كشفت تحقيقات وشهادات لعمال مهاجرين عن واقع قاسٍ يعيشه آلاف العاملين في المزارع الكندية، حيث تتداخل ساعات العمل الطويلة مع تدني الأجور، وظروف السكن غير الملائمة، ومخاطر الإصابة والتعرض للإساءة والتحرش، في حين يظل كثير منهم مقيدين بتصاريح عمل تربطهم بصاحب عمل واحد، ما يجعل الاعتراض على ظروف العمل مخاطرة قد تهدد وظائفهم وإمكانية عودتهم إلى كندا.
ووثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 “كندا دمرتني.. الاستغلال العمالي للعمال المهاجرين في كندا” كيف يؤدي نظام تصاريح العمل المرتبطة بصاحب عمل محدد إلى اختلال شديد في ميزان القوة؛ إذ يصبح العامل معتمداً على صاحب العمل في وضعه القانوني وفرص استمراره في العمل.
وأشارت المنظمة إلى أن هذا الوضع يدفع عمالاً كثيرين إلى الصمت خشية الانتقام أو فقدان العمل والترحيل.
وأظهرت أن الانتهاكات لم تقتصر على الأجور، بل شملت اقتطاعات غير قانونية، وعدم دفع مستحقات العمل الإضافي، والعمل لساعات طويلة دون أيام راحة، فضلاً عن ظروف عمل خطرة وإصابات، وسكن مكتظ وغير ملائم، وممارسات تمييزية وإساءات نفسية وجسدية وعنف قائم على النوع الاجتماعي وتحرش جنسي.
استقدام عمال من 11 دولة
اعتمد برنامج العمال الزراعيين الموسميين الذي تأسس عام 1966 على استقدام عمال من 11 دولة في منطقة الكاريبي والمكسيك لفترات تصل إلى ثمانية أشهر.
ووفق تقرير موسع نشرته “فورين بوليسي”، الاثنين، يصل أكثر من 27 ألف عامل زراعي مهاجر إلى كندا سنوياً من خلال البرنامج، وشكل هؤلاء نحو 25% من قوة العمل الزراعية عام 2022، في قطاع تبلغ قيمته 87.7 مليار دولار سنوياً.
روى العامل الجامايكي كونوايد برامويل البالغ 23 عاماً لـ”فورين بوليسي” أنه وصل إلى أونتاريو عام 2020 بعدما ترك عمله الدائم في أحد الفنادق بجامايكا، لكنه وجد نفسه أمام عمل شاق يبدأ لساعات طويلة في قطف الخوخ والبرقوق، وسكن ضيق يتقاسمه مع ثلاثة عمال آخرين، قال إن صاحب العمل كان يدفعهم إلى إنهاء العمل سريعاً، حتى إن عقداً مدته ثلاثة أشهر انتهى في أسبوعين.
كشف برامويل أنه كان يعمل 10 ساعات يومياً مقابل 15.50 دولاراً كندياً في الساعة، من دون تأمين أو مزايا أو أيام مرضية أو عطلات.
وتحدث المصدر نفسه عن وفيات عمال زراعيين جامايكيين، بينهم غارفين ياب الذي توفي بعد انهياره في مزرعة بجنوب أونتاريو في أغسطس 2022، وعامل شاب توفي في العام التالي أثناء نومه في مسكن العمال بمنطقة نياجرا أون ذا ليك.
9 عمال لقوا حتفهم
أوضحت دراسة نُشرت عام 2022 في “المجلة الدولية للإنصاف في الصحة” أن تسعة عمال زراعيين مهاجرين على الأقل لقوا حتفهم في أونتاريو وحدها خلال عامي 2020 و2021، وحددت صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية باعتبارها أحد المخاطر التي تواجه العمال.
ومن جانبه، أكد “مكتب الصحافة الاستقصائية بجامعة تورنتو” في تحقيق تحت عنوان “هذه هي العبودية الجديدة: عمال المزارع المهاجرون يتقاضون أجوراً زهيدة، ويتعرضون للإساءة والإصابات”، أن المشكلة لا تتعلق بحالات فردية فقط؛ إذ خلص تحقيقه، بالتعاون مع باحثين من جامعة سايمون فريزر، إلى أن نظام تصاريح العمل المرتبطة بصاحب عمل واحد يجعل العمال أكثر عرضة للاستغلال المالي والإساءة الجسدية والمخاطر الصحية.
أفاد المكتب بأن نحو 80 ألف مهاجر عملوا في وظائف زراعية بموجب برنامج العمال الأجانب المؤقتين عام 2024، مقارنة بـ60,992 عاملاً عام 2021، في حين أظهر تحليل لهيئة الإحصاء الكندية أن 6% فقط ممن قدموا بين عامي 2005 و2009 بموجب برنامج العمال الزراعيين الموسميين حصلوا على الإقامة الدائمة بعد عقد.
وصف محامي مركز العمال المهاجرين في كيلونا، نافيد بيات، الوضع بأنه قائم على شعور العمال بأنهم “لا يملكون أي سلطة”، في حين أشار تقرير لجنة في مجلس الشيوخ إلى أن غالبية العمال المهاجرين والمدافعين عنهم والأكاديميين والاقتصاديين اعتبروا التصاريح المرتبطة بصاحب عمل محدد من أكثر شروط الضعف خطورة.
