دخل تعديل قانون الجنسية الجزائري حيّز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية، في خطوة أثارت نقاشًا قانونيًا وحقوقيًا واسعًا، لأنه وسّع حالات التجريد من الجنسية لتشمل، للمرة الأولى بصياغة صريحة، حاملي الجنسية الأصلية والمكتسبة في حالات مرتبطة بأمن الدولة والوحدة الوطنية والأفعال المرتكبة داخل البلاد أو خارجها.
ووفق العرض المنشور المرتبط بالعدد 14 من الجريدة الرسمية لعام 2026، فإن التعديل مسّ الأمر رقم 70-86 المتضمن قانون الجنسية الجزائرية، ووسّع حالات التجريد إذا ارتكب الشخص أفعالًا “تمس بمصالح الدولة الحيوية أو وحدتها”، أو انخرط في “جيش معادٍ أو جماعة إرهابية”، على أن يتم التجريد بمرسوم رئاسي.
من الناحية الحقوقية، لا يتوقف الجدل عند مضمون العقوبة وحدها، بل يمتد إلى طبيعة الحق محلّ المساس، فمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تؤكد أن الحق في الجنسية معترف به في سلسلة من الصكوك الدولية، وعلى رأسها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما” وأنه “لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفًا”.
كما تشير المفوضية إلى أن هذا الحق متصل أيضًا بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من الأدوات الدولية.
وعليه، فإن الإشكال الحقوقي الأساسي لا يتعلق فقط بوجود سلطة للدولة في تنظيم الجنسية، بل بمدى اتساق نزعها مع معيار عدم التعسف والضمانات الإجرائية والآثار الإنسانية المترتبة على القرار.
إجراء لحماية الدولة
السلطات الجزائرية قدّمت التعديل بوصفه إجراءً سياديًا لحماية الدولة، وبحسب وكالة الأنباء الجزائرية، قال وزير العدل لطفي بوجمعة إن مقترح التعديل يهدف إلى الحفاظ على “قدسية” رابطة الجنسية بين المواطن والدولة، والقائمة “في جوهرها على عاملي الولاء والانتماء”.
وشددت الحكومة على أن الإجراء محاط بضمانات، من بينها حصر الحالات، وتبليغ المعني، ومنحه فرصة لتقديم توضيحاته، ودراسة الملفات من قبل لجنة خاصة تضم مختصين من قطاعات وهيئات معنية، قبل أن يصدر القرار النهائي بمرسوم رئاسي.
لكن الاعتراضات الحقوقية تتركز على أن النص يستند إلى مفاهيم واسعة وفضفاضة، مثل “الإضرار الجسيم بمصالح الجزائر” أو “أمنها واستقرار مؤسساتها” أو “إعلان الولاء لدولة أجنبية بقصد الإضرار بالجزائر”، وهي صيغ تتيح، بحسب منتقدين، مجالًا واسعًا للتأويل السياسي.
التعديل الجديد طال المادة 22 من قانون الجنسية، وأبقى على بعض القيود الزمنية، مثل أن تكون بعض الأفعال المرتكبة خلال 10 سنوات من تاريخ اكتساب الجنسية، وألا يتم إعلان التجريد إلا في أجل أقصاه 5 سنوات من تاريخ ارتكابها.
لكنه أضاف أيضًا مواد جديدة تسمح بتجريد الحاملين للجنسية الأصلية أو المكتسبة إذا توفرت “دلائل قوية” على ارتكاب أفعال خطيرة خارج التراب الوطني، أو حتى داخله في حال كان الشخص “في حالة فرار” خارج البلاد، وهذه الصياغات، بالنسبة لحقوقيين، توسع دائرة السلطة التقديرية للدولة إلى حد كبير.
ملاحقات وتقييد للحريات
يكتسب هذا التعديل حساسيته من السياق السياسي الأوسع في الجزائر، هيومن رايتس ووتش تقول في صفحتها الخاصة بالجزائر إن السلطات الجزائرية واصلت سحق المعارضة وإغلاق الفضاء المدني عبر ملاحقة الأصوات الناقدة وتقييد حرية التعبير والصحافة وتكوين الجمعيات والتجمع والتنقل، كما شددت القوانين الجنائية واستخدمت نصوصًا قمعية، بما فيها أحكام مرتبطة بمكافحة الإرهاب، ضد المعارضين.
كما وثّقت المنظمة في فبراير 2025 ما وصفته بحظر السفر التعسفي على المنتقدين، وقالت إن السلطات استهدفت ناشطين وصحفيين وأكاديميين، ويجعل هذا السياق المخاوف من إساءة استخدام نزع الجنسية ضد المعارضين أو الناشطين المقيمين بالخارج أكثر حضورًا في القراءة الحقوقية.
ومن داخل الجزائر وخارجها، ظهرت اعتراضات تعتبر أن القانون لا يمكن فصله عن هذا المناخ، واعتبرت منظمة شعاع لحقوق الإنسان أن التعديل يمثل “تحولًا تشريعيًا خطيرًا” ينقل الجنسية من “حق أصيل” إلى “ورقة ابتزاز” بيد السلطة، لأنه يفتح الباب أمام المساس بحق الجزائريين في جنسيتهم الأصلية استنادًا إلى مفاهيم فضفاضة، ويكرّس مسارًا تشريعيًا قد يحول التجريد من الجنسية إلى أداة لتكميم الأفواه ومعاقبة الرأي المخالف.
ورأت المنظمة أن تركيز القانون على الأفعال المرتكبة خارج التراب الوطني يكشف عن استهداف خاص للجزائريين المقيمين في الخارج، الذين يشكلون، بحسبها، إحدى أهم مساحات التعبير الحر خارج قبضة السجن والاعتقال.
المعايير الدولية المتعلقة
وتظهر أهمية المعايير الدولية المتعلقة بانعدام الجنسية، فرغم أن الجزائر ليست طرفًا في اتفاقية 1961 لخفض حالات انعدام الجنسية تؤكد الأمم المتحدة في قرارها الصادر في ديسمبر 2025 أن الحرمان التعسفي من الجنسية يدفع الناس إلى انعدام الجنسية، وأنه مصدر لمعاناة واسعة النطاق.
وأصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 2020 إرشادات جديدة بشأن فقد الجنسية والحرمان منها، للمساعدة على ضمان التوافق مع القانون الدولي، ولتقليص مخاطر انعدام الجنسية. هذا يعني أن معيار عدم التعسف لا يسقط حتى في غياب الانضمام إلى اتفاقية 1961، بل يظل حاضرًا في الإطار الأممي الأوسع.
ومن جهة أخرى، يثير توقيت التعديل نفسه تساؤلات لدى معارضين وشخصيات عامة، حيث أعلن حزب جبهة القوى الاشتراكية رفضه لأي نص يكرّس إسقاط الجنسية الجزائرية الأصلية، محذرًا من تعارضه مع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان ومن مخاطر خلق حالات انعدام جنسية.

