منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سبتة.. عندما يتحول البحر إلى مقبرة للمهاجرين في مواجهة الحدود الأوروبية

28 يوليو 2026
سبتة.. الهجرة غير الشرعية عبر البحر مأساة متجددة
سبتة.. الهجرة غير الشرعية عبر البحر مأساة متجددة

تواصل مياه البحر قبالة جيب سبتة الإسباني حصد أرواح المهاجرين الساعين إلى الوصول إلى أوروبا، بعدما انتشل الحرس المدني الإسباني أربع جثث خلال عطلة نهاية الأسبوع، لترتفع حصيلة ضحايا هذا المسار إلى 27 مهاجرًا منذ بداية عام 2026، في مؤشر جديد على تصاعد المخاطر الإنسانية على أحد أقصر، وأكثر طرق الهجرة غير النظامية خطورة بين أفريقيا وأوروبا.

وأظهرت البيانات المحلية أن ثلاث جثث انتُشلت، الأحد، من مناطق متفرقة على ساحل سبتة، بعد ساعات من العثور على جثة مهاجر رابعة مساء السبت، بينما رجحت السلطات أن الضحايا حاولوا الوصول سباحة من السواحل المغربية، مستغلين هدوء البحر، قبل أن تبتلعهم التيارات البحرية القوية التي تشتهر بها المنطقة.

وتعكس هذه الحوادث واقعًا متكررًا في سبتة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر معابر الهجرة نحو الاتحاد الأوروبي، مع تزايد اعتماد المهاجرين على السباحة لمسافات طويلة أو الالتفاف حول الحواجز الحدودية، بعد تشديد الرقابة على السياج الفاصل بين المغرب والجيب الإسباني.

طريق قصير.. لكنه قاتل

يمتد المسار البحري بين شاطئ الفنيدق المغربي ومدينة سبتة لمسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، إلا أن هذه الرحلة القصيرة تخفي مخاطر كبيرة، أبرزها التيارات البحرية العنيفة، وانخفاض درجات حرارة المياه، والصخور الساحلية الحادة، فضلًا عن الإرهاق الذي يصيب المهاجرين خلال السباحة ليلًا لتجنب الرصد الأمني.

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط لا يزال أخطر حدود العالم بالنسبة للمهاجرين، إذ يوثق مشروع “المهاجرون المفقودون” آلاف الوفيات وحالات الفقدان سنويًا، مع الإشارة إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير بسبب صعوبة توثيق جميع الحوادث، خصوصًا في المناطق البحرية النائية.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن تشديد الرقابة على طرق الهجرة التقليدية يدفع المهاجرين إلى اختيار مسارات أكثر خطورة، وهو ما يرفع معدلات الوفيات بدلًا من الحد من الهجرة، في ظل استمرار نشاط شبكات تهريب البشر التي تستغل يأس الفارين من النزاعات والفقر.

ارتفاع محاولات العبور

سجلت وزارة الداخلية الإسبانية ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الوافدين إلى سبتة خلال الأشهر الأولى من عام 2026، حيث تجاوز عدد الواصلين برًا وبحرًا ضعف ما سُجل خلال الفترة نفسها من العام السابق، ما يعكس تحول سبتة مجددًا إلى إحدى أبرز نقاط العبور نحو أوروبا، بعد تراجع حركة الهجرة عبر بعض المسارات الأخرى.

وارتبط هذا التحول بتشديد الإجراءات الأمنية على طريق جزر الكناري، وتعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول غرب أفريقيا والمغرب لمكافحة الهجرة غير النظامية، الأمر الذي دفع العديد من المهاجرين إلى البحث عن بدائل أكثر خطورة، من بينها السباحة نحو سبتة أو محاولة تجاوز الحواجز الحدودية.

وأثارت الزيادة في أعداد الوافدين والضحايا جدلًا قانونيًا داخل إسبانيا، بعدما قضت المحكمة العليا الإسبانية بعدم قانونية الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يُعترض طريقهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية، معتبرة أن تلك الإجراءات تتعارض مع الضمانات القانونية وحق طالبي اللجوء في الوصول إلى إجراءات فردية وعادلة.

وطالبت سلطات سبتة، في المقابل، بتعديل الإطار القانوني بما يسمح بتطبيق نظام الصد الحدودي على جميع محاولات الدخول غير النظامية، سواء عبر البر أو البحر، مبررة ذلك بتزايد الضغوط على المدينة ومرافق استقبال المهاجرين، التي تعاني أصلًا من الاكتظاظ ونقص الإمكانات.

التزامات دولية بحماية الأرواح

تلزم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ البحري، الدول بإنقاذ أي شخص يواجه خطرًا في البحر، بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني، كما يفرض القانون الدولي للاجئين احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو الخطر.

وحذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة مرارًا من أن الاعتماد المفرط على الإجراءات الأمنية وحدها لا يحد من الهجرة، بل يدفع الأشخاص إلى استخدام طرق أكثر خطورة، داعيتين إلى توسيع مسارات الهجرة الآمنة وتعزيز عمليات البحث والإنقاذ في البحر.

وانتقدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقارير سابقة ممارسات مرتبطة بإدارة الحدود في سبتة ومليلية، مؤكدة ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتبطة باستخدام القوة، وضمان احترام حقوق طالبي اللجوء والمهاجرين وفق المعايير الدولية.

مقبرة مفتوحة على حدود أوروبا

تكشف الوفيات المتكررة قبالة سبتة أن البحر لم يعد مجرد معبر نحو أوروبا، بل أصبح مقبرة مفتوحة للمهاجرين الفارين من الحروب والفقر والاضطهاد، في ظل استمرار غياب بدائل آمنة للوصول إلى الحماية الدولية.

يبقى تزايد أعداد الضحايا اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتحاد الأوروبي والدول المعنية على تحقيق التوازن بين حماية الحدود والوفاء بالتزاماتها القانونية والإنسانية، إذ تؤكد المنظمات الدولية أن إنقاذ الأرواح يجب أن يظل أولوية لا تتراجع أمام الاعتبارات الأمنية، وأن معالجة أسباب الهجرة وفتح قنوات آمنة يمثلان السبيل الأكثر فاعلية للحد من هذه المآسي المتكررة.