حذّر الاتحاد الدولي لنقابات العمال من تراجع واسع في حقوق العمال على مستوى العالم، مؤكدا أن هذا التراجع لم يعد محصورا في الدول النامية أو التي تعاني من أزمات اقتصادية، بل امتد ليشمل دولا تعد من أبرز الديمقراطيات الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، وجاء هذا التحذير في إطار النسخة الثالثة عشرة من مؤشر حقوق العمال العالمي الذي يصدره الاتحاد بشكل دوري لرصد أوضاع العمل والحريات النقابية في مختلف الدول.
وأوضح الاتحاد الدولي لنقابات العمال في تقريره، وفق ما ذكرته “فرانس برس”، أن الأوضاع العالمية لحقوق العمال تشهد ما وصفه بـالأزمة الممنهجة، مشيرا إلى أن القيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي والمفاوضات الجماعية تتوسع في عدد متزايد من الدول، إلى جانب استخدام القوة ضد الإضرابات والاحتجاجات العمالية في بعض الحالات، وأكد التقرير أن هذه الاتجاهات تعكس تراجعا ملحوظا في احترام المعايير الدولية للعمل التي أقرتها منظمة العمل الدولية.
مؤشر عالمي لقياس الانتهاكات
يعتمد مؤشر حقوق العمال العالمي الذي يصدره الاتحاد الدولي لنقابات العمال على تقييم 151 دولة عبر 97 معيارا مختلفا، تستند إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحرية التنظيم النقابي وحقوق التفاوض الجماعي وظروف العمل الآمنة، ويهدف المؤشر إلى قياس مدى التزام الدول بالمعايير الدولية لحقوق العمال، ورصد التغيرات السنوية في البيئة القانونية والتنفيذية المتعلقة بالعمل.
ووفقا لنتائج التقرير الأخير، فإن الدول الأوروبية والأميركية سجلت أسوأ مستويات لها منذ بدء إصدار المؤشر عام 2014، وهو ما اعتبره الاتحاد مؤشرا على أن تراجع حقوق العمال لم يعد حالة استثنائية بل أصبح اتجاها عالميا متصاعدا، وأشار التقرير إلى أن هذا التراجع يرتبط أيضا بارتفاع الخطاب السياسي المعادي للنقابات في عدد من الدول، خصوصا في أوروبا حيث يزداد تأثير التيارات اليمينية المتشددة تجاه العمل النقابي.
الولايات المتحدة وفرنسا تحت المراقبة
أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة باتت ضمن قائمة الدول التي تخضع للمراقبة، نتيجة ما وصفه بقيود متزايدة على المفاوضات الجماعية، واستخدام القوة في بعض الحالات ضد الإضرابات العمالية، وهو ما اعتبره الاتحاد مؤشرا على تراجع حماية الحقوق النقابية في واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية.
وفي السياق ذاته، سجلت فرنسا أسوأ تصنيف لها منذ بدء رصد المؤشر، نتيجة استمرار القيود على حرية التظاهر، وتزايد ما وصفه التقرير بالضغوط على النقابيين، ما يعكس تراجعا تدريجيا في بيئة العمل النقابي داخل البلاد رغم تاريخها الطويل في حماية الحريات العمالية.
اتساع رقعة الانتهاكات عالمياً
أوضح الاتحاد الدولي لنقابات العمال أن التراجع في حقوق العمال لم يقتصر على الدول الصناعية الكبرى، بل شمل أيضا عددا من الدول في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وذكر التقرير أن الأرجنتين سجلت تراجعا حادا في تصنيفها خلال فترة قصيرة، ما جعلها ضمن الدول ذات الأداء الأسوأ في مجال حقوق العمال.
كما أشار التقرير إلى انضمام دول مثل بنما إلى قائمة أسوأ عشر دول في العالم من حيث احترام حقوق العمال، إلى جانب دول أخرى مثل بيلاروس والإكوادور وإسواتيني وميانمار ونيجيريا، وهي دول تواجه تحديات سياسية واقتصادية مختلفة تنعكس بشكل مباشر على أوضاع العمال.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن عددا محدودا من الدول حافظ على مستويات مرتفعة من احترام حقوق العمال، وجاءت جميعها تقريبا من القارة الأوروبية، مثل ألمانيا والدنمارك وآيسلندا، إضافة إلى أوروغواي في أميركا الجنوبية، حيث رُصدت فقط انتهاكات محدودة أو متفرقة لحقوق النقابات العمالية.
تحولات سياسية واقتصادية ضاغطة
يربط الاتحاد الدولي لنقابات العمال بين التراجع العالمي في حقوق العمال وبين التحولات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك تصاعد الضغوط الاقتصادية، وتوسع سياسات تقليص الإنفاق العام، وارتفاع مستويات عدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول.
ويشير التقرير إلى أن هذه التحولات انعكست بشكل مباشر على الحريات النقابية، حيث تواجه النقابات العمالية قيودا متزايدة في الوصول إلى العدالة أو تنظيم الإضرابات أو التعبير عن مطالبها، إضافة إلى حالات متزايدة من التضييق على حرية التعبير والتجمع.
يعد الاتحاد الدولي لنقابات العمال من أبرز المنظمات النقابية العالمية، ويضم في عضويته مئات النقابات من مختلف الدول. ويصدر الاتحاد بشكل دوري مؤشر حقوق العمال العالمي منذ عام 2014، بهدف تقييم مدى احترام الحكومات للمعايير الدولية الخاصة بالعمل التي وضعتها منظمة العمل الدولية.
ويعتمد المؤشر على تحليل شامل يشمل التشريعات الوطنية، وحالات الانتهاكات المبلغ عنها، ومدى قدرة العمال على ممارسة حقوقهم الأساسية مثل التنظيم النقابي والإضراب والتفاوض الجماعي، وتكتسب نتائج هذا المؤشر أهمية خاصة لدى الباحثين وصناع السياسات، لأنها تعكس اتجاهات عالمية متعلقة بعلاقة الدولة بسوق العمل والحريات النقابية، كما تساعد في رصد التحولات في بيئة العمل العالمية وتحديد الدول التي تشهد تراجعا أو تقدما في هذا المجال.
