منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

كيف يقوّض انهيار التعليم أحد أعمدة قوة اليسار في أمريكا؟

21 أبريل 2026
أعلنت كلية هامبشاير في أمهيرست بولاية ماساتشوستس أنها ستغلق أبوابها.
أعلنت كلية هامبشاير في أمهيرست بولاية ماساتشوستس أنها ستغلق أبوابها.

بعيدًا عن ضجيج العناوين اليومية، تحدث تحولات تكتونية بطيئة لكنها عميقة تعيد تشكيل المشهد السياسي في الولايات المتحدة.

فالتغيرات الديموغرافية تنقل الناخبين (وكذلك مقاعد الكونغرس والأصوات الانتخابية) من الولايات الزرقاء إلى الحمراء، كما أن الثقة بوسائل الإعلام التقليدية التي تميل بشكل متكرر لصالح الديمقراطيين قد تراجعت بشكل حاد، والآن، ينهار أيضًا قطاع التعليم بأكمله، وهو من الركائز الأساسية لمنظومة اليسار السياسي والمؤسسي.

إن التراجع الطويل في التعليم العالي وهو موضوع كتابي الصادر عام 2012 “فقاعة التعليم العالي” يتسارع منذ أكثر من عقد، مدفوعًا بارتفاع الرسوم الدراسية بشكل غير مسبوق وتراجع فرص العمل لخريجي الجامعات الجدد.

ومع إعلان كلية هامبشاير في ماساتشوستس عن خططها للإغلاق الأسبوع الماضي، أصبحت أحدث مؤسسة تعليمية خاصة تسقط ضحية هذا الانهيار. وقد سبقتها مؤسسات أخرى مثل كلية الملك في نيويورك، وكلية برمنغهام الجنوبية في ألاباما، وجامعة سانت أندروز (شمال) وجامعة كارولينا في نورث كارولاينا، وغيرها الكثير.

التقارير الإذاعية تشير إلى أن أكثر من ربع الكليات الخاصة في الولايات المتحدة مهددة بالإغلاق خلال العقد المقبل، حتى بعض كليات الحقوق خرجت من السوق تمامًا.

وكما توقعت سابقًا، فإن الكليات الخاصة الصغيرة مرتفعة التكلفة التي لا تنتمي إلى القمة النخبوية هي أول من يسقط وإن كانت بعض المؤسسات، مثل هامبشاير، تُصنَّف ضمن المدارس “النخبوية نسبيًا”.

لكن الأثر يتجاوز ذلك بكثير.. ففي سبعينيات القرن الماضي، شهد التعليم الجامعي تحولًا اجتماعيًا كبيرًا؛ إذ لم يعد الالتحاق بالجامعة خيارًا محدودًا، بل أصبح بوابة أساسية للطبقة المتوسطة والعليا.

أما اليوم، فنبدو وكأننا نعود إلى رؤية أكثر تقليدية، حيث لم يعد التعليم الجامعي محورًا مركزيًا في توقعات المجتمع.

ومع رؤية الشباب لأقاربهم وجيرانهم يتخرجون بديون طاحنة وفرص عمل محدودة، أصبح عبء التعليم العالي أكثر وضوحًا.

كما أن صورة الجامعة كفترة “ممتعة وخالية من الهموم” تتآكل أمام ما يُوصف بأنه مناخ جامعي متشدد ومشحون أيديولوجيًا في كثير من المؤسسات.

اليوم، تمنح الجامعات أقل عدد من شهادات العلوم الإنسانية منذ عام 1991، بانخفاض يقارب 30% مقارنة بعام 2012.

قبل عقدين، كنت أسمع صحفيين يعبرون عن أملهم في أن تبقى مؤسساتهم قائمة حتى التقاعد، اليوم، أسمع الشيء نفسه من أساتذة جامعات، وهذا خبر سيئ للغاية لليسار السياسي، الذي استخدم الجامعات لعقود كأداة نفوذ ومصدر تعبئة.

تتدفق أموال الضرائب إلى هذه المؤسسات سواء كانت عامة أو خاصة بينما تتدفق منها السلطة والنفوذ في الاتجاه الآخر.

