منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأردن.. هجوم الكرك يهدد الحق في الحياة وحرية العبادة ويترك الناجين أسرى الخوف

26 أكتوبر 2026
الأردن.. هجوم الكرك يهدد الحق في الحياة وحرية العبادة ويترك الناجين أسرى الخوف
الأردن.. هجوم الكرك يهدد الحق في الحياة وحرية العبادة ويترك الناجين أسرى الخوف

كان الدكتور محمد يوسف عودة القسوس معروفاً في الزرقاء بـ”طبيب الفقراء”، واعتاد استقبال المرضى من أبناء المخيمات وذوي الدخل المحدود، وعلاج كثيرين منهم دون مقابل، لكن حياته انتهت برصاص مسلحين استهدفوا جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

يقول صديقه ناصر الريماوي لـ”صفر” إن القسوس جعل من عيادته مكاناً لخدمة المحتاجين، وحمل اهتمامه بالناس إلى عضوية مجلس بلدية الزرقاء، أما شقيقه عمر فيستعيد حضوره داخل العائلة، وكيف أقنعه بترك دراسة الهندسة والاتجاه إلى طب الأسنان، ثم ساعده على افتتاح عيادته، وكان القسوس مهتما بالشأن العام، وترشح مرتين للانتخابات النيابية.

وراء هذه السيرة حياة انقطعت فجأة، وعائلة فقدت أحد أعمدتها، وهي واحدة من عائلات كثيرة تحولت مشاركتها في مراسم وداع إحدى سيدات القرية إلى مأساة جماعية.
وبحسب الحصيلة الرسمية الواردة في التقرير، أسفر الهجوم عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين بعد وفاة مصابين متأثرين بجراحهما.
ومن بين الضحايا أيضا فادي الهلسة، الذي قُتل وهو إلى جانب والده، ويقول قريبه عماد هلسة إن العائلة لا تزال تعيش صدمة يصعب استيعابها، فيما ترك الاعتداء خوفاً يتجاوز أسر القتلى والمصابين إلى المجتمع المحلي بأكمله.

1-الأردن.. هجوم كنيسة الكرك بالأرقام

الخوف يصل إلى دور العبادة

يروي عماد هلسة أن بعض أهالي حمود تداولوا بعد الاعتداء، فكرة أداء الصلاة في منازلهم بدلاً من الذهاب إلى الكنائس، خشية التعرض لهجوم جديد. وتكشف هذه المخاوف وجهاً آخر للجريمة؛ فإلى جانب انتهاك الحق في الحياة، أصبح الشعور بالأمان أثناء ممارسة الشعائر الدينية موضع تهديد.

وتكفل المادة 14 من الدستور الأردني حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد وفق أحكامها، فيما تحمي المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الدين وممارسة الشعائر. كما تضمن المادة السادسة من العهد الحق في الحياة، وتقرر المادة السادسة من الدستور الأردني المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين.

ولا تقتصر مسؤولية الدولة على ملاحقة مرتكبي الاعتداء، بل تشمل اتخاذ التدابير اللازمة لحماية السكان ودور العبادة، وضمان قدرة المواطنين على ممارسة حقوقهم دون خوف.

2-ثلاثة حقوق أساسية مسّها الاعتداء

وجوه التضامن في مواجهة الكراهية

في الساعات التي أعقبت الهجوم، توجه أردنيون من الكرك ومحافظات أخرى إلى المستشفيات للتبرع بالدم.

ويرى عماد هلسة في هذا المشهد تعبيرا عن وقوف المواطنين إلى جانب بعضهم، بعيدا عن اختلافاتهم الدينية والاجتماعية.

ومن مدينة الفحيص، تقول أمل حداد لـ”صفر“: “عشنا مع بعض أصدقاء وجيران، وتجمعنا علاقات كثيرة مع إخوتنا المسلمين”.

وتضيف أن صدمتها لم تكن لتختلف لو استهدف الاعتداء مسجدا، لأن الاعتداء على دور العبادة يصيب المجتمع كله، مشيرة إلى تأثر زميلاتها المسلمات في العمل بما حدث.

