دخل سجّاد السجن رضيعاً مع والدته، لكنه لم يترك آثار السجن خلفه عندما غادره، فقد تنقل في طفولته بين السجن ودور الرعاية، ثم وصل إلى السادسة عشرة من عمره من دون أن يجيد القراءة والكتابة، بعدما حالت مشكلة أوراقه الثبوتية دون تسجيله في المدرسة.
كان عمره بضعة أشهر عندما دخل مع والدته رنا إلى السجن عام 2008، بعد الحكم عليها بالسجن 15 عاماً في قضية اتجار بالبشر، وكان والده المطلوب للسلطات انفصل عن والدته عن طريق رجل دين وأخذ أوراقها الثبوتية ثم اختفى، بحسب تحقيق نشره موقع “جُمّار” عام 2024.
بقي سجّاد مع أمه نحو عامين، ثم انتقل إلى دار رعاية في الناصرية، وعندما نقلت والدته إلى سجن البصرة نقل هو أيضاً إلى دار هناك، قبل أن يعود إلى الناصرية مع عودتها، لكن المشكلة التي لازمته لم تكن مكان الإقامة وحده، بل غياب الوثائق التي تمكنه من دخول المدرسة، وتعثرت محاولات استخراجها مع غياب الأب وتعقيدات إثبات الحالة المدنية.
لم يكن سجّاد متهماً ولم يصدر بحقه حكم، لكن قصته تطرح سؤالاً يتجاوز السجن نفسه إلى الضمانات الحقيقة حتى لا تضيع حقوق الطفل بين المؤسسة الإصلاحية ودار الرعاية ودائرة الأحوال المدنية وباب المدرسة.

ثلاث سنوات مع الأم.. وماذا بعدها؟
ينظم القانون العراقي جزءاً من هذا المسار، فالمادة 52 من قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم 14 لسنة 2018 تنص على عدم حرمان الأم النزيلة من الاحتفاظ بطفلها حتى إكماله الثالثة، وإذا لم ترغب ببقائه معها أو بلغ هذه السن، تطبق أحكام الحضانة، وإذا لم يوجد من يكفله تتولى الدائرة إيداعه في إحدى دور الدولة التابعة للرعاية الاجتماعية، مع إبلاغ الأم بمكانه وتيسير رؤيته دورياً.
كما يلزم القانون بتوفير حضانة للأطفال الرضع داخل المؤسسة الإصلاحية يشرف عليها موظفون مؤهلون عندما لا يكونون في رعاية أمهاتهم.

المسار القانوني إذن موجود، لكن حالة سجّاد تكشف أن السؤال الحقوقي لا ينتهي عند تحديد المكان الذي ينتقل إليه الطفل بعد الثالثة، بل يبدأ من استمرار حقوقه بعد الانتقال: من يستخرج وثائقه؟ من يضمن دخوله المدرسة؟ ومن يتابع علاقته بأمه عندما تنتقل بين المؤسسات الإصلاحية؟
أرقام متفرقة.. ومسار يصعب قياسه
لا تظهر في البيانات المنشورة المتاحة إحصائية وطنية حديثة تجمع الأطفال العراقيين المصاحبين لأمهاتهم داخل المؤسسات الإصلاحية مع من انتقلوا لاحقاً إلى دور الرعاية، وتتابع أوضاعهم المدنية والتعليمية. وسجل سجن الناصرية في وقت سابق وجود 20 طفلاً مع أمهاتهم، وهو رقم يخص مؤسسة واحدة ولا يمثل العراق كله.
وفي أغسطس/ آب 2024، قالت وزارة العدل إن 89 طفلاً أجنبياً كانوا موجودين داخل السجون برفقة أمهاتهم، وإن أربعة منهم سلموا وبقي 85، معظمهم داخل مؤسسات وزارة العدل، لكن هؤلاء من الأطفال الأجانب المرتبطين بعائلات تنظيم “داعش”، ولذلك لا يمكن استخدام الرقم لتقدير إجمالي أطفال السجينات العراقيات.
ولا يعني غياب رقم وطني منشور عدم وجود متابعة حكومية، لكنه يجعل من الصعب قياس ما يحدث للأطفال عبر المراحل المختلفة، من مرافقة الأم إلى الرعاية البديلة ثم الوثائق والتعليم.

