فرضت الاستعدادات لبطولة كأس العالم 2026 نفسها بوصفها ساحة جديدة للتوتر بين الأمن والصحة العامة وحقوق الإنسان، بعدما تحولت قرارات تتعلق بالعزل الصحي، والتنقل، والهجرة، وحرية التعبير، إلى محور انتقادات متزايدة موجهة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” والدول المضيفة للبطولة، وهي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وكشفت صحيفة الغارديان أن منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية تلقى تحذيراً أمريكياً بضرورة الخضوع لعزل ذاتي لمدة 21 يوماً قبل دخول الولايات المتحدة، بسبب تفشي فيروس إيبولا في البلاد، في خطوة أثارت تساؤلات تتعلق بحق الرياضيين في التنقل، وحدود الإجراءات الصحية الاستثنائية المرتبطة بالبطولات الكبرى.
وأوضح المدير التنفيذي لفريق عمل البيت الأبيض المعني بكأس العالم، أندرو جولياني، ل شبكة “إي إس بي إن” الأمريكية، أن المسؤولين الأمريكيين أبلغوا الاتحاد الدولي لكرة القدم ومنتخب الكونغو الديمقراطية بضرورة البقاء داخل “فقاعة صحية” في بلجيكا، حيث يقيم اللاعبون معسكرهم التدريبي.
وأكد جولياني أن السلطات الأمريكية شددت على ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات العزل الصحي قبل السماح للفريق بالسفر إلى هيوستن، مضيفاً أن الأولوية تتمثل في “سلامة وأمن الشعب الأمريكي والفرق المشاركة وملايين المشجعين”.
ورغم ذلك، نقلت “الغارديان” عن متحدث باسم منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية تأكيده عدم إجراء أي تعديل على برنامج المباريات الودية أو الاستعدادات الخاصة بالمشاركة الأولى للمنتخب في كأس العالم منذ نسخة 1974.
وأشارت الصحيفة إلى أن جميع لاعبي المنتخب يقيمون خارج جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومعظمهم في أوروبا، في حين ألغيت رحلة كانت مقررة إلى كينشاسا قبل البطولة، بسبب المخاوف الصحية المرتبطة بتفشي الإيبولا.
وربطت الأزمة الصحية المتصاعدة بين الرياضة وحقوق الصحة العامة، بعدما رفعت منظمة الصحة العالمية مستوى خطر سلالة “بونديبوجيو” النادرة من فيروس إيبولا إلى مستوى “مرتفع للغاية”، في ظل غياب لقاحات أو علاجات معتمدة للسلالة الحالية، مع تسجيل 82 إصابة مؤكدة و7 وفيات مؤكدة، إلى جانب نحو 750 حالة مشتبهاً بها و177 وفاة مشتبهاً بها.
التأشيرات والحرب
دفعت التوترات السياسية والأمنية كذلك منتخب إيران إلى نقل معسكره التدريبي من الولايات المتحدة إلى المكسيك، بعدما أعلن رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، مهدي تاج، موافقة الفيفا على نقل المعسكر إلى مدينة تيخوانا المكسيكية.
وأوضحت الغارديان أن المنتخب الإيراني كان يخطط سابقاً لإقامة معسكره في ولاية أريزونا الأمريكية، قبل أن تتصاعد المخاوف المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وإشكاليات التأشيرات والدخول إلى الولايات المتحدة.
وأكد تاج أن الاتحاد الإيراني أجرى اجتماعات مع مسؤولي الفيفا ومسؤولي كأس العالم قبل الحصول على الموافقة الرسمية لنقل المعسكر، مشيراً إلى أن الخطوة تهدف أيضاً إلى تجاوز مشكلات التأشيرات المحتملة عبر دخول الولايات المتحدة من الأراضي المكسيكية.
وجاءت هذه التطورات بعد تقارير تحدثت عن مخاوف تتعلق بسلامة اللاعبين الإيرانيين إذا سافروا مباشرة إلى الولايات المتحدة، في ظل التوترات العسكرية بين واشنطن وطهران.
وفي المقابل، حاول رئيس الفيفا جياني إنفانتينو طمأنة الرأي العام، مؤكداً خلال مؤتمر للفيفا في فانكوفر أن إيران ستشارك في البطولة كما هو مقرر، وأن كرة القدم “يجب أن توحد الشعوب”.
لكن منظمات حقوقية اعتبرت أن البطولة تتحول تدريجياً إلى مساحة تتداخل فيها السياسات الأمنية والهجرة مع الرياضة، ما يهدد الحقوق الأساسية للمشجعين واللاعبين والصحفيين.