يتم توظيف الأكاديميين ذوي التوجهات اليسارية، ويتم دفع الأموال للنشطاء كمحاضرين أو “باحثين زائرين”، وتُشترى الكتب والأفلام ذات الطابع الأيديولوجي وتُفرض على الطلاب، بينما توفر البيروقراطية الجامعية الضخمة وظائف دائمة للمؤمنين بهذا التوجه.

لكن هذا النموذج بات الآن في خطر، فلن تختفي الجامعات، لكنها لن تعود إلى “عصرها الذهبي” ولا إلى مستويات التمويل السخية السابقة.

المؤسسات التي لا تزال تنجح اليوم تبدو متمركزة بشكل أكبر في الولايات الحمراء، وغالبًا ما تتبنى مواقف غير تقدمية، وفي المقابل يشهد التعليم العام من الروضة حتى الصف الثاني عشر تراجعًا هو الآخر.

فقد أظهر تقرير حديث صادر عن مؤسسة شركاء بيلويذر التعليميين انخفاضًا حادًا في معدلات الالتحاق بالمدارس الحكومية، وهو اتجاه تسارع خلال جائحة كوفيد-19 وبعدها.

وتشير الدراسات إلى أن ثماني ولايات منها كاليفورنيا ونيويورك وهاواي وميسيسيبي ونيو مكسيكو وأوريغون ووست فرجينيا ولويزيانا قد تشهد انخفاضًا يتجاوز 10% في أعداد الطلاب خلال السنوات الخمس المقبلة.

جزء من هذا التراجع يعود لأسباب ديموغرافية بحتة مرتبطة بانخفاض معدلات المواليد، لكنّ جزءًا آخر مرتبط بتراجع الثقة في المدارس العامة.

خلال سنوات الجائحة، اكتشف الأمريكيون أن أولويات كثير من المؤسسات التعليمية كانت تتركز على تقليل حضور المعلمين أكثر من جودة التعليم.

كما كشفت فترات الإغلاق عن ضعف جودة المحتوى التعليمي الذي يدرسه الطلاب.

وقد أدى ذلك إلى طفرة في التعليم المنزلي، الذي لم يعد ظاهرة هامشية، إذ يوجد اليوم أكثر من 3.4 مليون طالب يتعلمون في المنزل، أي ما يزيد على 6% من إجمالي طلاب التعليم الأساسي، مع استمرار هذا الرقم في الارتفاع.

كما ارتفع عدد الطلاب في المدارس الخاصة في 24 ولاية منذ عام 2012، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه مع توسع برامج القسائم والمنح الدراسية.

كذلك أسهم نمو التعليم “البديل” أو المدارس المستقلة (charter schools) في تقليص نفوذ المدارس الحكومية التقليدية.

هذه التحولات تضر أيضًا بالتيار اليساري، فالمعلمون في المدارس العامة يميلون بشكل كبير إلى الحزب الديمقراطي، وكذلك النقابات التابعة لهم والإداريون في النظام التعليمي.

وهم يشكلون مصدرًا مهمًا للتبرعات السياسية والعمل التطوعي والأصوات الانتخابية، ومع تقلص حجمهم يتراجع جزء أساسي من القاعدة الانتخابية لليسار.

وكما هي الحال مع الجامعات، لن تختفي المدارس العامة، لكنها تضعف تدريجيًا في لحظة يحتاج فيها اليسار إلى قوتها أكثر من أي وقت مضى.

وليس من المستغرب إذن أن يزداد اعتماد الديمقراطيين على استقدام ناخبين جدد عبر الهجرة، أو محاولة التأثير في أجيال الناخبين عبر المؤسسات التعليمية.

كما لا يُستغرب لجوؤهم المتزايد إلى وسائل مثل إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية والمناورات السياسية لضمان استمرار نفوذهم لأطول فترة ممكنة.

*أستاذ قانون في جامعة تينيسي ومؤسس مدونة InstaPundit.com.

نقلاً عن نيويورك بوست