لم تكن صفية محمد تنتظر من زوجها الدكتور علي المضواحي وصفاً عادياً لأيام احتجازه، فالرجل الذي عمل مستشاراً لدى منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” ومستشاراً لوزارة الصحة العامة والسكان التابعة للحوثيين أخبرها عبر الهاتف، بحسب شهادتها لـ”هيومن رايتس ووتش”، أنه تعرض للحبس الانفرادي والتعذيب وضغط نفسي شديد.
وتقول صفية إن سلطات الحوثيين حاولت إجباره على الاعتراف بأن اللقاحات “أدوات تجسس” وأنه “جاسوس جندته منظمة الصحة العالمية“، وفي أغسطس/ اب 2026 قالت “هيومن رايتس ووتش” إن قضية المضواحي كانت بين قضايا ستة محتجزين أحالهم الحوثيون إلى المحاكمة.
لكن قضية المضواحي لا تتوقف عند مصير عامل محتجز، ففي بلد يعتمد فيه الملايين على الإغاثة، يصبح السؤال أوسع: ماذا يحدث للمدني الذي ينتظر الدواء أو الغذاء عندما يُحتجز من يعمل على إيصال المساعدة وتتقلص قدرة المنظمات على الحركة؟

73 موظفاً أممياً خلف القضبان
حتى 10 يونيو/ حزيران 2026، قالت الأمم المتحدة إن 73 من موظفيها ظلوا محتجزين تعسفياً لدى سلطات الحوثيين، وإن أحد موظفيها توفي في الاحتجاز، في حين ظل بعض المحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي.
وبحسب بيان مشترك لـ”هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” و”مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، لم يفرج سوى عن سبعة محتجزين منذ بدء حملة الاعتقالات في مايو/ أيار 2024.
ولا تفصل الأمم المتحدة بين سلامة موظفيها وقدرتها على الوصول إلى المحتاجين، فقد أكدت أن الاحتجازات قيدت بشدة قدرة الأمم المتحدة وشركائها على مساعدة ملايين اليمنيين.
كما تظهر خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 أن احتجاز الموظفين ودخول قوات أمنية إلى مقار المنظمات ومصادرة أصول إغاثية دفعت وكالات إلى سحب موظفين دوليين من مناطق خاضعة لسلطات الأمر الواقع، وأثرت في توقيت المساعدات المنقذة للحياة واستمراريتها والوصول إلى المجتمعات المحتاجة.

وقال المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن جوليان هارنيس إن الاحتجازات والاستيلاء على المكاتب جعلا ظروف العمل في الشمال شديدة الصعوبة، محذراً من أن المنظمات غير الحكومية لا تستطيع وحدها تعويض القدرات الأممية، ومنها دعم وكالات الأمم المتحدة لنحو 2300 مرفق للرعاية الصحية الأولية.
من الاحتجاز إلى المحاكمة
وفي سبتمبر/ أيلول 2026، اتجه الملف إلى مرحلة جديدة. فقد تحدث مصدر قضائي في مطلع الشهر عن توجه سلطات الحوثيين لإحالة عدد من موظفي الوكالات الأممية والمنظمات الدولية المحتجزين في صنعاء إلى النيابة الجزائية المتخصصة تمهيداً لمحاكمتهم.
ومن بين المحالين الموظف في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن سامي الكلابي، بعد أكثر من عامين على احتجازه، وتحدثت مصادر عن محاكمة بعض المحتجزين من دون محامين وعن تعرضهم للتعذيب وإجبارهم على الإقرار باتهامات تحت الإكراه، وهي اتهامات تنسب إلى هذه المصادر ولم يتسن لـ”صفر” التحقق منها بصورة مستقلة.
خلف القيود مدني ينتظر الخدمة
تأتي هذه القيود في بلد يحتاج فيه نحو 19.7 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، في حين يحتاج 10.8 مليون طفل إلى المساعدة، وتعمل نسبة كبيرة من المرافق الصحية بطاقة جزئية أو خرجت من الخدمة، وخلف الأرقام أسر تعتمد على استمرار الفرق الإنسانية.
ففي مخيم الشعب للنازحين في عدن، تقول عبير عبد الوارث محمد سعيد، 21 عاماً: “أحياناً في الليل يصاب طفل فجأة بالحمى أو الإسهال أو القيء، ولا تتوافر لنا خدمات طوارئ، وإذا مرضت أنا أو زوجي أو أطفالي، فلا نستطيع الحصول على العلاج بسبب محدودية إمكاناتنا”.
وجاءت شهادتها خلال زيارة فريق صحي متنقل أجرى لها ولأطفالها فحوصات للملاريا وحمى الضنك. ولا تثبت حالة عبير أن احتجاز العاملين لدى الحوثيين تسبب في ضعف الخدمات داخل مخيمها، لكنها تكشف هشاشة أسر يعتمد وصولها إلى الرعاية على قدرة الفرق الإنسانية على الحركة والاستمرار.