سجلت الحكومة الكندية خلال السنة المالية 2024-2025 فحص 1435 صاحب عمل مشاركاً في البرنامج، وتبين عدم امتثال نحو 10% منهم لمتطلباته، في حين حُظر 36 صاحب عمل من المشاركة، وارتفعت الغرامات إلى 4.9 مليون دولار.
ووثق التحقيق حالات لأجور أقل من المستحق وإصابات خطرة؛ إذ قال العامل الجامايكي تايريل ميلز إنه لم يحصل خلال شهر عمله عام 2023 إلا على شيك بقيمة 193 دولاراً، وحصل في أحد الأيام على 35 دولاراً مقابل ثماني ساعات من العمل.
وخلص مجلس علاقات العمل في أونتاريو عام 2024 إلى أن العمال لم يحصلوا على الحد الأدنى للأجور، وألزم المزرعة بدفع المستحقات.
إصابات مرتبطة بظروف العمل
رصد التحقيق كذلك إصابات مرتبطة بظروف العمل، بينها إصابة العامل المكسيكي لويس الذي تعرض عام 2024 لإصابة خطيرة في ذراعه استدعت عدة عمليات جراحية، بعد عمله في ورديات تصل إلى 14 ساعة يومياً وسبعة أيام في الأسبوع.
كشف استطلاع باحثي جامعة سايمون فريزر الذي شمل 36 عاملاً في أوكاناغان أن قرابة نصف المشاركين واجهوا مشكلات في الأجور أو ظروف العمل، في حين أبلغ أكثر من نصف المشاركين عن مخاطر تتعلق بالسلامة، وأفاد ربعهم بالتعرض للمواد الكيميائية، واشتكى ثلثهم من السكن الذي وفره أصحاب العمل.
وثقت قضية العاملة المكسيكية المعروفة باسم “ماريا” جانباً آخر من الاستغلال، بعدما اتهمت صاحب عمل سابقاً بالاعتداء الجنسي عليها عام 2023، ولا تزال الاتهامات التي ينفيها المتهم منظورة أمام محاكم كولومبيا البريطانية.
أشارت التحقيقات إلى أن شركات مرتبطة به سبق أن واجهت مخالفات بموجب قوانين الهجرة وبرنامج العمال الأجانب المؤقتين.
استغلال هيكلي
ربطت منظمة العفو الدولية هذه الانتهاكات ببنية البرنامج نفسه، معتبرة أن العمال المنحدرين بدرجة كبيرة من دول الجنوب العالمي يواجهون تمييزاً هيكلياً، خصوصاً مع صعوبة وصول أصحاب الأجور والمهارات المنخفضة إلى مسارات الإقامة الدائمة.
أكد سيد حسين، المدير التنفيذي لتحالف العمال المهاجرين من أجل التغيير، أن أكثر من 65% من المشاركين في برنامج العمال الزراعيين الموسميين مستبعدون من جميع برامج الإقامة الدائمة، معتبراً أن منح الإقامة الدائمة يمكن أن يعالج جانباً أساسياً من المشكلة لأنه يمنح العمال القدرة على التحدث عن حقوقهم دون الخوف من فقدان مستقبلهم في كندا.
شهدت كندا احتجاجات متكررة للمطالبة بتسوية أوضاع العمال المهاجرين؛ إذ تظاهر آلاف العمال والمهاجرين في سبتمبر 2023، في حين سار أكثر من ألفي مهاجر وعامل زراعي في أنحاء تورونتو في سبتمبر 2024 للمطالبة بالمساواة في الحقوق.
طالبت المنظمة العفو الدولية بإلغاء تصاريح العمل المرتبطة بصاحب عمل واستبدالها بتصاريح مفتوحة، وتوفير مسارات عادلة للإقامة الدائمة، وتعزيز التفتيش الحكومي الاستباقي والمفاجئ، وضمان حق العمال في التنظيم النقابي والمساومة الجماعية، وحمايتهم من الانتقام والترحيل وضمان حصولهم على التعويض وجبر الضرر.
أكدت المصادر الثلاثة أن العمال المهاجرين يمثلون عنصراً أساسياً في منظومة الغذاء الكندية، لكن إسهاماتهم الاقتصادية لا تحميهم بالضرورة من الاستغلال.
وبينما قال المتحدث باسم وزارة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية، جيفري ماكدونالد، إن العمال الأجانب المؤقتين يتمتعون بالحقوق والحماية نفسها التي يتمتع بها المواطنون والمقيمون الدائمون، قالت المتحدثة باسم وزارة التوظيف والتنمية الاجتماعية الكندية، ميلا روي، إن إساءة معاملتهم “غير مقبولة”.
وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن معالجة الانتهاكات تتطلب تغييراً في السياسات والقوانين التي تجعل العمال عرضة للاستغلال، في حين دعا تقرير جامعة سايمون فريزر إلى تمكين العمال من تغيير أصحاب العمل بسهولة وحمايتهم من الانتقام، لتبقى القضية، وفق ما تكشفه الشهادات والتحقيقات، مرتبطة بحقوق العمل والكرامة والعدالة، لا بمجرد تجاوزات فردية داخل بعض المزارع.
