسيق بين أجهزة التفتيش العمالي والسلطات البيئية، فضلًا عن التصدي للممارسات التي تستخدم توصيفات قانونية للعمال بهدف الالتفاف على حقوقهم العمالية.
كما أثارت شوارتز مسألة مسؤولية الشركات عن سلاسل التوريد، معتبرة أن مساءلة القطاع الخاص لا تزال غير كافية، وأن مواجهة الاستغلال تتطلب إجراءات أكثر قوة تجاه الشركات الوطنية والدولية، مع الحفاظ على استقلال آليات الرقابة، بما فيها ما يعرف في البرازيل بـ«القائمة القذرة» الخاصة بالجهات المتورطة في العمل الشبيه بالرق.
وأشادت في الوقت نفسه بتوسيع مبادرة «فيدابوسيرغاتي» الخاصة بالحياة بعد الرق، داعية إلى تعزيز إجراءات حماية الضحايا وإعادة إدماجهم اقتصاديًا واجتماعيًا، كما حثت الحكومة البرازيلية على ضمان الإفراج عن سونيا ماريا دي جيسوس دون مزيد من التأخير.
البرازيل: إنقاذ نحو 68 ألف عامل
وفي ردها على التقرير، أكدت البرازيل أنها صدقت على صكوك منظمة العمل الدولية المتعلقة بالعمل القسري، وأن دستورها وقانونها الجنائي وقانون العمل يتضمنان أحكامًا تحظر الأشكال المعاصرة للرق وعمل الأطفال وأشكال الاستغلال المختلفة.
وأشارت إلى تنفيذ خطط وطنية للقضاء على العمل القسري ومكافحة الاتجار بالأشخاص والقضاء على عمل الأطفال، إلى جانب عمليات تفتيش ميدانية تنفذها مجموعة التفتيش المتنقلة الخاصة التابعة لوزارة العمل، بالتعاون مع مؤسسات العمل والنيابة العامة والشرطة الاتحادية.
وبحسب المداخلة البرازيلية، أسفرت عمليات هذه المجموعة، منذ إنشائها عام 1995، عن إنقاذ نحو 68 ألف عامل في مؤشر على حجم الجهود المطلوبة لمواجهة الاستغلال في سوق العمل.
كما سلطت البرازيل الضوء على حماية الأطفال في البيئة الرقمية، وعلى نظام إلكتروني لتلقي الشكاوى والبلاغات المتعلقة بعمل الأطفال، بما في ذلك البلاغات المجهلة، إلى جانب الخط الساخن 100 المخصص للشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان.
الاحتيال الإلكتروني.. شكل جديد من الرق
وكانت عمليات الاحتيال الإلكتروني من أبرز الملفات التي حضرت بقوة خلال الحوار، بعدما باتت مراكز الاحتيال المنظمة تستقطب أشخاصًا من دول متعددة، ثم تجبر بعضهم على تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني تحت التهديد والعنف والحبس.
وفي بيان باسم مجموعة إقليمية تضم أكثر من 40 دولة، حذرت تايلاند من أن ما لا يقل عن 300 ألف شخص من 80 دولة يعملون في مجمعات الاحتيال، وأن عددًا كبيرًا منهم تعرضوا للحبس والاتجار والعمل القسري والعنف الجسدي والجنسي والتعذيب.
وأشارت تايلاند إلى أنها، بالتعاون مع شركائها، ساعدت منذ فبراير 2025 في إعادة أكثر من 13 ألف شخص من أكثر من 40 دولة جرى إنقاذهم من مراكز الاحتيال في دولة مجاورة، مؤكدة أن مكافحة الاتجار بالأشخاص وعمليات الاحتيال الإلكتروني أصبحت أولوية وطنية.
كما تحدثت كوريا الجنوبية عن مشاركتها في جهود دولية لمواجهة الاتجار الذي تيسره التكنولوجيا، مشيرة إلى إطلاق مجموعة أصدقاء في نيويورك تضم حاليًا 28 دولة، فضلًا عن مشاركتها في فعاليات بمجلس حقوق الإنسان ركزت على تأثير عمليات الاحتيال الإلكتروني في حقوق الإنسان والفجوات المؤسسية المرتبطة بها.
