منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سلة خبز تتآكل.. الاقتصاد والمناخ يعيدان رسم مستقبل الريف السوري

26 مايو 2026
حصاد القمح في سوريا
حصاد القمح في سوريا

في حقول القمح والشعير شمال وشرق سوريا، يقف مزارعون أمام موسم حصاد لا يحمل وعداً بالربح بقدر ما يحمل خوفاً من الخسارة، و في ريف الحسكة، تتابع مزارعة تدعى وضحة محمد عملها اليومي وسط تكاليف إنتاج تتصاعد بوتيرة أسرع من أي موسم سابق، في حين تبقى أسعار شراء المحاصيل أقل من الحد الذي يسمح بالاستمرار، وهذا التناقض بين الجهد والعائد بات عنواناً رئيسياً لأزمة الزراعة السورية خلال عام 2025، وفق ما وثقته تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان وشهادات ميدانية من مناطق الجزيرة السورية.

وفي مايو 2025 وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان احتجاجات في مدينة الدرباسية شمال الحسكة، شارك فيها عشرات المزارعين رفضاً لتسعيرة شراء القمح التي وصفوها بالمجحفة، معتبرين أنها لا تغطي حتى جزءاً من تكاليف الإنتاج المرتفعة، ورفع المحتجون شعارات تؤكد أن القمح يمثل ركيزة الأمن الغذائي، في وقت يشهد فيه الريف السوري تراجعاً حاداً في القدرة على الاستمرار بالزراعة.

 تسعير لا يغطي التكلفة

تحدد السلطات المحلية في شمال وشرق سوريا سعر شراء طن القمح خلال موسم 2025 بنحو 300 دولار تقريباً، في حين تشير بيانات منظمات محلية إلى أن تكاليف الإنتاج في بعض المناطق تجاوزت هذا الرقم بشكل واضح، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وأجور النقل.

وفي المقابل، كانت الإدارة الذاتية قد أعلنت خلال الموسم نفسه سعراً يقارب 420 دولاراً للطن مع حوافز إضافية، وهو ما يبرز التباين الكبير في السياسات الاقتصادية داخل الجغرافيا الزراعية السورية، ويزيد من حالة الارتباك لدى المزارعين.

وتشير تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” إلى أن كلفة الإنتاج الزراعي في سوريا ارتفعت بشكل كبير منذ عام 2011 نتيجة تدمير البنية التحتية الزراعية وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وانخفاض الدعم الحكومي. وتؤكد المنظمة أن هذه العوامل مجتمعة جعلت الزراعة أقل قدرة على الاستمرار في العديد من المناطق الريفية.

تراجع الإنتاج وأزمة الأمن الغذائي

تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي لعام 2025 إلى أن أكثر من 12.9 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في واحدة من أعلى النسب عالمياً، كما تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 90 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتوضح تقارير الفاو أن سوريا واجهت في عام 2025 واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ عقود، مع توقعات بانخفاض إنتاج القمح بنسبة كبيرة قد تصل إلى 75 بالمئة في بعض المناطق، ما يهدد فجوة غذائية تتجاوز ملايين الأطنان، وتضيف التقديرات الأممية أن هذا العجز قد يعرض نحو 16 مليون شخص لمخاطر نقص الغذاء.

وتشير هذه الأرقام إلى تحول القطاع الزراعي من مصدر رئيسي للغذاء والدخل إلى قطاع هش يعتمد على الدعم الخارجي والاستيراد لتغطية الفجوة المحلية.

من سلة خبز إلى منطقة ضغط اقتصادي

تعد منطقة الجزيرة السورية في الحسكة والرقة ودير الزور القلب الزراعي الأهم في البلاد، حيث تنتج غالبية محاصيل القمح والشعير، غير أن هذه المنطقة تواجه اليوم ضغوطاً مزدوجة تتعلق بالمناخ والاقتصاد.

وتشير بيانات الفاو إلى أن موجات الجفاف المتكررة خلال السنوات الأخيرة أدت إلى تراجع كبير في إنتاج الحبوب، في حين أدى ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار إلى تقليص المساحات المزروعة بشكل ملحوظ. وفي بعض المواسم، تراجعت الإنتاجية إلى مستويات غير قادرة على تغطية الطلب المحلي.

