لم يعد الفضاء الرقمي مجرد امتداد تقني للحياة اليومية أو ساحة محايدة لتبادل الآراء والمعلومات، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ميدان مركزي تتقاطع فيه الحقوق والحريات مع أدوات الرقابة والضبط والسيطرة، فمع اتساع الاعتماد على الإنترنت في العمل والتعليم والإعلام والتنظيم المجتمعي والتعبير السياسي، باتت حرية الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير والحق في الخصوصية وحرية التنظيم مرتبطة بصورة مباشرة بما يجري داخل هذا الفضاء.
غير أن هذا الاتساع نفسه فتح الباب أيضًا أمام أنماط جديدة من التدخل السلطوي، حيث لم تعد الرقابة الرقمية تقتصر على الحجب المباشر أو قطع الخدمة، بل امتدت إلى المراقبة الواسعة، وتتبع المستخدمين، والتضييق على المحتوى، وتقييد المنصات، وفرض تشريعات فضفاضة تسمح بإعادة رسم الحدود الفعلية للتعبير باسم الأمن أو النظام العام أو مكافحة التضليل.
وفي هذا السياق، لم تعد محاولات الدول لإدارة الفضاء الرقمي مسألة تقنية أو تنظيمية بحتة، بل أصبحت جزءًا من إعادة تعريف المجال العام نفسه، فالكثير من الحكومات تتجه اليوم إلى سن قوانين وسياسات تتحكم في تدفق المعلومات، وتفرض على المنصات التزامات رقابية، وتمنح السلطات صلاحيات أوسع في المراقبة والحذف والتتبع، بما يجعل الإنترنت أقل انفتاحًا وأكثر خضوعًا للاعتبارات السياسية والأمنية.
وتكمن الخطورة في أن هذه الإجراءات تُطرح غالبًا تحت عناوين تبدو مشروعة، مثل مكافحة الجريمة الإلكترونية، أو حماية الأمن القومي، أو الحد من خطاب الكراهية، لكنها قد تُستخدم عمليًا لتقليص المساحة المتاحة للنقد، وملاحقة الأصوات المعارضة، والحد من قدرة الأفراد على الوصول الحر إلى المعرفة والتعبير والمشاركة العامة.
تراجع حرية الإنترنت
وتشير تقارير فريدوم هاوس لعام 2025 إلى أن حرية الإنترنت تواصل التراجع عالميًا للعام الخامس عشر على التوالي، في دلالة واضحة على أن القيود الرقمية لم تعد استثناءات مؤقتة مرتبطة بأزمات بعينها، بل أصبحت في كثير من السياقات سياسات مستقرة وممنهجة.
ويعكس هذا المسار العالمي انتقال الرقابة الرقمية من كونها ممارسة ظرفية إلى بنية حكم متكاملة تتخذ صورًا متعددة، من حجب المواقع واعتقال المستخدمين بسبب منشوراتهم، إلى استخدام تقنيات المراقبة المتقدمة، والتلاعب بالمجال المعلوماتي، وإخضاع الفضاء الرقمي لمنطق الضبط السياسي.
ومن ثم، فإن النقاش حول الإنترنت اليوم لم يعد نقاشًا حول التكنولوجيا فقط، بل حول طبيعة السلطة، وحدود الحرية، وحق الأفراد في أن يظل الفضاء الرقمي مجالًا عامًا مفتوحًا لا ساحة مُدارة بالكامل بمنطق الرقابة.
نماذج متباينة وهدف واحد
في الصين، تتخذ الرقابة الرقمية طابعا شاملا، حيث لا تقتصر على حجب المواقع، بل تمتد إلى إدارة متكاملة للفضاء الإلكتروني. وقد سجلت 9 من 100 في مؤشر حرية الإنترنت لعام 2025 وفق فريدوم هاوس، وهو أدنى تقييم عالمي.
وتعتمد السلطات على أنظمة تحقق من الهوية، وخوارزميات لرصد المحتوى، وبنية تقنية تسمح بحجب واسع النطاق، في نموذج يعكس انتقال الرقابة من إجراء دفاعي إلى منظومة إدارة مجتمعية رقمية.
أما في روسيا، فقد تصاعدت الرقابة بشكل ملحوظ، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، عبر حجب منصات عالمية، وتعزيز منصات محلية خاضعة للرقابة، إلى جانب توظيف الشركات التقنية في منظومة المراقبة.
وتشير تقارير إلى قدرة تطبيقات محلية على رصد استخدام أدوات تجاوز الحجب، ما يعكس تداخلا متزايدا بين الدولة والقطاع الخاص.
