أثار القرار الصادر حديثاً عن وزير التربية والتعليم في حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا محمد القريو تحت رقم 384 لسنة 2026 بشأن فرض ضوابط تنظيمية جديدة داخل المؤسسات التعليمية، جدلاً واسعاً في الأوساط التربوية والاجتماعية، بعد أن تضمن إجراءات تهدف إلى تعزيز الانضباط داخل المدارس، وصون القيم الدينية والوطنية، وضبط السلوك العام داخل البيئة التعليمية، بحسب ما ورد في بيان وزارة التربية والتعليم الليبية المنشور عبر منصاتها الرسمية.
وتشمل هذه الإجراءات، وفق ما أعلنته الوزارة، تعزيز الرقابة على المؤسسات التعليمية الخاصة والدولية، إلى جانب تطبيق الفصل بين الطلاب والطالبات في المرحلة الثانوية في بعض المدارس، وهو ما فتح نقاشاً حول مدى جاهزية البنية التعليمية في ليبيا، وإمكانية تطبيق هذه السياسات في سياق يعاني من تحديات بنيوية منذ سنوات.
أوضحت وزارة التربية والتعليم في حكومة الوحدة الوطنية، وفق بيان رسمي اطلعت عليه منصة “صفر”، أن القرار جاء استجابة لملاحظات رقابية حول سلوكيات داخل بعض المدارس الخاصة، حيث رُصدت تجاوزات اعتُبرت مخالفة للضوابط التربوية والتعليمية المعمول بها.
وأضاف البيان أن الهدف من الإجراءات هو تعزيز الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، وترسيخ القيم الاجتماعية، وتحسين البيئة المدرسية بما يتوافق مع الخصوصية الثقافية للمجتمع الليبي.
التعليم في ليبيا واقع بنيوي معقد
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في ليبيا إلى أن النظام التعليمي في البلاد لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية، وتفاوت جودة التعليم، وتأثيرات النزاعات التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي.
وتوضح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” أن ليبيا تمر بمرحلة إعادة بناء للنظام التعليمي، مع وجود فجوات واضحة في توزيع المدارس والكوادر التعليمية بين المناطق، إضافة إلى تفاوت في الإمكانيات بين القطاعين العام والخاص.
كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن الأنظمة التعليمية في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى سياسات تدريجية في الإصلاح، لتجنب حدوث اختلالات في الوصول إلى التعليم أو جودته.
المدارس الخاصة والدولية تحت الرقابة
ركزت وزارة التربية والتعليم الليبية في بيانها على بعض التجاوزات داخل المدارس الخاصة والدولية، دون تقديم تفاصيل موسعة حول طبيعة هذه التجاوزات، لكنها أشارت إلى أنها تتعلق بالسلوك العام والانضباط داخل المؤسسات التعليمية.
وتوضح منظمة هيومن رايتس ووتش أن توسع التعليم الخاص في بيئات تعاني من ضعف الرقابة التنظيمية قد يؤدي إلى تفاوت في تطبيق المعايير التربوية، ما يستدعي وجود أطر رقابية واضحة تضمن العدالة التعليمية.
كما تشير منظمة اليونسكو إلى أن المدارس الخاصة في ليبيا يجب أن تلتزم بالمعايير الوطنية للتعليم مع الحفاظ على حق الطلاب في بيئة تعليمية متوازنة وغير تمييزية.

الفصل بين الطلاب والطالبات بين التطبيق والجدل
أثار بند الفصل بين الطلاب والطالبات في المرحلة الثانوية داخل الأراضي الليبية نقاشاً واسعاً في الأوساط التربوية، خاصة فيما يتعلق بمدى توفر البنية التحتية اللازمة من حيث المؤسسات التعليمية وكذلك من الكوادر البشرية المؤهلة لتطبيق هذا القرار.
وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن أي تغيير هيكلي في أنظمة التعليم يجب أن يرافقه تقييم شامل للموارد المتاحة، ومنها عدد الفصول الدراسية، وتوفر المعلمين، وقدرة المؤسسات على الاستيعاب.
كما تؤكد منظمة اليونسكو أن الفصل بين الجنسين في التعليم ليس نموذجاً موحداً على المستوى الدولي، إذ تختلف السياسات التعليمية من دولة إلى أخرى، لكن المعيار الأساسي يظل ضمان المساواة في فرص التعليم وعدم التمييز.
البعد الحقوقي الدولي
وفق مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن الحق في التعليم مكفول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي ينص على ضرورة إتاحة التعليم دون تمييز وضمان تكافؤ الفرص لجميع الطلاب.
وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن أي سياسات تعليمية يجب أن تراعي مبدأ عدم التمييز، وأن تكون متسقة مع الالتزامات الدولية للدول في مجال حقوق الإنسان، مع ضرورة ضمان أن لا تؤثر الإجراءات التنظيمية في جودة التعليم أو فرص الوصول إليه.
كما تؤكد لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن الدول تمتلك هامشاً في تنظيم أنظمتها التعليمية بما يتوافق مع ثقافتها، شرط ألا يؤدي ذلك إلى انتقاص من الحقوق الأساسية للمتعلمين.