عندما تتوقف الرحلة عند الوثيقة
لا تبدو مشكلة سجّاد قانونية مستحيلة الحل على الورق، فقد أشار مختصون تحدثوا إلى “جُمّار” إلى وجود مسارات للحصول على وثائق الأطفال حتى في الحالات المعقدة، ومنها مخاطبة دوائر الأحوال المدنية والاستعانة بالقضاء أو بمحامٍ لاستكمال بعض الإجراءات.
لكن التحقيق نفسه نقل عن مسؤولة في سجن الناصرية أن إدارة السجن لا تعد استخراج أوراق الطفل المصاحب من مسؤولياتها في الحالات التي تستلزم البحث عن الأب أو وثائق الزواج والسجلات المدنية، كما أشار إلى أن بعض الأطفال في دور الرعاية واجهوا صعوبة في دخول المدرسة بسبب عدم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية.
وهنا تظهر فجوة أكثر دقة من القول إن القانون غائب، فالقانون يحدد أين يذهب الطفل لكن التجربة تثير سؤال من يتولى إزالة العقبات التي تمنعه من ممارسة حقوقه بعد انتقاله.
وزارة العدل: الطفل ليس سجيناً
يؤكد أحمد لعيبي عبد الحسين، المتحدث باسم وزارة العدل العراقية، في حديث لـ”صفر”، أن الطفل لا يعاقب بجريمة والدته ولا تطبق عليه الأحكام السجنية، وإنما يكون طفلاً مصاحباً.
وأوضح أن الوزارة خاطبت سفارات وبعثات دبلوماسية بشأن أطفال أجانب مصاحبين لأمهاتهم، وأنها مستعدة لنقلهم إلى بلدانهم متى أثبتت السفارات هوياتهم وزودتهم بجوازات مرور.
كما يقول الفريق الدكتور سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني في مكتب القائد العام للقوات المسلحة، لـ”صفر”، إن هناك تنظيماً للأعمار التي يسمح فيها للطفل بمرافقة والدته داخل المؤسسات السجنية، مشيراً إلى وجود جهات مختصة بحماية الأسرة والطفل ومديرية الشرطة المجتمعية وخط الطوارئ 911.
وتؤكد هذه الإجراءات أن الطفل لا يعامل قانوناً بوصفه مداناً، لكن عدم معاقبته قضائياً لا يجيب وحده عن سؤال استمرارية حقوقه عندما يغادر المؤسسة الإصلاحية وينتقل إلى جهة أخرى.

حقوق لا تنتقل إليها العقوبة
يقول المحامي الدكتور معاذ دلو المتخصص في القانون الدولي لـ”صفر” إن المسؤولية الجنائية شخصية ولا يجوز تحميل الطفل تبعات الجريمة التي ارتكبتها والدته.
ويضيف أن الدولة تظل ملزمة بمراعاة مصلحة الطفل الفضلى وضمان حقوقه في الهوية والتسجيل والتعليم والرعاية و الحماية من التمييز، وأن المساس بهذه الحقوق بسبب الوضع القانوني للأم يمكن أن يثير مسؤولية حقوقية مستقلة.
ويتوافق ذلك مع اتفاقية حقوق الطفل التي انضم إليها العراق، والتي تحمي مصلحة الطفل الفضلى وحقه في التسجيل والاسم والجنسية والتعليم، وتنظم حمايته عند الانفصال عن والديه.
من يمسك بيد الطفل بين المؤسسات؟
تكشف قصة سجّاد أن المشكلة لا تبدأ بالضرورة من غياب النص القانوني، فالقانون العراقي يحدد سن بقاء الطفل مع أمه وينظم انتقاله إلى الرعاية إذا لم يوجد من يكفله، لكن وجود الطريق القانوني لا يعني أن الطفل سيصل تلقائياً إلى نهايته بحقوق مكتملة.
فبين السجن ودار الرعاية والسجل المدني والمدرسة توجد جهات متعددة، في حين يحتاج الطفل إلى مسار واحد لا ينقطع.
لم يحمل سجّاد حكم والدته عندما خرج من السجن، لكنه حمل معه مشكلة وثيقة ظلت مغلقة أمامه حتى باب المدرسة، ولهذا لا تقاس حماية أطفال السجينات فقط بعدم معاملتهم بوصفهم سجناء، بل بقدرة الدولة على ضمان ألا تضيع هويتهم وتعليمهم ورعايتهم أثناء انتقالهم من مسؤولية مؤسسة إلى أخرى.
