منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم تراجع معدلات الجريمة.. العنف الأسري يكشف فجوات الحماية للنساء والأطفال في الولايات المتحدة

07 يونيو 2026
العنف الأسري
العنف الأسري

كشف تكرار جرائم قتل الأسر في الولايات المتحدة خلال الأيام الأولى من شهر يونيو عن أزمة مستمرة تمس الحق في الحياة والحماية داخل الأسرة، بعدما أودت سلسلة من الجرائم بحياة نساء وأطفال وأفراد من العائلة في ثلاث ولايات مختلفة، في وقت تتحدث فيه البيانات عن استمرار ارتفاع وفيات العنف الأسري رغم تراجع معدلات جرائم القتل بشكل عام.                                        

وأفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن السلطات الأمريكية سجلت خلال اليومين الأولين من يونيو ثلاث جرائم أسرية ارتكبها ثلاثة آباء في ولايات أيوا ونيويورك وفلوريدا، بعدما قتلوا أطفالهم وأمهاتهم.

استخدم اثنان منهم أسلحة نارية، في حين استخدم الثالث سكيناً، في حين بلغ عدد الضحايا 13 شخصاً، كان أصغرهم طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات.

وأعادت هذه الوقائع الدامية إلى الواجهة النقاش حول قدرة المؤسسات العامة داخل الولايات المتحدة على حماية النساء والأطفال من العنف الأسري، خاصة أن هذه الجرائم وقعت داخل المنازل وعلى أيدي أشخاص يفترض أن يكونوا الأقرب إلى الضحايا.

وفيات العنف الأسري مازالت مرتفعة

وأظهرت البيانات التي استعرضتها الصحيفة الأمريكية، أن جرائم القتل بجميع أنواعها انخفضت بصورة ملحوظة منذ ذروة جائحة كورونا، غير أن وفيات العنف الأسري بقيت مرتفعة على نحو ثابت، كما ارتفعت خلال عام 2026 الهجمات التي يقتل فيها شخص أربعة من أقاربه أو أكثر، بعدما كانت قد سجلت أدنى مستوياتها خلال عشرين عاماً.

وأكدت بيانات جامعة نورث إيسترن أن عدد هذه الحوادث خلال النصف الأول من عام 2026 تجاوز إجمالي ما سُجل خلال العام الماضي بأكمله، ما يعكس استمرار خطورة الظاهرة رغم تراجع معدلات القتل عموماً.

وأوضحت إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أن الهجمات التي أودت بحياة أكثر من فرد من أفراد الأسرة أو الشريك الحميم بلغت ذروتها عند 194 هجمة خلال عام 2022، ورغم الانخفاض الطفيف الذي سُجل خلال العام الماضي، ظلت المعدلات أعلى بكثير من مستويات ما قبل عام 2020.

وأشارت الإحصاءات إلى أن أكثر من 3000 شخص لقوا حتفهم بين عامي 2017 و2025 في الولايات المتحدة خلال موجات العنف هذه، في حين ارتفعت نسبة جرائم قتل أفراد الأسرة والشركاء إلى 21% من إجمالي جرائم القتل، مقارنة بنسبة 15% في عام 2020.

جرائم يمكن الوقاية منها

وصفت الأخصائية النفسية دورين دودجن-ماجي هذه الوفيات بأنها جرائم يمكن الوقاية منها، محذرة من التعامل معها باعتبارها حوادث فردية معزولة.

وناضلت دودجن-ماجي طوال ثلاثة عقود لمواجهة العنف الأسري، مستندة إلى مأساة شخصية عاشتها عندما قتل زوج شقيقتها زوجته وبناته الثلاث.

ورأت أن الولايات المتحدة لم تبذل ما يكفي لمواجهة ما تصفه بأزمة صحية عامة، داعية إلى التركيز على المؤشرات المبكرة التي تسبق العنف القاتل داخل الأسرة.

واستعادت قصة شقيقتها لورا ويتسون التي حصلت على أمر تقييدي وغادرت مع بناتها إلى منزل والدتها في ولاية أوريغون هرباً من العنف، وساعدت دودجن-ماجي الأطفال على التأقلم مع الحياة الجديدة، ومنهن سارة البالغة خمس سنوات، وراشيل البالغة ثلاث سنوات، وأبريل ذات الأشهر الستة.

واستعدت الأسرة لبدء عام دراسي جديد قبل أن يقتحم ديفيد ويتمان المنزل حاملاً مسدساً اشتراه قبل 48 ساعة فقط، وانتهى الهجوم بمقتل الأم وبناتها الثلاث، في حين كانت الجدة الناجية الوحيدة.

الوعي المجتمعي

وأكدت دودجن-ماجي أن الغيرة والسلوك المسيطر والتهديدات المتكررة تمثل علامات إنذار مبكرة ينبغي عدم تجاهلها، معتبرة أن الوعي المجتمعي بهذه المؤشرات يمثل خطوة أساسية في منع وقوع الجرائم.

وأشادت بالإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة للحد من مخاطر العنف المسلح، ومنها التشريع الذي وقعه الرئيس جو بايدن عام 2022، والذي وسع نطاق التحقق من السوابق الجنائية ومنع المدانين بالاعتداء على شركائهم من امتلاك أسلحة.

