منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

البلوزة الوهرانية.. خيط من الذهب يحفظ ذاكرة المرأة الجزائرية

17 أغسطس 2026
الجزائر.. البلوزة الوهرانية تحفظ التراث الشعبي
الجزائر.. البلوزة الوهرانية تحفظ التراث الشعبي

في مدينة وهران الجزائرية، لا تُعد البلوزة الوهرانية مجرد قطعة ملابس ترتديها النساء في المناسبات، بل حكاية ممتدة عبر أجيال، تحمل في خيوطها وزخارفها قصص الأمهات والجدات، وتختزن ذاكرة مدينة عرفت تعاقب حضارات وثقافات مختلفة.

وبين أزقة المدينة القديمة وورش الخياطة المنتشرة في المدينة الجديدة، تواصل الحرفيات صناعة هذا الزي التقليدي الذي تحول مع مرور الزمن إلى رمز للهوية الجزائرية، يجمع بين الأناقة والحفاظ على الموروث الثقافي.

بالنسبة إلى نجاة مزاغشة، مدربة الخياطة والتفصيل الدولية، فإن البلوزة الوهرانية ليست مجرد قماش يُقص ويُخاط، بل تعبير عن انتماء المرأة الجزائرية وارتباطها بتاريخها، إذ ترى أن كل غرزة في هذا اللباس تحمل قصة متوارثة من جيل إلى آخر.

ذاكرة مدينة في قطعة لباس

ترتبط البلوزة الوهرانية بتاريخ طويل يعود، بحسب رواية الحرفيات، إلى جذور تمتد إلى القرن السادس عشر، فيما ارتبط تطورها الحديث بفترة ما بعد عام 1830.

وتحمل البلوزة آثار التعدد الحضاري الذي عرفته وهران، من التأثيرات الأمازيغية والعربية والإسلامية إلى البصمة الأندلسية التي تركت أثراً واضحاً في فنون التطريز وتصميم الأزياء.

وتوضح نجاة مزاغشة أن البلوزة مرت بمراحل تطور عديدة، إذ بدأت بتصميم قريب من القندورة والعباءة الواسعة، قبل أن تأخذ شكلها الحالي الذي يجمع بين الطابع التقليدي ومتطلبات العصر.

لكن رغم تغير التصاميم، بقيت عناصرها الأساسية حاضرة، وعلى رأسها التطريز بالخيوط الذهبية والزخارف اليدوية التي تمنحها خصوصيتها وتميزها.

ورش تحفظ الحرفة

في أحياء وهران القديمة، تحوّلت ورش الخياطة إلى أماكن تحفظ ذاكرة الزي التقليدي، حيث تتعلم الفتيات أسرار الحرفة من النساء اللواتي ورثنها عن أمهاتهن وجداتهن.

ومن ساحة الطحاحة مروراً بشارع غوتي عبد القادر وصولاً إلى شارع مزوار محمد، تنتشر محال الأقمشة وورش التطريز التي تجمع بين الأدوات التقليدية والتقنيات الحديثة.

وهذه الورش لا تبيع الملابس فقط، بل تحافظ على سلسلة طويلة من المعرفة اليدوية، إذ يحتاج تصميم البلوزة الواحدة إلى ساعات من العمل الدقيق، بداية من اختيار القماش وصولاً إلى رسم الزخارف وتثبيت التطريزات.

رحلة تبدأ من الخيط

تبدأ صناعة البلوزة الوهرانية باختيار القماش المناسب، سواء كان الحرير أو القطن أو الكتان أو الدانتيل، ثم تحديد التصميم والزخارف التي تناسب المناسبة.

وتتميز البلوزة بطولها الذي يصل إلى القدمين، مع جزء سفلي مستدير، وفتحة رقبة قد تكون مربعة أو على شكل حرف V، بينما تختلف أشكال الأكمام والزينة بحسب التصميم.

وغالباً ما تكتمل الإطلالة بالحزام التقليدي، إضافة إلى قطع أخرى ترافق الزي مثل “الجلطيطة” والسروال المعروف محلياً ضمن اللباس النسوي الوهراني.

وبين الخيوط الذهبية والأحجار الزخرفية، تتحول قطعة القماش إلى عمل فني يعكس مهارة الحرفيات وخصوصية الثقافة المحلية.

لباس يحكي مكانة المرأة

لم تكن البلوزة الوهرانية مجرد اختيار جمالي، بل ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية ومراحل الحياة المختلفة، فبعض أنواعها ارتبطت بالأعراس والاحتفالات، مثل بلوزة “الكرسي”، التي تعد من الأنماط المعروفة لدى العرائس، بينما ارتبطت تصاميم أخرى بالنساء الأكبر سناً أو بمناسبات الحزن والحداد.

وتعكس الألوان والزخارف المستخدمة مكانة المرأة والمناسبة التي ترتدي فيها الزي، إذ كانت التفاصيل تحمل رسائل اجتماعية وثقافية تتجاوز الشكل الخارجي.

ومن بين الأنماط المعروفة أيضاً بلوزة “الكبارات” المخصصة لكبيرات السن، و”بلوزة الوقر” التي تتميز بألوان أكثر هدوءاً وترتبط بفترات الحداد.

تراث يحاول الوصول للعالمية

مع استمرار حضور البلوزة الوهرانية في المناسبات الجزائرية، تسعى الجزائر إلى تثمين هذا الموروث الثقافي من خلال إيداع طلب لدى منظمة اليونسكو لتسجيلها ضمن التراث الثقافي الجزائري.

وبالنسبة إلى الحرفيات، لا يتعلق الأمر فقط بالحفاظ على زِيّ تقليدي، بل بحماية جزء من ذاكرة المرأة الجزائرية وتاريخ مدينة وهران.

فالبلوزة الوهرانية ليست مجرد ثوب يُرتدى، بل قصة تُحاك بالخيط والإبرة؛ قصة نساء حافظن على حرفة قديمة وجعلن من قطعة القماش شاهداً على الهوية والانتماء عبر الزمن.