منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سوريا.. أطفال فُصلوا عن أسرهم ولمّ الشمل لا يغلق ملف الهوية والمساءلة

27 أكتوبر 2026
سوريا.. أطفال فُصلوا عن أسرهم ولمّ الشمل لا يغلق ملف الهوية والمساءلة
سوريا.. أطفال فُصلوا عن أسرهم ولمّ الشمل لا يغلق ملف الهوية والمساءلة

كانت ليلى غبيس في الثامنة من عمرها، وشقيقتها ليان في الرابعة، عندما أُخذتا من والدتهما أمامة عام 2015، بينما كان والداهما يواجهان الاعتقال في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد. نقلت الطفلتان إلى إحدى منشآت منظمة قرى الأطفال الدولية في سوريا، وامتد انفصالهما عن أسرتهما ثلاث سنوات.

وحين التقت ليان والدتها مجدداً، لم تتعرف إليها، تلك اللحظة التي نقلتها أمامة غبيس في شهادتها لهيئة الإذاعة البريطانية، تختصر أثراً لا تمحوه العودة وحدها؛ فالشقيقتان استعادتا أسرتهما، لكن سنوات الانفصال بقيت حاضرة في حياة العائلة.

تفتح قصتهما ملف أطفال فُصلوا عن ذويهم خلال حكم الأسد ونُقلوا إلى مؤسسات للرعاية، وسط اتهامات بإخفاء هوياتهم وأماكن وجودهم. وهي قضية تتجاوز تحديد مصير الأطفال إلى حقهم في الهوية والحياة الأسرية، ومسؤولية الجهات التي تولت نقلهم ورعايتهم عن كشف الحقيقة والإنصاف.

140 طفلا وملفات لم تُحسم

في تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أقرت منظمة قرى الأطفال الدولية بأن قوات الأمن السورية نقلت أكثر من 140 طفلا إلى منشآتها خلال سنوات حكم الأسد.

وبحسب التحقيق، كانت أجهزة أمنية تفصل أطفالا عن آبائهم وأمهاتهم المعتقلين وتخفي هوياتهم وأماكن وجودهم، في ممارسات أورد التحقيق أنها استُخدمت للضغط على الأسر والتفاوض بشأن تبادل المحتجزين. وكانت تحقيقات سابقة نُشرت عام 2025 قد تناولت هذه الوقائع استنادا إلى سجلات ووثائق.

وفي تحديث أصدرته المنظمة في أغسطس/آب 2026، أفادت بإمكان تحديد أقارب في 124 حالة، مقابل استمرار البحث عن أقارب 16 طفلا، غير أن تحديد الأقارب لا يعني بالضرورة اكتمال لمّ الشمل، أو استعادة كل طفل وثائقه وهويته وروابطه الأسرية.

وتبقى الحاجة قائمة إلى توضيح مصير كل حالة، وما إذا كانت العائلات قد تمكنت من الاطلاع على ملفات أطفالها، وما الدعم الذي حصلت عليه لمعالجة آثار الانفصال.

مسؤولية الحماية لا تسقط بالإحالة الأمنية

تثير القضية أسئلة عن واجبات مؤسسات الرعاية عند استقبال أطفال تحيلهم جهات أمنية، ومدى تحققها من هوياتهم وظروف فصلهم عن أسرهم، وحفظها السجلات التي تتيح تتبع مصيرهم.

وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل مبدأ المصلحة الفضلى للطفل في المادة الثالثة، وحقه في الاسم والروابط الأسرية في المادة السابعة، والحفاظ على هويته واستعادتها عند الحرمان غير المشروع منها في المادة الثامنة، إلى جانب الضمانات المتعلقة بعدم فصله عن والديه في المادة التاسعة.

ويقول المحامي المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان كمال بن عمر لـ«صفر» إن استقبال الأطفال بناء على إحالات من جهات أمنية لا يلغي واجب التحقق من ظروف إحالتهم وضمان حمايتهم، بما يشمل توثيق بياناتهم وحفظ سجلاتهم والعمل على تحديد أماكن أسرهم ولمّ شملهم.

ويوضح أن المسؤولية القانونية تتوقف على الوقائع والأدلة؛ فقد تتحمل الدولة مسؤولية الأفعال المنسوبة إلى أجهزتها عند ثبوت مخالفتها التزاماتها القانونية، فيما تتحدد مسؤولية مؤسسة الرعاية بحسب دورها وقراراتها ومدى التزامها بواجبات الحماية والتحقق والإبلاغ.

ويشير إلى حق العائلات في اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة للمطالبة بكشف مصير أطفالها والوصول إلى السجلات ذات الصلة، والتحقيق في المسؤوليات والمطالبة بالتعويض وجبر الضرر.

تحقيق غير منشور وتعويضات معلقة

أعاد تحقيق BBC طرح مسؤولية منظمة قرى الأطفال الدولية، بعدما كشف أنها كلفت شركة المحاماة النرويجية «ويرشولم» بإجراء تحقيق في القضية، وتسلمت تقريره في ديسمبر/كانون الأول 2025، لكنها قررت لاحقا عدم نشره بصيغته الحالية.

وقالت المنظمة إن التحقيق شابته مشكلات وإنها تعمل على مراجعة المسألة، مؤكدة التزامها بتحديد المسؤولية المؤسسية. وأشار التحقيق الصحفي إلى تخصيص تعويضات طوعية للعائلات المتضررة، لكنها لم تكن قد صُرفت حتى موعد نشره.

وفي المقابل، أوضحت المنظمة أن تقديم الدعم يتطلب معالجة شروط قانونية وعملية والتنسيق مع الجهات المعنية، دون أن يحسم ذلك أسئلة العائلات عن الخطوات المنجزة والجدول الزمني للحصول على الدعم.

وتقول أمامة غبيس، وفق ما نقلته BBC، إنها تأمل في اعتذار المنظمة وتقديم الدعم والتعويض لأسرتها، مشيرة إلى أنها لم تتلق تواصلا منها بهذا الشأن.

وتكشف شهادتها الفارق بين عودة الطفل إلى أسرته واستكمال الإنصاف؛ إذ لا يقتصر الأمر على معرفة مكانه، بل يشمل إتاحة المعلومات عن سنوات انفصاله، ومعالجة الضرر الذي لحق به وبذويه.

حين تعود الطفلة ولا تتعرف إلى أمها

تقول مستشارة الصحة النفسية لارا معايطة لـ«صفر» إن الانفصال المطول عن الوالدين، خصوصا في ظروف الاعتقال والغموض بشأن مصير الأسرة، قد يهدد شعور الطفل بالأمان والاستقرار النفسي، وينعكس على نموه العاطفي وقدرته على بناء علاقات قائمة على الثقة.

وقد تظهر آثاره في صورة قلق أو خوف من فقدان المقربين أو صعوبة في التعبير عن المشاعر، بحسب عمر الطفل وطبيعة تجربته والظروف المحيطة به.

وتوضح معايطة أن لمّ الشمل لا يعني بالضرورة انتهاء آثار الانفصال؛ فقد يحتاج الطفل إلى وقت لاستعادة الألفة والشعور بالأمان، وإلى بيئة مستقرة تسمح له بالتعبير عن مشاعره دون ضغط، مع توفير دعم نفسي متخصص عند الحاجة.

وتمنح تجربة ليان، التي لم تتعرف إلى أمها عند لقائهما مجددا، هذا التقدير بعدا إنسانيا واضحا؛ فاستعادة الروابط الأسرية لا تحدث تلقائيا بمجرد انتهاء الغياب.

فصل الطفل عن أسرته وتحديات لمّ الشمل

قال أنس منصور غيث، الخبير والمستشار في مجال صون الطفل وحمايته وبناء البيئات الآمنة، في حديثه لمنصة «صفر»، إن فصل الطفل عن أسرته وإيداعه في مؤسسات الرعاية يُعد من أكثر التدخلات حساسية، لما قد يترتب عليه من آثار نفسية ونمائية واجتماعية طويلة الأمد، تشمل اضطرابات التعلق، وصعوبات تنظيم المشاعر وبناء العلاقات، وقد تمتد إلى مراحل الرشد.

وأوضح أن فصل الطفل عن أسرته يجب أن يكون الملاذ الأخير، وألا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى وبعد استنفاد البدائل الممكنة، مؤكدا أن الفقر أو الإعاقة لا يشكلان مبرراً للفصل، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لدعم الأسر اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، بما يمكّنها من رعاية أطفالها في بيئة آمنة ومستقرة.

وأضاف غيث أن لمّ الشمل لا يقتصر على إعادة الطفل إلى أسرته، بل يتطلب تهيئة نفسية واجتماعية للطفل والأسرة، وضمان استمرارية التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب المتابعة بعد العودة للتأكد من استقرار البيئة الأسرية.

وشدد على أن نجاح العملية يُقاس باستعادة الطفل شعوره بالأمان والانتماء، وقدرته على الاندماج وبناء علاقات مستقرة بعيداً عن الوصم والتمييز.

حق العائلات في الحقيقة

لا تختصر أرقام المنظمة سنوات الانفصال، ولا تجيب وحدها عما إذا كان كل طفل قد استعاد هويته ووثائقه وحياته الأسرية. كما أن حماية خصوصية الأطفال لا تستلزم حجب نتائج المساءلة المؤسسية بالكامل؛ إذ يمكن إعلان خلاصات التحقيق والإجراءات التصحيحية بعد تنقيح ما قد يكشف بياناتهم أو يعرض سلامتهم للخطر.

وبين الأطفال الذين أمكن تحديد أقاربهم وآخرين ما زال البحث عن أسرهم مستمرا، تبقى مسؤولية الجهات المعنية قائمة في توثيق كل حالة، وإتاحة المعلومات للعائلات، والتحقيق المستقل في ظروف الفصل وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة، وتقديم جبر ضرر مناسب عند ثبوتها.

استعادت ليلى وليان أسرتهما بعد ثلاث سنوات، لكن لحظة عدم تعرف ليان إلى والدتها تضع معنى الإنصاف في موضعه الإنساني، فلا يكفي أن يعود الطفل إلى البيت، بل ينبغي أن يعرف هو وأسرته ما الذي حدث، وأن تتاح لهما الوسائل اللازمة لاستعادة ما يمكن استعادته من حياة اقتُطعت منها سنوات.