وطالبت في الوقت نفسه بتوسيع تطبيق قوانين “الخطر الشديد” التي تسمح بنزع السلاح من الأشخاص الذين يشكلون تهديداً لعائلاتهم، مشيرة إلى أن قوانين مشابهة تطبق في 22 ولاية إضافة إلى العاصمة واشنطن.

الوصول إلى الأسلحة

أظهرت البيانات التي نقلتها “واشنطن بوست” أن الغالبية العظمى من مرتكبي جرائم قتل الأسر كانوا مسلحين، الأمر الذي يجعل قضية الوصول إلى الأسلحة جزءاً رئيسياً من النقاش الدائر حول الوقاية من العنف الأسري.

وأوضح أستاذ علم الجريمة والقانون والسياسة العامة بجامعة نورث إيسترن جيمس آلان فوكس أن سهولة الوصول إلى السلاح ليست العامل الوحيد وراء هذه الجرائم، لكنها تتداخل مع عوامل نفسية واجتماعية معقدة.

وأشار فوكس إلى أن بعض الجرائم ترتبط بما وصفه بالشعور السام بالاستحقاق، حيث يلجأ بعض الرجال إلى العنف عندما تحاول الزوجة أو الشريكة إنهاء العلاقة، وأضاف أن بعض المعتدين يعدون إيذاء الأطفال وسيلة لإلحاق الضرر بالأم.

ولفت إلى أن بعض الجرائم ترتبط كذلك بفقدان الوظيفة أو المكانة الاجتماعية أو بمفاهيم مشوهة للشرف، ما يدفع بعض الجناة إلى قتل أفراد أسرهم ثم الانتحار.

ودعت أستاذة كلية التمريض بجامعة جونز هوبكنز جاكلين كامبل إلى سن تشريعات تلزم مالكي الأسلحة النارية بحفظها بصورة آمنة، مؤكدة أن كثيراً من جرائم القتل يقع في لحظات غضب وانفعال كان يمكن احتواؤها لو لم يكن السلاح متاحاً بشكل فوري.

حادث أيوا

أعلنت وكالة “رويترز” أن التحقيقات الأولية في حادث إطلاق النار الذي شهدته مدينة موسكاتين بولاية أيوا أشارت إلى أن الجريمة نجمت عن نزاع عائلي، بعدما أقدم ريان ويليس ماكفارلاند البالغ من العمر 52 عاماً على قتل ستة من أفراد أسرته قبل أن ينتحر.

وأوضحت الوكالة أن الشرطة عثرت في البداية على أربعة قتلى داخل منزل، قبل أن تقود التحقيقات إلى موقعين إضافيين اكتشفت فيهما جثتي رجلين آخرين يُعتقد أنهما من أقارب الجاني.

وأكد قائد شرطة موسكاتين أنتوني كيس أن جميع الضحايا تربطهم صلة قرابة بماكفارلاند، مشيراً إلى أن المشتبه به انتحر أثناء محاولة الضباط التحدث إليه.

وذكرت صحيفة “الغارديان” أن الحادثة تمثل تاسع جريمة قتل جماعي في الولايات المتحدة خلال عام 2026 وفق بيانات أرشيف العنف المسلح الذي يعرف هذه الجرائم بأنها تلك التي يقتل فيها أربعة أشخاص أو أكثر باستخدام سلاح ناري، باستثناء الجاني.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن الأبحاث المتاحة تظهر أن 94% من جرائم قتل الأسر يرتكبها رجال، في حين تستخدم الأسلحة النارية في 86% من هذه الجرائم.

وأضافت الصحيفة أن تحليلاً سابقاً استند إلى بيانات نظام مراقبة حوادث إطلاق النار خلص إلى أن جرائم قتل الأسر كانت تقع بمعدل مرة كل خمسة أيام، موثقاً 227 جريمة قتل عائلية و754 وفاة خلال السنوات الثلاث السابقة ليوليو 2023.

ومن جانبها، أفادت “يورونيوز” بأن اثنين من ضحايا حادثة موسكاتين كانا طالبين في المنطقة التعليمية المحلية، في حين كان اثنان آخران من العاملين فيها، الأمر الذي عمق أثر المأساة داخل المجتمع المحلي.

وكشفت المنصة الأوروبية أن السجلات القضائية العامة أظهرت وجود سجل جنائي سابق لماكفارلاند، إذ أقر عام 2012 بذنبه في قضية تعريض طفل للخطر أدى إلى وفاته، كما واجه عام 2016 عدة تهم جنائية أخرى.

واختتمت الناجية من آثار جريمة أسرية سابقة إيرما دينيس ريفيرا شهادتها بتأكيد أن دوامة العنف لن تتوقف ما لم يتحسن الوصول إلى خدمات الصحة النفسية وما لم تُتخذ خطوات أكثر فاعلية للحد من وجود الأسلحة في البيئات الأسرية المعرضة للخطر، بعدما فقدت ابنتها وأحفادها الثلاثة في جريمة قتل ارتكبها شريك سابق قبل أن ينتحر، لتبقى حفيدتها فينيكس الناجية الوحيدة من المأساة.