حان الوقت لأن نقولها بوضوح: الحكومة على وشك تعريض مئات النساء المستضعفات لخطر الموت أو الإصابة البالغة. فالناجيات من العنف الأسري، وبينهن نساء عشن سنوات من الضرب والإذلال والترهيب، يستعددن الآن لشهر أكتوبر، حين يبدأ الإفراج المبكر عن نحو خمسة آلاف سجين. والسؤال الذي يطاردهن بسيط ومخيف في آن واحد: ماذا يفترض أن نفعل؟ وإلى أين نذهب؟ فمعتدونا يعرفون عناوين منازلنا، ويعرفون المدارس التي يذهب إليها أطفالنا.
وبعد موجة واسعة من الغضب، قررت الحكومة استبعاد المغتصبين وبعض مرتكبي الجرائم الجنسية بحق الأطفال من برنامج الإفراج المبكر. لكنها رفضت استبعاد المدانين بالعنف الأسري، وكأنها تقول إن هذا النوع من الجرائم، والذي يتكرر بصورة منهجية ويرتبط بمقتل امرأة كل خمسة أيام، ليس أولوية تستحق الحماية.
في عام 2023 تعهد كير ستارمر بخفض معدلات العنف ضد النساء إلى النصف خلال عشر سنوات. كان وعداً لافتاً، لكنه فقد الكثير من معناه عندما أصبح رئيساً للوزراء وطرح خطة تسمح بعودة آلاف المدانين إلى الشوارع قبل انتهاء محكومياتهم. لا أحد ينكر أن آندي بورنهام ورث أزمة حقيقية تتمثل في اكتظاظ السجون البريطانية، لكن الحل الذي اختاره، وهو في جوهره نسخة معدلة من خطة الحكومة السابقة، يمثل مقامرة خطيرة بأرواح النساء.
على مدى ثماني سنوات، شغلت منصب الرئيسة المشاركة لمجلس مكافحة العنف ضد النساء والفتيات التابع لعمدة لندن. وخلال تلك الفترة رأيت عن قرب الحجم المدمر للعنف الذي تتعرض له النساء داخل العلاقات الأسرية، كما شاهدت النقص المزمن في الموارد المخصصة لدعم الضحايا. واطلعت على عشرات المراجعات الخاصة بجرائم القتل الأسري، وكان القاسم المشترك بينها دائماً هو الفرص الضائعة التي كان يمكن أن تنقذ حياة امرأة لو أن المؤسسات تصرفت في الوقت المناسب.
اليوم، وبعد كل التحذيرات، لا يستطيع بورنهام ولا وزير العدل أليكس نوريس الادعاء بأن أحداً لم ينبههما إلى المخاطر.
فمفوضة مكافحة العنف الأسري، السيدة نيكول جاكوبس، حذرت صراحة من أن عدم استبعاد مرتكبي العنف الأسري من برنامج الإفراج المبكر “يعرض حياة الضحايا للخطر”، مؤكدة أن هؤلاء الرجال غالباً ما يكونون مهووسين بالسيطرة على ضحاياهم ومستعدين لفعل أي شيء لإلحاق الأذى بهن.
وللعنف بين الشريكين طبيعة مختلفة عن غيره من الجرائم؛ فالرجال الذين يمتلئون غضباً تجاه زوجاتهم أو شريكاتهم السابقات هم الأكثر قابلية للعودة إلى الاعتداء مرة أخرى.
ورغم محدودية البيانات الرسمية، فإن معدلات العود إلى الجريمة تثير القلق. فالإحصاءات لا تفصل مرتكبي العنف الأسري عن بقية جرائم العنف، إذ تُدمج مع جرائم الاعتداء والإتلاف والحرق. لكن الوقائع الأخيرة تؤكد وجود صلة واضحة بين العنف المنزلي وأشكال العنف الأخرى في المجتمع. فكثير ممن شاركوا في أعمال الشغب العنيفة مؤخراً كانت لديهم سوابق في الاعتداء على شريكاتهم.
وقد أوضحت في كتابي Home Grown: How Domestic Violence Turns Men Into Terrorists أن عدداً كبيراً من مرتكبي أعمال العنف العام بدؤوا أولاً بممارسة العنف داخل أسرهم.