تحذيرات حقوقية
وفي وقت سابق، طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الفيفا باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية حقوق الإنسان خلال البطولة، معتبرة أن كأس العالم 2026 يواجه خطر التحول إلى منصة لانتهاكات مرتبطة بالهجرة والتمييز وحرية التعبير.
وأكدت المنظمة، ضمن تحالف يضم نقابات عمالية ومنظمات مجتمع مدني وهيئات مشجعين، أن البطولة تمثل اختباراً حقيقياً لالتزامات الفيفا الحقوقية، خصوصاً بعد تصاعد الهجمات على المهاجرين داخل الولايات المتحدة، وإلغاء رسائل مناهضة التمييز في بعض البطولات.
وقالت المسؤولة عن ملف الرياضة في هيومن رايتس ووتش، مينكي ووردن، إن منح “جائزة الفيفا للسلام” يأتي في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة “اعتقالات عنيفة للمهاجرين” و”تراجعاً عن حملات مناهضة العنصرية والتمييز”.
وشددت المنظمة على ضرورة حصول الفيفا على ضمانات ملزمة من السلطات الأمريكية بعدم استخدام قوانين الهجرة ضد المشجعين والزوار خلال البطولة.
وفي السياق نفسه، ذكرت وكالة رويترز أن هيومن رايتس ووتش دعت الفيفا إلى الضغط من أجل إعلان “هدنة مع إدارة الهجرة والجمارك” أثناء كأس العالم، بحيث تمتنع السلطات عن تنفيذ عمليات احتجاز أو ترحيل داخل الملاعب ومحيطها.
وأوضحت الوكالة أن منظمات حقوقية حذرت من احتمال تعرض المشجعين واللاعبين والصحفيين للتنميط العنصري أو التفتيش أو الاحتجاز، خاصة في ظل السياسات المتشددة المتعلقة بالهجرة.
ونقلت الوكالة عن متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي الأمريكية تأكيده أن السلطات ستعمل على تأمين البطولة “بما يتماشى مع القانون الفيدرالي والدستور الأمريكي”، مع التشديد على أن الزوار القادمين بشكل قانوني “لا داعي لقلقهم”.
حماية الأطفال وحرية الإعلام
ومن جانبها، وسعت منظمة العفو الدولية دائرة الانتقادات، معتبرة أن البطولة تُقام وسط “أزمة حادة في مجال حقوق الإنسان”، محذرة من تحول كأس العالم إلى “ساحة للقمع ومنصة للممارسات الاستبدادية” إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لحماية الحقوق الأساسية.
وأكدت المنظمة أن على الحكومات المضيفة والفيفا والرعاة استخدام نفوذهم لضمان حماية المشجعين والعمال واللاعبين والصحفيين والمجتمعات المحلية.
وأثارت تقارير حقوقية أخرى مخاوف تتعلق بحقوق العمال، وحماية الأطفال من الاتجار والاستغلال، وحرية الصحافة، وسلامة أفراد مجتمع الميم، إضافة إلى أوضاع السكان المشردين في المدن المضيفة.
وقال المدير التنفيذي لمنظمة مراسلون بلا حدود في الولايات المتحدة، كلايتون ويمرز، إن الصحفيين يواجهون تهديدات تتعلق بالتأشيرات والسلامة، داعياً الفيفا والحكومات المضيفة إلى ضمان حرية الإعلام قبل البطولة وأثناءها وبعدها.
كما حذرت منظمات حقوقية من أن غياب سياسة واضحة لحماية الأطفال خلال البطولة قد يفتح الباب أمام مخاطر الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وعمالة الأطفال.
وفي المقابل، يؤكد الموقع الرسمي للفيفا أن ملف حقوق الإنسان أُدرج للمرة الأولى ضمن معايير اختيار الدول والمدن المستضيفة لكأس العالم 2026، بالتعاون مع مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مع إلزام المدن المضيفة بإعداد خطط خاصة بحقوق الإنسان ومكافحة التمييز وحماية العمال والأطفال.
لكن منصة “سبورت أند ديف” المعنية بالرياضة وحقوق الإنسان أكدت أن الوعود الحقوقية للفيفا تواجه اختباراً صعباً مع تزايد المخاوف المتعلقة بالهجرة والتمييز وحرية التعبير، معتبرة أن الوقت يضيق أمام الاتحاد الدولي لإثبات أن البطولة لن تتحول إلى عبء جديد على الحقوق والحريات.