التحديات اللوجستية في التطبيق
تشير منظمة “يونيسف” إلى أن النظام التعليمي في ليبيا يواجه تحديات لوجستية كبيرة، منها نقص المدارس في بعض المناطق، وتفاوت توزيع الكوادر التعليمية، ما يجعل تنفيذ أي إصلاحات هيكلية أمراً يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد.
كما توضح منظمة العمل الدولية أن أي تغيير مفاجئ في بنية التعليم قد يؤدي إلى ضغط على النظام التعليمي إذا لم يتم توفير الموارد الكافية، خاصة في بيئات تعاني من هشاشة مؤسساتية.
وبحسب آراء تربوية تضمنتها تقارير اليونسكو فإن الفصل بين الطلاب والطالبات يتطلب بنية تحتية مضاعفة في بعض الحالات، وهو ما قد لا يكون متوفراً بشكل متكافئ في جميع المناطق الليبية.
البعد الاجتماعي والثقافي
توضح منظمة الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية أن السياسات التعليمية التي تمس تنظيم العلاقة بين الجنسين غالباً ما تكون محل نقاش مجتمعي واسع، خصوصاً في المجتمعات التي تشهد تنوعاً ثقافياً ودينياً.
وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن النقاش حول التعليم يجب أن يوازن بين الخصوصية الثقافية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع ضرورة تجنب أي سياسات قد تؤدي إلى تمييز غير مباشر في فرص التعليم.
وتؤكد منظمة اليونسكو أن الهدف الأساسي من أي نظام تعليمي هو ضمان بيئة تعليمية آمنة وشاملة تتيح لجميع الطلاب فرصاً متساوية للتعلم.
بيانات الطلاب والمدرسين والموظفين
تشير بيانات وزارة التربية والتعليم في ليبيا المتوفرة لعام 2026 إلى وجود 7520 مدرسة لجميع المراحل الدراسية، ومليون و829.567 ألف طالب وطالبة بجميع المراحل الدراسية، و172.886 ألف معلم ومعلمة، 789 مدرسة للتعليم الثانوي، و481.800 موظف في المؤسسات التعليمية، و213.037 طالب وطالبة في التعليم الثانوي (ذكور 91.092- إناث 121.945).
وتفيد تقارير منظمة اليونسكو إلى أن التعليم الخاص في ليبيا ما زال يمثل نسبة محدودة من إجمالي منظومة التعليم، لكنه يشهد توسعاً تدريجياً في المدن الكبرى، خصوصاً في طرابلس وبنغازي ومصراتة، دون توفر إحصاء وطني موحد منشور حديثاً لعدد المدارس الخاصة والدولية حتى عامي 2025 و2026 بسبب غياب قاعدة بيانات تعليمية مركزية محدثة، وتوضح تقارير الأمم المتحدة أن هذا القطاع يخضع لإشراف إداري متفاوت من حيث الرقابة والمعايير بين مؤسسة وأخرى.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن هناك تفاوتاً كبيراً في توزيع المدارس وكثافة الفصول بين المناطق الساحلية والداخلية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في قدرة المؤسسات التعليمية على تنفيذ أي إصلاحات هيكلية واسعة مثل الفصل بين الطلاب والطالبات أو إعادة تنظيم البيئة المدرسية.

الواقع التعليمي بعد سنوات من الاضطراب
تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن التعليم في ليبيا تأثر بشكل مباشر بفترات النزاع التي شهدتها البلاد، ما أدى إلى تعطيل بعض المدارس، ونقص في الموارد التعليمية، وتفاوت في جودة التعليم بين المناطق.
كما تؤكد منظمة اليونسكو أن إعادة بناء النظام التعليمي في ليبيا يمثل أحد التحديات الأساسية في مرحلة ما بعد النزاع، ويتطلب استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية وتدريب المعلمين وتحديث المناهج.
السياسات التعليمية
توضح المقارنات الدولية التي أعدتها منظمة اليونسكو أن بعض الدول تطبق أنظمة تعليمية تفصل بين الجنسين، في حين تعتمد دول أخرى التعليم المختلط، ويعتمد ذلك على السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي لكل دولة.
لكن المعيار المشترك في جميع النماذج هو ضمان عدم التأثير في جودة التعليم أو تكافؤ الفرص بين الطلاب، وهو ما يشكل نقطة مركزية في تقييم أي سياسة تعليمية جديدة.
غياب التشاور الموسع
تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن نجاح السياسات التعليمية يعتمد بشكل كبير على مدى إشراك المعلمين وأولياء الأمور والخبراء في صياغتها، لضمان قبول مجتمعي واسع وتطبيق فعال.
وفي الحالة الليبية، لا توجد معلومات رسمية تفصيلية حول مدى التشاور الذي سبق صدور القرار، ما يفتح مجالاً لنقاشات حول آليات صنع القرار التربوي.
يضع قرار وزارة التربية والتعليم في ليبيا بشأن فرض ضوابط تنظيمية جديدة داخل المؤسسات التعليمية النقاش حول مستقبل التعليم في البلاد ضمن سياق أوسع يتعلق بالتوازن بين القيم المجتمعية ومتطلبات المعايير الدولية للتعليم.
وبينما تؤكد الوزارة أن الهدف هو تعزيز الانضباط وصون القيم داخل المدارس، تشير تقارير منظمة “يونيسف” و”اليونسكو” ومنظمة العفو الدولية “أمنيستي” إلى أن نجاح أي إصلاح تعليمي يعتمد على القدرة على تطبيقه عملياً، وضمان عدم تأثيره على مبدأ المساواة في التعليم.
وفي ظل التحديات التي يواجهها القطاع التعليمي في ليبيا، يبقى مستقبل هذه السياسات مرتبطاً بمدى توفر البنية التحتية والموارد، وبمدى توافقها مع المعايير الدولية التي تضمن الحق في التعليم بوصفه حقاً أساسياً شاملاً وغير قابل للانتقاص.

