إصلاحات مرتقبة تضع أموال اللبنانيين أمام اختبار العدالة وتوزيع الخسائر بعد سنوات من احتجاز الودائع المصرفية، فمنذ اندلاع الأزمة المالية والمصرفية في لبنان عام 2019 لم تعد أموال المودعين مجرد أرقام عالقة في دفاتر المصارف، وإنما تحولت إلى واحدة من أهم القضايا الحقوقية والاقتصادية في البلاد.
ووجد ملايين اللبنانيين أنفسهم عاجزين عن الوصول بحرية إلى مدخراتهم، في حين تراجعت قيمة ما تبقى منها بفعل الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة وارتفاع معدلات التضخم، وبعد سنوات من الانتظار يترقب المودعون اللبنانيون مساراً جديداً للإصلاح المالي، في ظل مطالب دولية بضرورة معالجة الاختلالات التي راكمها القطاع المصرفي والدولة ومصرف لبنان، ووضع آلية واضحة وعادلة للتعامل مع الخسائر والودائع.
وفي قلب هذا المسار، تبرز عبارة “الانتظام المالي” باعتبارها عنواناً لمرحلة يُفترض أن تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان والمودعين، رغم الشكوك في استعادة أموال المودعين وحقوقهم واحتمالات إعادة توزيع الخسائر بطريقة يتحمل فيها المواطن الجزء الأكبر من فاتورة الانهيار.
وقبل الأزمة اللبنانية، كان القطاع المصرفي أحد أبرز ركائز الاقتصاد، إذ جذبت المصارف لسنوات ودائع اللبنانيين والمغتربين، مستفيدة من نموذج مالي قائم على تدفقات الأموال من الخارج وأسعار فائدة مرتفعة، لكن النموذج انهار مع الأزمة التي بدأت تتكشف بصورة حادة في عام 2019، لتتبعها قيود مصرفية غير رسمية على السحب والتحويل، وانهيار العملة الوطنية، ثم تعثر الدولة عن سداد ديونها السيادية في مارس 2020.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح المودعون اللبنانيون أمام واقع جديد، حيث توجد الأموال اسمياً في حساباتهم، في حين لا يستطيعون الوصول إليها بالشروط والقيمة التي كان يتمتع بها قبل الأزمة، خصوصاً في ظل انهيار سعر صرف الليرة؛ إذ فقدت العملة اللبنانية معظم قيمتها، في حين تراجعت القيمة الفعلية للمدخرات المقومة بالليرة وبالعملات الأجنبية على حد سواء نتيجة القيود المفروضة على السحب والتحويل.
انهيار شبه كامل
لم تتوقف التداعيات عند الخسارة المالية المباشرة، بل امتدت إلى الحق في السكن والتعليم والرعاية الصحية والتقاعد والعمل، بالنسبة إلى آلاف العائلات التي كانت تعتمد على مدخراتها المصرفية لتأمين احتياجاتها الأساسية، لذلك تصاعدت المطالب المتعلقة بإعادة الانتظام المالي في لبنان في وقت تسعى فيه السلطات إلى استعادة الثقة بالنظام المالي والمصرفي، والتوصل إلى برنامج إصلاحي يمكن أن يحظى بدعم صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي.
وتشمل الإصلاحات المطروحة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة الخسائر في ميزانيات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، إلى جانب وضع إطار للتعامل مع ودائع المواطنين، وذلك رغم أن الانتظام المالي لا يعني تلقائياً أن جميع المودعين سيحصلون على أموالهم كاملة أو فوراً؛ لأن المشكلة الأساسية هي حجم الفجوة بين الالتزامات المصرفية والأصول المتاحة، ما يجعل استعادة كامل الودائع أمراً بالغ الصعوبة من دون إعادة توزيع واسعة للخسائر.
ويمثل صندوق النقد الدولي طرفاً رئيساً في مسار الإصلاح اللبناني، بعدما دخلت بيروت في مفاوضات متكررة مع الصندوق بشأن برنامج إصلاحي يعيد الاستقرار إلى الاقتصاد ويعالج الاختلالات المالية؛ إذ يضع الصندوق إعادة هيكلة القطاع المصرفي في صدارة الإصلاحات المطلوبة، مع تأكيد ضرورة الاعتراف بالخسائر ومعالجتها، وإعادة بناء نظام مصرفي قابل للاستمرار، ما يضمن حماية صغار المودعين واحترام ترتيب الأولويات في توزيع الخسائر.
وبينما تسعى السلطات في لبنان إلى تحقيق الانتظام المالي، ينتظر المودعون أن يكون هذا الانتظام قائماً على قاعدة واضحة، ولا سيما أنه لا يمكن بناء نظام مالي مستقر على أنقاض حقوق أصحاب المدخرات، إلى جانب توزيع الخسائر بصورة عادلة وشفافة، وأن تُعطى الأولوية لمن تمثل الودائع بالنسبة إليهم مصدر أمان ومعيشة، وأن تتم محاسبة من تسببوا في الأزمة أو أسهموا في تعميقها.