كما تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن أكثر من 40 بالمئة من الأراضي الزراعية في بعض المناطق لم تُزرع بشكل كامل خلال المواسم الأخيرة، نتيجة نقص المياه وارتفاع تكاليف التشغيل الزراعي.

تكلفة أعلى من العائد

في شهادات أوردها المرصد السوري تصف مزارعة من ريف تل تمر التحديات التي تواجهها بأنها لم تعد مرتبطة بالموسم الزراعي فقط، بل ببنية اقتصادية كاملة تنهك الفلاحين، فهي تشير إلى أن تشغيل مضخات المياه يعتمد على وقود مرتفع السعر، في حين ترتفع تكاليف النقل والحصاد بشكل يفوق قدرة المزارعين على التعويض.

ويؤكد مزارعون آخرون في الحسكة أن تكلفة زراعة الدونم الواحد ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، في حين بقي سعر الشراء منخفضاً نسبياً، ما أدى إلى تقلص هامش الربح أو تحوله إلى خسارة مباشرة في بعض الحالات.

وتشير تقارير محلية إلى أن العديد من المزارعين اضطروا إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن جزء من أراضيهم بسبب العجز المالي.

الجفاف والتغير المناخي

لم تعد أزمة الزراعة في سوريا مرتبطة بالحرب أو التكاليف الاقتصادية فقط، بل أصبحت البيئة والمناخ طرفاً مباشراً في تعميق الانهيار الزراعي. وتشير بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد منذ سنوات ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة وتراجعاً في معدلات الهطول المطري، وهو ما ينعكس مباشرة على إنتاج المحاصيل الزراعية ويهدد الأمن الغذائي لملايين السكان في المنطقة، ومنها سوريا.

وفي السياق السوري، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” أن موسم 2024 و2025 شهد واحداً من أشد مواسم الجفاف منذ عقود، حيث صنفت الظروف المناخية بأنها من بين الأسوأ خلال ما يقارب 60 عاماً، وتوضح المنظمة أن نحو 75 بالمئة من الأراضي الزراعية البعلية تعرضت لضغط مناخي حاد بسبب ضعف الأمطار وتوزعها غير المنتظم، ما أدى إلى تراجع كبير في إنتاج القمح والشعير، وهما المحصولان الأساسيان للأمن الغذائي في البلاد، وتشير تقديرات الفاو إلى أن إنتاج القمح قد يتراجع بما يصل إلى نحو 2.5 إلى 2.7 مليون طن فجوة غذائية محتملة خلال موسم 2025، وهو ما يهدد قدرة البلاد على تلبية احتياجات ملايين السكان.

وتوضح بيانات الفاو أيضاً أن ما يصل إلى 95 بالمئة من القمح البعلي تعرض لأضرار مباشرة نتيجة انخفاض الهطول المطري خلال الموسم الزراعي، في حين تراجع إنتاج القمح المروي بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة عن المعدلات الطبيعية بسبب نقص المياه وارتفاع تكاليف الري، وتشير هذه الأرقام إلى أن الأزمة المناخية لم تعد عاملاً ثانوياً، بل أصبحت محدداً رئيسياً لحجم الإنتاج الزراعي في البلاد.

كما تربط تقارير الأمم المتحدة بين التغير المناخي وتزايد موجات النزوح الداخلي في المناطق الريفية، حيث تؤدي خسارة المحاصيل الزراعية وفقدان مصادر الدخل إلى دفع آلاف الأسر إلى ترك أراضيها والانتقال إلى المدن أو إلى مناطق أكثر استقرارا نسبياً، وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التغير المناخي في المنطقة لم يعد مجرد تهديد بيئي، بل أصبح محركاً اقتصادياً واجتماعياً يسهم في إعادة تشكيل أنماط الاستقرار الريفي والهجرة الداخلية.

وتضيف تقارير برنامج الأغذية العالمي أن تراجع الإنتاج الزراعي الناتج عن الجفاف وارتفاع الحرارة أسهما في زيادة أعداد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي داخل سوريا، حيث يواجه أكثر من 12.9 مليون شخص خطر عدم الحصول على غذاء كافٍ خلال عام 2025، في ظل اعتماد متزايد على المساعدات الإنسانية، كما تؤكد تقارير أممية أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر مباشرة في إنتاج القمح في مناطق الشرق الأوسط، حيث تبدأ المحاصيل بالتضرر عند تجاوز 30 درجة مئوية، ما يقلل من الإنتاجية ويزيد من هشاشة القطاع الزراعي.

