منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“استيلاءات المراهقين” ستجلب صيفاً من الفوضى الدموية إلى أنحاء الولايات المتحدة

31 مايو 2026
خمسة ضباط شرطة دهستهم سيارة وسط تجمع كبير لـ"سيطرة المراهقين" في شيكاغو في 24 مايو 2026
خمسة ضباط شرطة دهستهم سيارة وسط تجمع كبير لـ"سيطرة المراهقين" في شيكاغو في 24 مايو 2026

استعدوا لصيف من الفوضى والعنف الذي يقوده المراهقون، ما لم تتخلَّ قيادات المدن ذات التوجهات الديمقراطية في مختلف أنحاء البلاد عن نهجها القائم على التساهل مع الفوضى تحت شعار «الإنصاف».

أحدث الصيحات اليوم تُعرف باسم “الاستيلاء”(Takeover) ، وهو مصطلح من قاموس الجيل «زد» يُستخدم للتخفيف من وقع الحقيقة: أعمال شغب وفوضى جماعية، غالباً ما تُنظم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتشهد حشوداً ضخمة واستعراضات قيادة متهورة وخطيرة للسيارات.

شهدت مدينة شيكاغو عدة «استيلاءات للمراهقين» خلال عطلة يوم الذكرى، وأسفرت عن عشرات الاعتقالات لأشخاص وُصفوا بأنهم «شباب»، رغم أن بعضهم بلغ من العمر 28 عاماً.

وفي إحدى تلك الحوادث، يُتهم الشاب رشاد جونسون البالغ من العمر 18 عاماً، بصدم مجموعة من رجال الشرطة بسيارته أثناء محاولتهم استعادة النظام، وهو يواجه الآن خمس تهم بالشروع في القتل.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علّق على الحادث: «أصيب خمسة ضباط بجروح خطيرة. العمدة والحاكم سيئان للغاية. كان ينبغي عليهما طلب المساعدة».

لكن عمدة شيكاغو براندون جونسون بدا وكأنه يعيش واقعاً مختلفاً، إذ قال إنه «يشعر بالتشجيع بعد عطلة يوم الذكرى التي لم تشهد أي جريمة قتل»، متجاهلاً وقوع 37 حادث إطلاق نار.

ولم يكتفِ بذلك، بل ألقى باللوم على الآباء لعجزهم عن السيطرة على أبنائهم، وانتقد الجمهوريين لأنهم تجرؤوا على الإشارة إلى حالة الفوضى، ثم أعلن أنه سيبحث إمكان اتخاذ إجراءات قانونية لمحاسبة منصات التواصل الاجتماعي على هذه الجرائم.

وبالطبع، فإن العمدة نفسه سبق أن صرّح: «إذا كنا نعتقد أننا نستطيع الوصول إلى الأمان عبر الاعتقالات، فنحن مخطئون»، وهو المبدأ الذي حكم به المدينة بالفعل.

لكن يجب الانتباه إلى أن هذه الاضطرابات الخاطفة لم تعد ظاهرة محلية، بل أصبحت ظاهرة وطنية.

ففي شهر مارس الماضي شهدت منطقة «نافي يارد» في واشنطن أعمال شغب شبابية، حيث خرق المراهقون حظر التجول المفروض لمنع التجمعات وأقدموا على الاعتداءات والسرقات وغيرها من الجرائم الخطيرة، في حلقة جديدة ضمن سلسلة متكررة من الأحداث المشابهة.

وفي منتصف أبريل، شهد وسط مدينة ديترويت أعمال شغب حشدتها وسائل التواصل الاجتماعي، وانفجرت خلالها موجة من المشاجرات والعنف وإطلاق النار. ومن حسن الحظ أن أحداً لم يُقتل.

وقبل ذلك بأسابيع فقط، انتهى أحد «الاستيلاءات» بإصابة فتى يبلغ 14 عاماً برصاصة في صدره.

وخلال عطلة يوم الذكرى في ولاية نيويورك، تدفق مئات المراهقين إلى متنزه شاطئ أونتاريو بالقرب من مدينة روتشستر، ما أدى فعلياً إلى طرد العائلات التي جاءت للاستمتاع بيوم هادئ على الشاطئ.

والواقع أن هذه الظاهرة تضرب المناطق الساحلية في مختلف أنحاء البلاد. ففي جزيرة تايبي بولاية جورجيا اندلع إطلاق نار في الرابع من أبريل.

وقبيل عطلة يوم الذكرى، شهد شاطئ ناراغانسيت في ولاية رود آيلاند ثلاث حوادث طعن في 20 مايو، كما وقع «استيلاء» آخر على شاطئ «سيكوند بيتش» في مدينة ميدلتاون. وفي ولاية نيوهامبشير اعتقلت الشرطة 51 شخصاً في شاطئ هامبتون بعد اندلاع عدة مشاجرات بين مجموعات كبيرة من الشباب.

أما على ساحل نيوجيرسي، فقد اجتاح مئات المراهقين والشباب مدينة لونغ برانش، وتسببت أعمال الشغب في عدة اعتقالات، ومنها خلال اضطرابات مفاجئة اندلعت في منطقة «بير فيليدج».

واضطرت السلطات إلى استدعاء 139 عنصر شرطة من المدن المجاورة، في حين ارتدى الضباط معدات مكافحة الشغب وعملوا لساعات طويلة من أجل احتواء الفوضى.

وهذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل.

فمدينة وايلدوود الساحلية، وهي مدينة أخرى على ساحل نيوجيرسي، قررت إغلاق ممشاها البحري خلال ساعات الليل لتجنب تكرار أعمال الشغب التي شهدتها عام 2024.

صحيح أن عمدة شيكاغو ليس مخطئاً تماماً عندما يتحدث عن مسؤولية الآباء وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المشكلة الأكبر بكثير تكمن في التحول الذي شهدته الولايات ذات التوجه الديمقراطي بعيداً عن مبدأ محاسبة الأحداث على أفعالهم.

في نيويورك، على سبيل المثال، يكاد قانون «رفع سن المسؤولية الجنائية» يضمن ألّا يواجه مثيرو الشغب في شاطئ أونتاريو أي عواقب حقيقية على أفعالهم.

فبرفع سن المسؤولية الجنائية إلى 18 عاماً وإحالة من هم دون ذلك إلى محاكم الأسرة، أصبح القانون، في رأينا، يمهد الطريق أمام هؤلاء للانتقال تدريجياً إلى جرائم أكثر خطورة.

وفي رود آيلاند أُقر عام 2021 ما يُعرف باسم «قانون ماريو» ذي التوجهات التقدمية المتطرفة، والذي سُمي على اسم قاتل مدان أطلقت الولاية سراحه. وقد جعل القانون حصول الأحداث المدانين بجرائم تصل إلى القتل على الإفراج المشروط أكثر سهولة عندما يصبحون بالغين.

كما نفذت ولايات نيوجيرسي وإلينوي وميشيغان إصلاحاتها الخاصة في منظومة عدالة الأحداث، وحتى ولاية جورجيا رفعت سن المسؤولية الجنائية قبل سنوات.

وإلى أن يتخلى المشرعون على مستوى الولايات والسلطات المحلية عن الفكرة القائلة إن الأطفال الذين يسرقون ويعتدون ويطعنون ويقتلون هم ضحايا في المقام الأول، فإن هذه الفوضى ستواصل الانتشار.

وحتى الآن، لا يبدو أن الولايات والمدن ذات التوجه الديمقراطي مستعدة للتراجع عن هذا النهج، لذلك، توقّعوا كثيراً من الفوضى خلال هذا الصيف.

*نيويورك بوست