منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رمز ديني.. هجوم على راهبة فرنسية بالقدس يكشف هشاشة حماية حرية المعتقد

02 مايو 2026
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس

يكشف مقطع فيديو متداول واقعة اعتداء عنيف على راهبة كاثوليكية فرنسية في مدينة القدس، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً، بعدما أظهر رجلاً يلاحقها في الشارع ويدفعها بقوة حتى كادت تصطدم رأسها بكتلة حجرية، قبل أن يعود ويركلها وهي ملقاة على الأرض، وفقاً لما أوردته صحيفة “الغارديان”.

يوثق الفيديو لحظة تدخل أحد المارة لوقف الاعتداء، في مشهد يعكس هشاشة الحماية الفعلية لرجال الدين في الفضاء العام، رغم الطابع الديني الحساس للمدينة التي تعد مركزاً مقدساً لثلاث ديانات.

أكدت الشرطة الإسرائيلية، بحسب ما نقلته “يورو نيوز”، أنها ألقت القبض على رجل يبلغ من العمر 36 عاماً، ظهر في المقطع المصور، مشيرة إلى أن الاعتقال جاء للاشتباه في ارتكاب “اعتداء بدافع عنصري”، وأنه لا يزال رهن الاحتجاز تمهيداً لعرضه على محكمة الصلح في القدس للنظر في تمديد توقيفه.

وأشارت الشرطة إلى أنها تتعامل “بمنتهى الجدية” مع أي اعتداء على رجال الدين، وتتبنى سياسة “عدم التسامح مطلقاً” مع أعمال العنف، مؤكدة التزامها بحماية جميع الطوائف الدينية في المدينة.

توضح المعطيات أن الهجوم وقع في منطقة جبل صهيون، بالقرب من موقع يقدسه اليهود باعتباره قبر الملك داود، وكذلك العلية التي يعتقد المسيحيون أنها موقع العشاء الأخير، ما يضفي على الحادثة بعداً رمزياً يتجاوز الاعتداء الفردي إلى مساس مباشر بحرية العبادة في أحد أكثر الأماكن حساسية دينياً.

ولفتت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في بيان نقلته المصادر، إلى أن الاعتداء “عمل مشين يتناقض مع قيم الاحترام والتعايش والحرية الدينية”، مؤكدة التزامها بحماية حرية الدين، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والوقائع الميدانية التي توثق تصاعد الاعتداءات.

نمط متصاعد من العداء

أكد مدير المدرسة الفرنسية للأبحاث الكتابية والأثرية في القدس، الأب أوليفييه بوكيلون، أن الراهبة المعتدى عليها كانت باحثة في المؤسسة، متوقعاً رداً حازماً من السلطات، في حين وصف الهجوم، في منشور نقلته “فاتيكان نيوز”، وهى  المنصة الإعلامية الرسمية التابعة للكرسي الرسولي (الفاتيكان)، بأنه تعبير عن “آفة الكراهية” التي تمثل تحدياً مشتركاً.

وأشار بوكيلون إلى أن الاعتداء لم يكن مجرد حادث فردي، بل يأتي في سياق أوسع من التوترات التي تستهدف الوجود المسيحي في المدينة.

من جانبها، تصف كلية العلوم الإنسانية في الجامعة العبرية في القدس الحادث بأنه “ليس معزولاً”، بل جزء من “نمط مقلق من العداء المتزايد تجاه المجتمع المسيحي ورموزه”، مؤكدة أن الضحية تمثل شريكاً أكاديمياً مهماً، وأن الاعتداء عليها يمتد أثره إلى المجتمع العلمي العالمي.

وترصد بيانات مركز بيانات الحرية الدينية تسجيل 31 حادثة مضايقة للمسيحيين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، معظمها شمل البصق أو تخريب ممتلكات الكنائس، في حين اعتبر الاعتداء العنيف الأخير حالة نادرة من حيث شدته، لكنه يعكس تصعيداً نوعياً في أنماط الانتهاك.

كما تكشف شهادات نقلها المركز أن بعض المجتمعات الدينية لا تبلغ عن الانتهاكات، إذ أشار أحد الأديرة إلى أن أفراده “بالكاد كانوا يغادرون المنزل”، وأنهم يتعرضون في حال خروجهم للبصق والإهانات، ما يشير إلى واقع غير مرئي بالكامل في الإحصاءات الرسمية.

يربط هذا التصاعد، وفق ما أوردته “الغارديان”، بسياق أوسع من تنامي القومية الدينية داخل إسرائيل، وما يصاحبه من مضايقات متزايدة للمجتمعات المسيحية الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، في وقت تواجه فيه الحكومة حرجاً متزايداً مع انتشار هذه الحوادث عالمياً.

حرية العبادة تحت الضغط

أوضح المنسق الإعلامي لمنتدى الأرض المقدسة المسيحي، وديع أبو ناصر، أن الهجمات التي تستهدف المسيحيين أصبحت “ظاهرة متنامية”، معرباً عن “غضب شديد” من النظام و”حزن عميق” إزاء استمرار هذه الانتهاكات، ومشيراً إلى أن التفاعل السريع مع حادثة الراهبة جاء نتيجة توثيقها بالفيديو.

ويكشف السياق الأوسع، بحسب “يورو نيوز”، أن الحادثة جاءت بعد أسابيع من قيود فرضتها السلطات الإسرائيلية على دخول المسلمين والمسيحيين إلى الأماكن المقدسة، بدعوى مخاوف أمنية، وهو ما يضع مسألة الوصول إلى دور العبادة ضمن إشكاليات أوسع تتعلق بالحق في ممارسة الشعائر.

يسلط الجدل الضوء على حادثة أخرى تمثلت في منع البطريرك اللاتيني للكنيسة الكاثوليكية في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من دخول كنيسة القيامة خلال أحد الشعانين، قبل أن يمنح لاحقاً “حق الوصول الكامل والفوري” بقرار من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

يستدعي هذا التباين في الإجراءات تساؤلات حول مدى اتساق السياسات مع الالتزامات المعلنة بحماية حرية العبادة، خاصة في مدينة توصف بأنها مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين على حد سواء، لكنها في الوقت ذاته تمثل بؤرة توتر تاريخي وسياسي.

يعكس المشهد أيضاً حوادث موازية، منها تخريب تمثال للسيد المسيح في جنوب لبنان من قبل جندي إسرائيلي، وهي واقعة أدانها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأدين فيها الجندي بالسجن لمدة 30 يوماً، ما يعزز صورة نمط متكرر من الانتهاكات التي تمس الرموز الدينية.

بين الإدانات والمساءلة

شددت الشرطة الإسرائيلية، وفق ما نقلته “فاتيكان نيوز”، على أن أجهزة إنفاذ القانون تتعامل بجدية مع أي عنف “مدفوع بنية عنصرية محتملة وموجه ضد رجال الدين”، مؤكدة عزمها على تقديم الجناة إلى العدالة سريعاً، في إطار سياسة حازمة ضد العنف.

كما طالبت القنصلية الفرنسية، بحسب الغارديان، بتقديم مرتكب الاعتداء إلى العدالة، في موقف يعكس بعداً دبلوماسياً للقضية، خاصة أن الضحية مواطنة فرنسية وباحثة أكاديمية.

تبرز هذه المواقف الرسمية فجوة بين الإدانة اللفظية والواقع الميداني، حيث تتكرر الاعتداءات رغم التأكيدات المتكررة لحماية حرية الدين، ما يعيد طرح مسألة المساءلة الفعلية وقدرة الإجراءات القانونية على ردع الانتهاكات.

تعكس الحادثة في مجملها تقاطعاً بين العنف الفردي والسياق البنيوي، حيث لا يمكن فصل الاعتداء عن بيئة أوسع من التوترات الدينية والسياسية، ولا عن أنماط متكررة من المضايقات التي تطول الأقليات الدينية.