في غزة، لم يعد الطريق مجرد وسيلة للوصول، بل صار مرادفًا للموت والجوع والانتهاك، حيث يسلك سائقو شاحنات المساعدات الإنسانية مسارات محفوفة بالخطر، وسط صوت الرصاص ودوي الدبابات، لنقل الغذاء والدواء والملاذ المؤقت لملايين المحاصرين.
ومع كل رحلة، يتحول هؤلاء السائقون إلى شهود أحياء على انتهاكات واسعة للحقوق الإنسانية الأساسية، حيث يختلط الحصار بالقصف، والفوضى بالجريمة المنظمة، ليُشكل لوحة قاتمة لحياة 2.1 مليون إنسان، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “فيننشيال تايمز”، اليوم الثلاثاء”، تحت عنوان “يومٌ في حياة سائقي شاحنات غزة”.
“إنهم يُحركهم الجوع”، بهذه الكلمات وصف مازن، أحد سائقي الشاحنات، المشهد الذي رآه حين أحاطت الحشود بقافلة مساعدات وسط الدبابات والمباني المدمرة، بدا للوهلة الأولى أنهم نسوا الخطر، لكن رصاص القناصة الإسرائيلية أعادهم سريعًا إلى واقعهم القاسي.
تجسد شهادته المعضلة الإنسانية: حشود مدفوعة بغريزة البقاء، تواجه آلة عسكرية لا تتردد في إطلاق النار.
ولا تعد هذه المشاهد استثناءً، بل جزءًا من صورة أوسع، فوفقًا للأمم المتحدة، قُتل أكثر من 2100 فلسطيني منذ مايو أثناء محاولتهم الحصول على المساعدة، معظمهم بنيران إسرائيلية، رقم يؤكد أن الحق في الغذاء والحماية قد تحول إلى ساحة مواجهة دامية.
البيروقراطية كسلاح إضافي
وراء كل رحلة، ثمة انتظار طويل عند المعابر، بيروقراطية عسكرية إسرائيلية تُحوّل ساعات الانتظار إلى أيام، وأحيانًا إلى رفضٍ لا تفسير له، وفق ما نقلته “فايننشيال تايمز” عن أولغا تشيريفكو من مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في غزة، فإن طلبات مرور القوافل كثيرًا ما تُرفض أو تُؤجّل، ما يقلّص بشدة عدد القوافل التي يمكن إدخالها.
خلال أغسطس، لم يدخل سوى نحو 120 شاحنة يوميًا، مقارنة بـ600 خلال هدنة قصيرة بين يناير ومارس، هذا التراجع الحاد يُترجم مباشرةً إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويكشف كيف يُستخدم التحكم في المعابر كأداة ضغط تؤثر على الحق في الحياة والكرامة.
على طرق رفح، التي أُفرغت من سكانها بفعل العمليات العسكرية، يظهر الجوع في أبشع صوره، يروي عمر، سائق آخر، أن ما يجري ليس سرقة، بل “توزيعًا ذاتيًا” يقوم به أشخاص حرموا من الطعام لشهور، ويتذكر وجوه الناس الذين استقبلوا كيس دقيق كما لو كان حياة كاملة.
لكن هذا المشهد الإنساني يُقابله وجه آخر أكثر قتامة: وفق الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 1000 فلسطيني أثناء تجمعهم على طرق القوافل بين مايو وسبتمبر، برصاص الجيش الإسرائيلي.
تؤكد “فايننشيال تايمز” أن 1135 شخصًا آخرين قُتلوا قرب مواقع مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) خلال الفترة نفسها، ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي أن هذه الحوادث “قيد المراجعة”، فإن استمرارها يضع علامات استفهام على احترام الحق في الحماية الإنسانية.
لم يكن الجوع وحده ما يهدد قوافل المساعدات، فهناك “لصوص مسلحون”، أحيانًا بعلم الجيش الإسرائيلي أو في مناطق عسكرية، يهاجمون الشاحنات، يسرقون حمولتها أو حتى يستولون عليها بالكامل، مازن وعمر وغيرهما شهدوا كيف فقدت شاحناتهم أمام أعينهم.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى عصابة مسلحة تُعرف باسم “أبو شباب”، اشتهرت بنهب المساعدات وسيطرت على جزء من رفح قرب المعبر، بالنسبة للسائقين، كان مجرد مواجهة أفراد العصابة يعني خسارة شاحنة كاملة.
انهيار البنية الإنسانية
كان في غزة أكثر من 1200 شاحنة تعمل قبل الحرب، اليوم، لم يبق سوى ثلثها، البقية دُمّرت أو أُحرقت أو فُككت لإصلاح ما تبقى، أسعار قطع الغيار قفزت إلى مستويات خيالية: الإطار الذي كان ثمنه 300 دولار بات يكلف 5000 دولار، إن وُجد أصلًا.
هذه الأرقام ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تعكس انهيار بنية النقل التي يعتمد عليها وصول المساعدات، وفي لغة الحقوق، يعني ذلك انتهاكًا مباشرًا للحق في الحصول على الغذاء والدواء والمأوى.
السائقون أنفسهم صاروا ضحايا مباشرون، عشرات منهم قُتلوا أو جُرحوا بنيران إسرائيلية أو بأيدي العصابات، وكثيرون اعتقلوا، وآخرون توقفوا ببساطة عن المخاطرة، ومع كل رحلة، كما قال مازن، “ليس هناك ما يضمن عودتنا”.
هذه الشهادة تختصر مأساة مزدوجة: سائقون يُخاطرون بحياتهم لإيصال المساعدات، ويُعاملون في الوقت نفسه كأهداف عسكرية أو ضحايا لفوضى مسلحة.
مؤسسة غزة الإنسانية
تروّج إسرائيل لمؤسسة غزة الإنسانية باعتبارها نموذجًا أفضل لتوزيع المساعدات، بعيدًا عن اتهاماتها لحماس بالسيطرة، لكن مسؤولي الأمم المتحدة، كما نقلت الصحيفة، أكدوا أنهم لم يروا أدلة على تحويل واسع النطاق للمساعدات.
ورغم الأسوار واللافتات التي أقامها الجيش الإسرائيلي حول مواقع المؤسسة، فإن الأرقام الأممية عن مقتل أكثر من ألف شخص عند هذه المواقع تُظهر أن الحماية غائبة، وأن الحق في الحياة يُنتهك حتى في الأماكن المفترض أنها آمنة.
وفي نهاية كل رحلة، يعود السائقون مُنهكين، محملين بذكريات الموت أكثر من الطعام، وغالبا ما تكون حمولة الشاحنات قد تبعثرت أو استُنفدت بفعل الجوع أو النهب، ومع كل مرة، يبدو الطريق أصعب، والحمولة أقل، والمخاطر أكبر.
نقلت “فايننشيال تايمز” عن السائقين قولهم إن “الحشود تتزايد، ومشاكل الطرق تتفاقم، وهناك المزيد من اللصوص وإطلاق النار”، العبارة تحمل في طياتها معنى أكبر: الطريق إلى غزة لم يعد مجرد مسار إنساني، بل صار ساحة اختبار يومي لقدرة البشر على الصمود أمام منظومة من الانتهاكات.