وتشير منظمة الأغذية والزراعة أيضاً إلى أن سوريا فقدت خلال العقد الأخير جزءاً كبيراً من قدرتها الزراعية بسبب تداخل عوامل الحرب والجفاف، حيث تضررت أنظمة الري وتراجعت الموارد المائية بشكل ملحوظ، خاصة في مناطق تعتمد على نهر الفرات والآبار الجوفية، كما تؤكد المنظمة أن تغير أنماط الأمطار أدى إلى فشل جزء كبير من المحاصيل في مراحلها الأولى، ما أجبر العديد من المزارعين على تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعة بالكامل.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد المناخ مجرد عامل مساعد أو ضاغط على الزراعة، بل أصبح عنصراً أساسياً في تحديد مستقبل الأمن الغذائي في سوريا، فالجفاف المتكرر، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع مصادر المياه، كلها عوامل تتداخل مع الأزمة الاقتصادية لتنتج وضعاً زراعياً شديد الهشاشة، يهدد استمرارية الإنتاج ويزيد من اعتماد البلاد على الاستيراد والمساعدات الخارجية، في وقت تتقلص فيه قدرة المزارعين على الاستمرار في العمل داخل أراضيهم.

الأمن الغذائي قضية حقوقية

تتعامل الأمم المتحدة مع الحق في الغذاء باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وليس مجرد قضية اقتصادية. وبحسب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن الدول ملزمة بتوفير ظروف تضمن الأمن الغذائي لسكانها.

وفي الحالة السورية، تشير بعثة الأمم المتحدة لتقييم الأوضاع الإنسانية إلى أن انهيار القطاع الزراعي يهدد بشكل مباشر هذا الحق، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات الفقر والجوع.

كما تؤكد منظمات حقوقية دولية أن تدهور الزراعة ينعكس على الحق في العمل والحق في مستوى معيشي لائق، وهو ما يظهر بوضوح في المناطق الريفية الأكثر تضرراً.

النساء في قلب الأزمة الزراعية

توضح تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء في الريف السوري يتحملن عبئاً متزايداً في إدارة الأراضي الزراعية في ظل غياب أو فقدان المعيل. لكن هذه الفئة تواجه تحديات إضافية تتعلق بضعف الوصول إلى التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تسويق المحاصيل.

وتشير هذه التقارير إلى أن الأزمة الزراعية لا تؤثر فقط في الإنتاج، بل تعيد تشكيل البنية الاجتماعية في الريف السوري، حيث تتسع دائرة الفقر بين النساء والأطفال.

بين السياسات المحلية وتعدد السلطات

تعكس أزمة تسعير القمح في سوريا أيضاً تعدد مراكز القرار الاقتصادي، حيث تختلف السياسات بين مناطق سيطرة مختلفة، ما يخلق سوقاً زراعياً غير مستقر.

وتشير بيانات منشورة في تقارير اقتصادية إلى أن هذا التباين في الأسعار والسياسات يؤدي إلى صعوبة في التخطيط الزراعي، ويضعف ثقة المزارعين في استدامة الإنتاج.

تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن استمرار تراجع القطاع الزراعي قد يدفع مزيداً من السكان إلى الهجرة الداخلية أو ترك الزراعة نهائياً، ما يهدد البنية الاقتصادية للريف السوري.

كما تحذر الفاو من أن غياب الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، خصوصاً في أنظمة الري، سيؤدي إلى تراجع إضافي في الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

في الحقول الممتدة بين الحسكة والرقة، لا تزال السنابل تنمو رغم كل شيء، لكنها تنمو في بيئة اقتصادية لا تمنح المزارع فرصة حقيقية للاستمرار، وبين تكاليف تتضخم وأسعار لا تعكس قيمة الجهد، تبدو الزراعة السورية اليوم أمام سؤال وجودي يتعلق بقدرتها على البقاء، لا على الإنتاج فقط.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية