عندما أفكر في التقاعد، تتداعى إلى الذهن صور نمطية لسنوات أخيرة هادئة ومريحة: رحلات بحرية، حدائق، نوادٍ، ومنازل هادئة على الشاطئ. لكنني أرى بوضوح أن هذه الصورة لم تعد سوى بقايا زمن مضى. فكرة التقاعد الطويل والمريح ابتداءً من الستين أو الخامسة والستين لم تعد واقعاً مستداماً، بل تجربة اجتماعية شارفت على نهايتها، بعدما تآكلت الأسس الاقتصادية والسياسية التي قامت عليها.
التقاعد في بريطانيا ليس ظاهرة ضاربة في القِدم كما قد نظن، بل هو نتاج تحولات حديثة نسبياً. منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت المؤسسات في إدخال أنظمة المعاشات، ثم جاءت الدولة في مطلع القرن العشرين لتقدم أول معاش عام لكبار السن. لكن التحول الحقيقي حدث بعد الحرب العالمية الثانية، حين أصبح التقاعد المريح توقعاً شائعاً لدى أغلب العمال، مدعوماً بتعميم المعاشات، وارتفاع ملكية المنازل، وتحسن مستويات الصحة والدخل.
مع مرور العقود، تحسنت أوضاع كبار السن بشكل ملحوظ، حتى أصبحت أجيال ما بعد الحرب -المعروفة بجيل الطفرة- الأكثر ثراءً وصحة وتعليماً بين المتقاعدين. كان بإمكان كثيرين التقاعد مبكراً أو الاستمرار في العمل وفق رغبتهم، في ظل مرونة سوق العمل. كما تراجعت معدلات الفقر بين المتقاعدين إلى مستويات غير مسبوقة، بدعم من سياسات اجتماعية عززت الحد الأدنى للدخل.
لكن هذه الصورة لم تكن مكتملة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، بدأت الفوارق في الاتساع، وتراجعت قيمة المعاشات الحكومية، وازداد الاعتماد على المدخرات الخاصة المرتبطة بأسواق مالية متقلبة. ورغم أن بعض المتقاعدين حققوا مكاسب كبيرة، فإن المخاطر كانت حاضرة، وظهرت بوضوح خلال الأزمات المالية.
اليوم، أرى أن المشهد يتغير مرة أخرى. فالأجيال القادمة لن تتمتع بنفس مستوى الأمان الذي عرفه من سبقها. أنظمة المعاشات السخية تراجعت واستُبدلت بأخرى أقل ضماناً وأكثر مخاطرة. ومع أن العمال الجدد بدؤوا الادخار بشكل إلزامي، فإن ما يدخرونه لا يبدو كافياً لتأمين مستقبل مريح.
في الوقت ذاته، تصاعد الجدل حول العدالة بين الأجيال، مع شعور الشباب بأنهم يتحملون أعباءً اقتصادية ثقيلة دون ضمانات مماثلة في المستقبل. هذه التوترات مرشحة لأن تلعب دوراً حاسماً في رسم ملامح التقاعد في العقود المقبلة.
نحن، في رأيي، نقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد التقشف إلى الشيخوخة، ولكن بشكل مختلف. البعض يسعى لتحقيق استقلال مالي مبكر، في حين يستعد آخرون للعمل حتى السبعين أو بعدها. لذلك، لم يعد السؤال فقط كيف نحافظ على نموذج التقاعد القديم، بل كيف نعيد التفكير في معنى الحياة في مراحلها المتأخرة.
ما أؤمن به أن المعركة لم تعد من أجل “الحق في التقاعد” بقدر ما أصبحت من أجل “الحق في حياة كريمة وذات معنى حتى النهاية”. علينا أن نعيد صياغة العلاقة بين العمل والراحة والرعاية والتعلم، وأن نبتكر نماذج جديدة للحياة لا تقوم على التقاعد الكامل، بل على التوازن والاستدامة.
نقلاً عن الجارديان