وفي إيران، تتحول الرقابة الرقمية إلى أداة مباشرة لإدارة الأزمات، حيث تم قطع الإنترنت بشكل شبه كامل عن نحو 93 مليون شخص خلال احتجاجات حديثة.
وفي المقابل، ارتفع استخدام أدوات تجاوز الحجب بنسبة 707% وفق أكسس ناو، ما يشير إلى وجود مقاومة رقمية موازية.
أما تركيا فتقدم نموذجا مختلفا قائما على التنظيم القانوني، حيث حصلت على 31 من 100 في مؤشر حرية الإنترنت، وتعتمد السلطات على حجب المواقع، وإبطاء الخدمات، وملاحقة المستخدمين قضائيا، في إطار يمنح الرقابة غطاء قانونيا لكنه يؤدي إلى تضييق تدريجي لمساحة التعبير.
اتجاه عالمي متصاعد
تعكس هذه الحالات نمطا عالميا متزايدا، حيث سجلت أكسس ناو نحو 313 حالة قطع إنترنت في 52 دولة خلال عام 2025، وهو أعلى رقم مسجل.
كما وثّقت فريدوم هاوس اعتقال أفراد بسبب آرائهم الرقمية في 57 من أصل 72 دولة شملها التقرير، إضافة إلى محاولات حجب أدوات تجاوز الرقابة في 21 دولة، ما يشير إلى أن السيطرة لم تعد تقتصر على المحتوى، بل امتدت إلى وسائل الوصول إليه.
على أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل فرد في حرية التعبير وتلقي المعلومات دون تدخل، إلا أن الواقع يظهر فجوة واضحة بين الالتزامات القانونية والممارسات الفعلية، خاصة في ظل غياب رقابة قضائية مستقلة على أدوات المراقبة الرقمية.
متى تتحول المراقبة إلى انتهاك؟
يرى القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، الدكتور ليث نصراوين، أن التوازن بين حرية التعبير والحق في الخصوصية يستند إلى قواعد القانون الدولي، حيث تضمن المادة 19 حرية التعبير، بينما يحمي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحياة الخاصة ومنع التدخل التعسفي في الاتصالات.
ويؤكد د. نصراوين، في حديثه لـ”صفر”، أن الأصل هو الحماية، والاستثناء هو التقييد، شريطة أن يستند إلى قانون واضح، وأن يحقق هدفا مشروعا، وأن يكون متناسبا، وهي المبادئ المعروفة بالشرعية والضرورة والتناسب.
المراقبة تكون مشروعة إذا تمت بإذن قضائي محدد، ومرتبطة بحالة أو جريمة معينة، أما إذا اتسمت بالعمومية أو غابت عنها الرقابة القضائية، فإنها تتحول إلى انتهاك مباشر لحرية التعبير والخصوصية، حسبما يوضح نصراوين.
ويقول إنه رغم وضوح الإطار القانوني، فإن التحدي يكمن في التطبيق، خاصة مع التطور السريع للتكنولوجيا، ما يوسع نطاق المراقبة ويتجاوز أحيانا قدرة القوانين على مواكبته، ويكشف عن فجوة متزايدة بين النصوص والممارسة.
اختلاف في فهم الحرية
تحدثنا في منصة “صفر” مع الخبير تيمو شميتز، الذي يرى أن مفهوم حرية التعبير ليس موحدا عالميا، بل يتشكل وفق السياقات السياسية والثقافية. فبينما تعطي الدول الغربية أولوية للفرد، تميل نماذج أخرى مثل الصين إلى ربط الحرية بالاستقرار المجتمعي.
ويشير شميتز إلى أن المراقبة الرقمية تُستخدم في بعض السياقات كأداة لتعزيز الأمن العام، لا فقط لتقييد الحرية، ما يعكس اختلافا في تفسير دور الدولة وحدود التدخل.
ويكشف هذا الطرح وجود رؤيتين؛ الأولى تركز على الحرية الفردية، والثانية تربطها بالاستقرار الاجتماعي. وبين هذين النموذجين، يستمر الجدل حول الحدود الفاصلة بين تنظيم الحرية وتحويلها إلى أداة للضبط والسيطرة.
تكشف التجارب في الصين وروسيا وإيران وتركيا أن المراقبة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لحماية الأمن، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل المجال العام والتحكم في الخطاب السياسي.
وفي ظل غياب الضوابط المستقلة والشفافية، تتقلص مساحة حرية التعبير تدريجيا، لتصبح مسألة تنظيم الحرية أقرب إلى إعادة تعريفها.