وأكدت دول عدة أن هذا النمط من الجرائم يفرض تطوير أدوات التعاون الدولي، لأن الشبكات الإجرامية تستفيد من الطبيعة العابرة للحدود للتكنولوجيا، ومن الفساد والثغرات القانونية وتفاوت الاختصاصات القضائية، ما يصعب عمليات التحقيق والملاحقة وتحديد هوية الضحايا.
الفقر والهجرة والنزوح.. جذور لا يمكن تجاهلها
وشددت المجموعة الأفريقية، في بيان ألقته كينيا، على أن الفقر وعدم المساواة والنزاعات والنزوح القسري وأوضاع الهجرة غير المستقرة تعد من أهم العوامل التي تجعل الأشخاص أكثر عرضة للاستغلال.
وأكدت المجموعة أن أفريقيا اعتمدت منذ عام 2021 سياسة للاتحاد الأفريقي لمنع الاتجار بالأشخاص، لكنها أشارت إلى أن حجم الظاهرة وطبيعتها العابرة للحدود يتطلبان مزيدًا من التعاون الإقليمي والدولي لتفكيك الشبكات الإجرامية وتعزيز آليات تحديد هوية الضحايا وحمايتهم وضمان تقديم الجناة إلى العدالة.
وفي إطار مجموعة دول غرب أفريقيا «إيكواس»، أكدت نيجيريا أن حرية التنقل تظل عنصرًا أساسيًا للتكامل الإقليمي والفرص الاقتصادية، لكن مسارات التنقل غير الآمنة يمكن أن تتحول إلى بيئة للتوظيف الخادع والعمل القسري والاتجار.
وأشارت المجموعة إلى تنفيذ استراتيجية وخطة عمل للهجرة للفترة من 2025 إلى 2035، مع العمل على تطوير اتفاقات للهجرة الثنائية والعمل والتوظيف العادل، بهدف تحسين حماية العمال وتوسيع مسارات الهجرة الآمنة.
أما إثيوبيا، فأكدت أن الفقر والنزوح والتحديات المناخية والهجرة غير النظامية تزيد من قابلية الأشخاص للاستغلال، داعية إلى استجابات وطنية شاملة تعالج الأسباب الجذرية من خلال التنمية والحماية الاجتماعية وتحسين فرص العمل والوصول إلى العدالة.
حماية الضحايا لا تقل أهمية عن ملاحقة الجناة
ومن بين النقاط التي حظيت بإجماع واسع خلال الحوار، ضرورة ألا تقتصر الاستجابة على ملاحقة مرتكبي جرائم الاتجار والرق، وإنما تمتد إلى حماية الضحايا ودعمهم وإعادة إدماجهم.
وقالت المقررة الخاصة إن آليات الإحالة الوطنية تمثل عنصرًا حاسمًا في ربط الضحايا والناجين بالخدمات الضرورية، داعية الدول إلى تضمين مبدأ عدم معاقبة الضحايا في قوانينها الوطنية، بحيث لا تتم محاسبة الأشخاص على أفعال ارتكبوها كنتيجة مباشرة لتعرضهم للاتجار أو الاستغلال.
وشددت على أن الحماية يجب ألا تكون مشروطة بالوضع القانوني للمهاجر أو بخصائص هويته، وأن العدالة في قضايا الرق والاتجار لا يمكن اختزالها في إصدار أحكام بحق الجناة، بل يجب أن تشمل تعافي الناجين وإعادة إدماجهم بصورة مستدامة.
وأكدت أن الأشخاص الذين أجبروا على ارتكاب جرائم نتيجة استغلالهم يجب التعامل معهم أولًا باعتبارهم ضحايا وأصحاب حقوق، وهو مبدأ اكتسب أهمية خاصة في ظل توسع عمليات الإجرام القسري المرتبطة بمراكز الاحتيال الإلكتروني.