وتؤكد تاليا حجازين أن المسلمين والمسيحيين تقاسموا على امتداد سنوات الأفراح والأحزان، وأن حماية هذه العلاقات تتطلب رفض التحريض قبل تحوله إلى عنف.

أما فادي عكروش فيرى في حديثه لـ”صفر” أن التضامن الواسع بعد الجريمة يعكس طبيعة العلاقات بين الأردنيين، لكنه يشدد على ضرورة التصدي لكل خطاب يحاول زرع الفرقة بينهم.

وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة في مواجهة محاولات تحميل جماعة دينية أو اجتماعية مسؤولية أفعال أفراد، فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا يجوز أن تتحول الجريمة إلى ذريعة لكراهية مضادة.

3-بعد الاعتداء.. خمسة حقوق للضحايا والناجين

المساءلة لا تتوقف عند الاعتقال

أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية، فجر الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، إلقاء القبض على ثلاثة مشتبه بهم داخل منزل مهجور في محافظة الكرك، بعد نحو 60 ساعة من الاعتداء.

ووفق الرواية الأمنية، وقع اشتباك مسلح أصيب خلاله المشتبه بهم الثلاثة، دون تسجيل إصابات بين أفراد القوة الأمنية، وضُبطت أسلحة نارية وذخائر في المكان.

ويرى الخبير القانوني أحمد أبو هزيم، في حديث لـ«صفر»، أن الاعتداء يمس السلم الأهلي وحقوقاً دستورية أساسية، في مقدمتها الحق في الحياة وحرية العبادة، ويحذر من تداول الشائعات والمعلومات غير الموثقة، لما قد تسببه من إرباك للتحقيقات.

أما الخبير القانوني الدكتور صخر الخصاونة فيوضح أن الأفعال قد تخضع، بحسب نتائج التحقيق والتكييف القضائي، لأحكام قانون منع الإرهاب وقانون العقوبات، مؤكدا أن تحديد المسؤوليات والعقوبات من اختصاص القضاء.

ويشدد الخصاونة، في حديث خصّ به “صفر“، على أن مواجهة هذه الجرائم لا تقتصر على العقوبات، بل تتطلب التصدي للأفكار المتطرفة وشبكات التحريض، وتعزيز دور المجتمع في الإبلاغ عنها ضمن الأطر القانونية.

ويظل القبض على المشتبه بهم خطوة في مسار العدالة، لا حكما بإدانتهم، ويتطلب إنصاف الضحايا تحقيقا فعالا يكشف الوقائع والمسؤوليات، ومحاكمة عادلة تحترم قرينة البراءة وضمانات الدفاع.

العدالة تشمل الناجين أيضاً

تفتح الجريمة ملف احتياجات لا تعالجها الإجراءات الأمنية وحدها، من بينها الرعاية الطبية للمصابين، والدعم النفسي والاجتماعي لعائلات الضحايا، وجبر الضرر، وتوفير الحماية التي تتيح لأهالي حمود استعادة حياتهم اليومية.

كما تبرز ضرورة مواجهة التحريض على الكراهية الدينية، الذي تتناول المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حظره عندما يشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف، دون الخلط بين مكافحة التحريض وتقييد حرية المعتقد أو التعبير المشروع.

وبينما تستمر التحقيقات، يبقى سؤال الحماية حاضرا في حمود: كيف يستعيد الناس ثقتهم بأن أبواب الكنيسة ستظل مفتوحة لهم دون خوف؟

قد تعيد المحاكمة بعض الاعتبار إلى العدالة، وقد يساعد التضامن على تضميد الجراح، لكن الاختبار الحقوقي الأبعد سيكون في قدرة الناجين على العودة إلى أماكن عبادتهم وحياتهم المعتادة، دون أن تفرض عليهم جريمة ارتكبها آخرون التخلي عن حقوقهم أو تغيير علاقتهم بوطنهم.