القيود ليست من طرف واحد
ولا تنحصر عرقلة الوصول الإنساني في طرف واحد، فقد وثقت الأمم المتحدة 27 حادثة لمنع الوصول الإنساني، نُسبت 17 منها إلى الحوثيين و10 إلى القوات المسلحة اليمنية وقوات وجماعات مرتبطة بها. وشملت 20 حادثة احتجاز عاملين إنسانيين أو مصادرة مكاتب ومستلزمات إغاثية.
لكن أزمة الاحتجاز الواسع لموظفي الأمم المتحدة تتركز لدى سلطات الحوثيين، في حين تؤكد المنظمة أن الاحتجاز ومصادرة الأصول والقيود على الحركة أضعفت قدرتها التشغيلية.
الحوثيون يبررون الاحتجاز
وفي موقف رسمي، أبلغ نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين عبد الواحد أبو راس، خلال لقاء في صنعاء في يونيو/ حزيران 2026 مع مدير مكتب المبعوث الأممي محمد الغنام، رفضه بيانات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي أدانت احتجاز الموظفين، وتمسك باتهامات مرتبطة بالتجسس.
ويقدم نعمان القبيصي الذي عرف نفسه لـ”صفر” بأنه ناشط سياسي حوثي مقيم في صنعاء، تبريراً آخر؛ إذ يقول إن الإجراءات جاءت بعد ما وصفه بممارسات لبعض موظفي المنظمات تتعارض مع المعايير التي تفرضها السلطات في صنعاء، مدعياً وجود تمييز في توزيع بعض المساعدات.
ويضيف القبيصي أن السلطات تريد أن تمر أعمال الإغاثة والدعم الإنساني والمالي عبر القنوات الرسمية وتحت إشرافها المباشر، ويذهب أبعد من ذلك فيقول: “إن الإفراج عن الموظفين يرتبط باستجابة الأمم المتحدة لمطالب حوثية، منها تزويد الجماعة بمعلومات عن خصومها”. وهذا الادعاء يرد على لسان القبيصي ولم تؤكده الأمم المتحدة علناً، كما أنه لا يمثل بحد ذاته بياناً رسمياً صادراً عن سلطات الحوثيين.
حماية العامل تحمي طريق المساعدة
يدعو قرار مجلس الأمن 2730 لعام 2024 أطراف النزاعات إلى احترام العاملين الإنسانيين وحمايتهم وتسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين.
ويقول أحمد القرشي، مستشار وزارة حقوق الإنسان، لـ”صفر” إن الاحتجاز التعسفي يمس الحق في الحرية والأمان الشخصي وضمانات المحاكمة العادلة، وقد يصل بحسب ظروف كل حالة إلى الاختفاء القسري، مؤكداً أن تعطيل الإغاثة قد يرتب مسؤولية قانونية متى توافرت شروطها.
ويرى الناشط الحقوقي والصحفي الاستقصائي نجم الدين قاسم أن الاحتجاز والقيود على المنظمات انعكسا على قدرتها على تنفيذ البرامج والوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، محذراً من أن إخضاع المساعدة للاعتبارات السياسية أو الأمنية يجعل المدنيين الطرف الذي يتحمل الكلفة.
فالعامل الإنساني قد يحتجز خلف جدار لا يراه المحتاج، لكن أثر غيابه يمكن أن يظهر خارجه في زيارة تتأخر وخدمة تنقطع ومساعدة لا تصل. وفي بلد يحتاج فيه الملايين إلى الإغاثة، تصبح حماية من يقدم المساعدة جزءاً من حماية حق من ينتظرها.
