في بلد يمتد على مساحة شاسعة مثل ليبيا، لم تعد الرعاية الصحية مسألة حق متساوٍ بين المواطنين، بل باتت رهينة الجغرافيا والانقسام السياسي، فبينما تتركز الخدمات الطبية في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي، تعيش المناطق النائية في الجنوب والجبال واقعاً مختلفاً، حيث يتحول الوصول إلى العلاج إلى رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر.
ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن ما يقارب 40 في المئة من المرافق الصحية في ليبيا تعمل جزئيا أو خارج الخدمة، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية، وهو ما يعكس خللا هيكليا في توزيع الخدمات الصحية
أزمة الكوادر الطبية
تُظهر بيانات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن الكوادر الطبية تتركز بشكل شبه كامل في المدن الكبرى، بينما تعاني مناطق الجنوب مثل فزان من نقص حاد في الأطباء، خاصة في التخصصات الدقيقة كالجراحة وطب النساء والتوليد.
وفي بعض المناطق الريفية، لا يتوفر سوى طبيب واحد لكل عدة آلاف من السكان، وهو معدل بعيد عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، ما يؤدي إلى ضغط هائل على الكوادر الموجودة، وتعطل خدمات حيوية مثل الطوارئ والعمليات الجراحية.
كما تؤكد منظمة “أطباء بلا حدود” أن هذا النقص يجبر المرضى على تأجيل العلاج أو السفر لمسافات طويلة، ما يزيد من احتمالات تفاقم الحالات الصحية.
مرافق صحية منهكة
لا تقتصر الأزمة على نقص الأطباء، بل تمتد إلى البنية التحتية نفسها، فقد أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن العديد من المرافق الصحية في المناطق النائية في الجنوب والأطراف الليبية تفتقر إلى الكهرباء المستقرة والمياه النظيفة، ما يعرقل تقديم خدمات أساسية مثل الولادة الآمنة.
وفي السياق ذاته، أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن انقطاع الكهرباء يؤدي إلى تعطّل الأجهزة الطبية الحيوية، مثل أجهزة الإنعاش وحفظ اللقاحات، ما يهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
سلاسل إمداد متعثرة
تكشف تقارير منظمة الصحة العالمية أن نقص الأدوية الأساسية في المناطق النائية ليس فقط نتيجة ضعف التمويل، بل يعود أيضاً إلى خلل في سلاسل الإمداد، بدءاً من الاستيراد وصولاً إلى التوزيع الداخلي.
تعتمد ليبيا بشكل شبه كامل على استيراد الأدوية، ومع ضعف البنية اللوجستية والانقسام الإداري، تتعرض الإمدادات لتأخيرات وانقطاعات متكررة تظهر حدتها في المناطق النائية، وتشير تقارير محلية صادرة عن وزارة الصحة الليبية إلى أن العديد من المراكز الصحية تفتقر إلى أدوية الأمراض المزمنة نتيجة ضعف التخزين، وتأخر عمليات التوزيع، وغياب الرقابة على سلاسل الإمداد، وهذا الخلل يحوّل الدواء من خدمة أساسية إلى سلعة نادرة ما يضطر المرضى إلى اللجوء إلى القطاع الخاص بأسعار مرتفعة.
رحلة علاج عبر مئات الكيلومترات
في ظل هذا الواقع، يضطر السكان في المناطق النائية إلى السفر مئات الكيلومترات للوصول إلى مستشفيات المدن الكبرى، وتوضح بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن هذه الرحلات تمثل عبئا اقتصاديا وجسديا، خاصة في ظل ضعف شبكة الطرق وارتفاع تكاليف النقل.
وتؤكد منظمة “أطباء بلا حدود” أن تأخر الوصول إلى الرعاية يؤدي إلى ارتفاع معدلات المضاعفات والوفيات التي يمكن تجنبها، خصوصاً في الحالات الطارئة.
الفئات الأكثر هشاشة
تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء الحوامل في المناطق النائية يواجهن مخاطر متزايدة بسبب غياب خدمات الرعاية قبل الولادة، ونقص القابلات المؤهلات.
كما يعاني كبار السن من صعوبة متابعة الأمراض المزمنة، في ظل نقص الأدوية والخدمات الصحية المنتظمة، ما يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية بشكل أسرع.
الفجوة الصحية
عند مقارنة الوضع الليبي بالمعدلات الدولية، تظهر فجوة واضحة، فوفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لا يزال الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية في ليبيا أقل من المتوسط الإقليمي، كما أن توزيع الخدمات غير متوازن بشكل كبير بين الشمال والجنوب.
كما أن مؤشرات مثل التغطية الصحية الشاملة تعكس ضعف النظام الصحي في المناطق النائية، حيث يفتقر عدد كبير من السكان إلى خدمات أساسية مثل الفحوصات الدورية والتطعيمات بحسب منظمة الصحة العالمية.
الاقتصاد والصحة
يرتبط تدهور القطاع الصحي بشكل وثيق بالوضع الاقتصادي العام. فوفق تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أدى تراجع الإنفاق الحكومي على الصحة، إلى جانب الاعتماد الكبير على استيراد الأدوية، إلى زيادة الضغط على النظام الصحي.
كما أن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا الحصول على العلاج عبئا إضافيا على الأسر، خاصة في المناطق النائية ذات الدخل المحدود وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
لا يمكن فصل الأزمة الصحية في ليبيا عن حالة الانقسام السياسي، التي أدت إلى تعدد الجهات المسؤولة عن إدارة القطاع الصحي، وغياب استراتيجية وطنية موحدة.
وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن ضعف الحوكمة والرقابة أدى إلى سوء توزيع الموارد، وحرمان مناطق كاملة من الخدمات الأساسية، ما يشكل انتهاكاً غير مباشر للحق في الصحة.
جهود وتجارب
رغم التحديات، تعمل منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر على تقديم دعم للمرافق الصحية في بعض المناطق.
إلا أن هذه الجهود، وفق تقارير الأمم المتحدة، لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، خاصة في ظل استمرار الأزمات السياسية والأمنية.
وتشير تجارب دول إفريقية إلى نجاح مبادرات مثل العيادات المتنقلة والتطبيب عن بُعد في تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق النائية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه النماذج يمكن أن تمثل حلولاً فعالة في ليبيا إذا ما تم دعمها وتوسيع نطاقها.
الحق في الصحة على المحك
ينص القانون الدولي على حق كل إنسان في الحصول على الرعاية الصحية، وهو ما تؤكده المواثيق الدولية، وترى هيومن رايتس ووتش أن استمرار تدهور الخدمات الصحية في ليبيا يطرح تحديات جدية أمام التزام الدولة بهذا الحق.
تعكس أزمة القطاع الصحي في المناطق النائية في ليبيا واقعاً معقدًا تتداخل فيه العوامل السياسية بالاقتصادية والإنسانية، وبينما تستمر الجهود المحلية والدولية تبقى الحاجة مُلحة إلى إصلاحات شاملة تضمن توزيعاً عادلاً للخدمات الصحية، وتعيد الثقة بنظام صحي بات عاجزاً عن تلبية أبسط احتياجات مواطنيه.