أما ما نعرفه يقيناً، فهو أن نسبة كبيرة من السجناء الذين يُفرج عنهم يعودون إلى ارتكاب الجرائم مجدداً. فمعدل العود المؤكد بين البالغين الذين أُفرج عنهم من السجون خلال الفترة بين يناير ومارس 2024 بلغ 43.8%، وهو رقم يكشف بوضوح أن برامج إعادة التأهيل داخل السجون لا تحقق النتائج المرجوة.
ولهذا شددت مفوضة حقوق الضحايا، كلير واكسمان، على أن نجاح أي برنامج للإفراج المبكر يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر، وشروطاً صارمة للإفراج، ورقابة حقيقية، وتواصلاً مستمراً مع الضحايا، فضلاً عن تقديم الدعم النفسي المناسب لهم.
لكن هل يملك جهاز المراقبة والإفراج المشروط القدرة على القيام بكل ذلك؟
للأسف، الواقع يقول عكس ذلك.
فقد كشف تقرير صادر الشهر الماضي عن مكتب التدقيق الوطني أن نحو تسعة آلاف شخص كان ينبغي إخضاعهم للمراقبة الإلكترونية لا يرتدون الأساور المخصصة لذلك، في حين تؤكد الحكومة أن العدد أقل من هذا، لكنه لا يزال بالآلاف.
كما خلص التقرير إلى أن الشرطة وضباط الإفراج المشروط يفتقرون في كثير من الأحيان إلى المعلومات أو الإمكانات التي تسمح لهم بالتدخل السريع عند خرق شروط الإفراج، وأن ما يقرب من نصف البلاغات المتعلقة بهذه الانتهاكات لا يترتب عليها أي إجراء.
هذه هي المنظومة التي تطلب الحكومة من النساء الوثوق بها، في حين تؤكد لهن أن المعتدين سيخضعون للمراقبة وستُفرض عليهم قيود تمنعهم من دخول مناطق معينة.
لكن كيف يمكن لمثل هذه الوعود أن تطمئن امرأة ترى الرجل الذي كاد أن يقتلها يقف أمام باب منزلها؟ أو يفاجئها وهي تحمل مشترياتها إلى سيارتها؟
بل إن بعض الضحايا يؤكدن أنهن يواجهن أصلاً تشكيكاً من السلطات عندما يبلغن عن خرق شركائهن السابقين لشروط الإفراج.
الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها أن النساء نادراً ما يرتكبن الجرائم العنيفة. فنحن، في الغالب، ضحايا ولسنا جناة.
ومع ذلك، ظل نظام العدالة الجنائية يخفق في حمايتنا لسنوات طويلة. ففي إنجلترا وويلز، لا ينتهي سوى أقل من ثلاثة آلاف قضية من بين أكثر من سبعين ألف بلاغ سنوي عن الاغتصاب بإدانة قضائية، وهو ما جعل كثيرات يعتبرن أن جريمة الاغتصاب أصبحت، عملياً، شبه منزوعة العقاب.
لهذا كان إدراج مرتكبي الجرائم الجنسية في خطة الإفراج المبكر إهانة حقيقية للضحايا، حتى وإن جرى التراجع عنه لاحقاً.
أما الآن، فيُطلب من ضحايا العنف الأسري تقبل الإفراج عن المعتدين بعد أن أمضوا ثلث مدة عقوبتهم فقط، بحجة أن أزمة السجون لا تترك للحكومة خياراً آخر.
قد تكون السجون أماكن قاسية ومكتظة وتعاني نقصاً في العاملين وانتشاراً للجريمة، لكن وظيفتها الأساسية، في رأيي، هي حماية النساء والأطفال من رجال سبق أن اعتدوا عليهم، ولن يترددوا في تكرار ذلك إذا سنحت لهم الفرصة.
فالعنف الأسري ليس مجرد مصطلح إداري بارد، بل هو أطراف محطمة، وجماجم مكسورة، وأطفال يرتجفون رعباً في زوايا المنازل.
وحين تقرر الحكومة إعادة هؤلاء الرجال إلى الشوارع قبل انتهاء عقوباتهم، فإن النساء الناجيات هن من سيدفعن ثمن هذا الفشل السياسي.
نقلاً عن الجارديان