حلم ضائع
تقييماً للإصلاح المصرفي المقترح، قال عضو جمعية “صرخة المودعين” في لبنان، علاء خورشيد، إن قانون الانتظام المالي لن يعيد الأموال إلى المودعين، معتبراً أن القوانين التي تُطرح في الوقت الراهن لا تمثل حلاً لأزمة الودائع، وإنما تأتي في إطار محاولات للتهرب من المسؤولية وعدم تحمل تبعات الانهيار المالي، وتكريس مبدأ “عفا الله عما سلف”.
وأوضح خورشيد في تصريحات لـ”صفر” أن الحل لا يكمن في إصدار تشريعات جديدة، وإنما في تطبيق القوانين القائمة ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، قائلاً: “إن المطلوب هو تطبيق القوانين الموجودة حالياً ومحاسبة الفساد”.
وأعرب عضو جمعية “صرخة المودعين” عن أسفه الشديد لعدم تفاؤله بإمكانية تحقيق هذه المحاسبة في لبنان: “هذا لم ولن يحدث في لبنان للأسف الشديد”؛ نظراً لتعقيدات الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.
وفيما يتعلق بحقوق المودعين، شدد خورشيد على ضرورة أن تعود الودائع، مطالباً بملاحقة “من هرب أمواله إلى الخارج، والوزارات التي أخذت أموالاً واستعملتها بطرق غير مشروعة”.
واختتم خورشيد حديثه بتأكيد رفضه القانون المقترح: “بالتأكيد لن يكون الإصلاح المصرفي المقترح أو قانون الانتظام المالي هو الذي سيعيد هذه الأموال للمودعين”.
قوانين مُجحفة
ولم يختلف عن موقف سلفه، خليل برمانا، عضو جمعية “صرخة المودعين” في لبنان، في حديثه لـ”صفر”، معلناً رفضه لأي قانون جديد يتعلق بأزمة الودائع، قائلاً: “نحن نعلن بوضوح أننا ضد أي قانون جديد، وضد التعاميم، وضد كافة القوانين المجحفة التي تُحاك بحق المودعين”.
وشدد برمانا على أن الواجب يفرض على المسؤولين احترام الدستور اللبناني والمواد الواردة فيه، كما يجب عليهم احترام قانون النقد والتسليف، مؤكداً أن معالجة الأزمة ينبغي أن تستند إلى القوانين القائمة، وليس إلى تشريعات جديدة يرى أنها قد تنتقص من حقوق المودعين.
وأضاف: “إننا لا نطالب إلا بقانون واحد فقط، وهو استرجاع الودائع المنهوبة من الخارج، لا أكثر ولا أقل”، مؤكداً رفضه القانون المرتقب طرحه، وكذلك كل القوانين التي ستُطرح، باعتبارها -من وجهة نظره- “مجحفة بحق المودعين، وبحق تاريخهم وكرامتهم وحصيلة مجهود عمرهم وحياتهم”.
وتابع برمانا: “لن نعترف بأي قانون جديد، فالقوانين الوحيدة التي نعترف بها هي القوانين الموجودة فعلياً، والمتمثلة في الدستور اللبناني ومواده، وقانون النقد والتسليف”، مشيراً إلى أن عدد المودعين المتضررين في لبنان يتجاوز 800 ألف مودع، بإجمالي أموال تصل إلى مليارات الدولارات.
وحول الحل العادل لأزمة المودعين، قال برمانا إن الحل لا يكمن في استحداث قوانين جديدة، معتبراً أن المسؤولين كانوا شركاء فيما حدث، وأنه ما كان ينبغي لهم ولا للقضاء ولا للمسؤولين السماح بوصول الأزمة إلى هذا الحد، مشدداً على ضرورة التحقيق في المسؤوليات المرتبطة بالأزمة، ولا سيما ما يتعلق بتهريب الأموال إلى الخارج.
تحقيق جنائي
وبلهجة أكثر صرامة، حذر عضو جمعية “صرخة المودعين” في لبنان، رامي غندور، في حديثه لـ”صفر” من أي مساس بأموال المودعين اللبنانيين وغير اللبنانيين، مؤكداً أن أعداد المتضررين كبيرة، وأن ما آلت إليه أموالهم يستحق فتح تحقيق جنائي لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين.
وشدد غندور على أن الحل العادل لأزمة المودعين يكمن في تطبيق قانون النقد والتسليف، وضمان استعادة حقوق المودعين وأموالهم، ووقف كافة أشكال الفساد والظلم التي شابت هذا الملف، إلى جانب محاسبة المسؤولين عن ضياع الودائع وتحديد المسؤوليات عن الأزمة المالية والمصرفية.
ومراراً أكد حاكم المصرف المركزي اللبناني كريم سعيد في مناسبات عدة، أنه “لا بد أولاً من تحديد حجم العجز المالي بدقة قبل توزيع المسؤوليات والأعباء، ما يكفل نجاعة خطة التعافي”.
وفي المقابل تسود قناعة عامة بأن رحلة معالجة الأزمة ستكون طويلة ومعقدة، حتى في حال الإقرار الصريح بالمسؤولية المالية للدولة، والتخلي عن نهج حصر استخدام الأموال العامة في أضيق الحدود لدعم إعادة رسملة البنك المركزي، وفق توصيات صندوق النقد الدولي.