مسؤولية الشركات وسلاسل التوريد
وأعاد الحوار التأكيد على أن مكافحة الرق الحديث ليست مسؤولية الحكومات وحدها، في ظل وجود جزء كبير من العمل القسري داخل الاقتصاد الخاص وسلاسل التوريد العالمية.
وأشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الرق الحديث والاتجار بالأشخاص يؤثران على أكثر من 50 مليون شخص عالميًا، ويحققان أكثر من 236 مليار دولار من الأرباح غير المشروعة سنويًا، وهي أموال تتحرك عبر النظام المالي العالمي.
ودعا البرنامج إلى توسيع دور المؤسسات المالية في الوقاية، من خلال الاستثمار المسؤول والعناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان والإفصاح عن المخاطر وتعزيز الشمول المالي، مؤكدًا أهمية إدماج خبرات الناجين في تصميم هذه السياسات.
وفي الاتجاه نفسه، استعرض الاتحاد الأوروبي إجراءات تشريعية لمواجهة الاتجار والعمل القسري، من بينها قواعد تمنع دخول المنتجات المصنوعة باستخدام العمل القسري إلى سوق الاتحاد الأوروبي، مع توفير آليات للتعامل مع حقوق العمال المتضررين.
التكنولوجيا بين الخطر والفرصة
وتكررت الإشارة خلال المناقشات إلى أن التطور التكنولوجي يفتح مسارات جديدة أمام شبكات الاتجار، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يصبح أداة لمكافحة هذه الجرائم.
وترى المقررة الخاصة أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في أنظمة بيانات أكثر قوة، وبناء آليات للإنذار المبكر، وتطوير أدوات قادرة على رصد أنماط الاستغلال قبل تحولها إلى جرائم واسعة النطاق، إلى جانب فرض مسؤوليات واضحة على شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية.
وأكدت أن الاتجار السيبراني ليس نشاطًا محايدًا، وإنما يولد أرباحًا للجناة بينما يحرم الأشخاص المستغلين من ثمار عملهم، ما يستدعي مواجهة الجانب الاقتصادي للجريمة، إلى جانب بعدها الجنائي والحقوقي.
مائة عام من الالتزامات.. والسؤال الأصعب
وفي ختام الحوار، أكدت شوارتز أن أكثر من 450 مساهمة من الدول والمجتمع المدني والناجين والأوساط الأكاديمية والمنظمات الدولية وغيرها شكلت أساسًا لتقريرها الأول، معتبرة أن النقاش أظهر استمرار الإرادة الدولية للقضاء على الأشكال المعاصرة للرق والاتجار بالأشخاص.
وأكدت أن لا دولة محصنة من هذه الظواهر، وأن طبيعتها العابرة للحدود تفرض استجابة دولية مشتركة، إلى جانب دعم الدول في تنفيذ التوصيات وتطوير التشريعات والممارسات الوطنية.
لكنها طرحت السؤال الأهم في ختام حديثها: لماذا، رغم مرور مائة عام على ترسيخ الالتزامات الدولية المناهضة للرق، لا يزال الاستغلال والاتجار بالبشر ينتشران؟.
وترى المقررة أن الإجابة لن تكون في تشديد العقوبات وحده، وإنما في تغيير طريقة التعامل مع الظاهرة، عبر الوقاية ومعالجة أسبابها الهيكلية، وحماية الضحايا وإعادة إدماجهم، وإلزام الشركات بمسؤولياتها، وتنظيم التكنولوجيا والهجرة، وتعزيز التعاون الدولي، والأهم الاستماع إلى خبرات الناجين وأصواتهم.
فبعد قرن من اعتماد اتفاقية الرق، يبدو أن التحدي لم يعد فقط في إعلان رفض الرق، وإنما في تحويل هذا الرفض إلى واقع ملموس، في عالم تتغير فيه أدوات الاستغلال بسرعة أكبر من قدرة القوانين والمؤسسات على ملاحقتها.
