منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن فعاليات الدورة 62 للمجلس المنعقدة في جنيف

مجلس حقوق الإنسان يعتمد قراراً لمكافحة التمييز ضد المتأثرين بالجذام

07 يوليو 2026
دعوات حقوقية لمواجهة التمييز ضد مرضى الجذام
دعوات حقوقية لمواجهة التمييز ضد مرضى الجذام

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالإجماع ودون اللجوء إلى التصويت، مشروع القرار L.5 بشأن “القضاء على التمييز ضد الأشخاص المتأثرين بمرض الجذام (مرض هانسن) وأفراد أسرهم”، في خطوة تعكس استمرار التزام المجتمع الدولي بحماية حقوق هذه الفئة ومواجهة الوصم والتمييز اللذين لا يزالان يلاحقانها رغم التقدم الطبي والحقوقي المحرز خلال السنوات الماضية.

وجاء اعتماد القرار بعد سلسلة من المشاورات الواسعة بين الدول الأعضاء، ليؤكد أن القضاء على التمييز المرتبط بالجذام لم يعد قضية صحية فحسب، بل أصبح قضية حقوق إنسان تتطلب سياسات شاملة تضمن الكرامة والمساواة والإدماج.

وفي الفقرة الثانية: جاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في مدينة جنيف السويسرية، حيث ناقش المجلس خلال اجتماعه الثالث والثلاثين عدداً من مشاريع القرارات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان.

وكان مشروع القرار الخاص بالقضاء على التمييز ضد الأشخاص المتأثرين بالجذام وأفراد أسرهم من أبرز الملفات التي حظيت بتوافق واسع بين الدول الأعضاء، في ظل تأكيد ضرورة استمرار الاهتمام الدولي بهذه القضية رغم التحديات المالية التي تواجه منظومة الأمم المتحدة.

اليابان.. التزام متواصل

قدمت اليابان مشروع القرار نيابة عن المجموعة العابرة للأقاليم التي تضم البرازيل والإكوادور وإثيوبيا وفيجي والهند، مؤكدة أن القرار يمثل ثامن قرار يعتمده المجلس بشأن هذه القضية منذ عام 2008، عندما أصدر مجلس حقوق الإنسان أول قرار يعالج التمييز ضد المصابين بالجذام.

وأكد ممثل اليابان أن القرارات المتعاقبة أسهمت في بناء إطار دولي متكامل لمواجهة الوصم والتمييز، مستنداً إلى المبادئ والمبادئ التوجيهية التي اعتمدتها الأمم المتحدة، إضافة إلى الدور الذي اضطلع به المقرر الخاص منذ عام 2017 في إعداد التقارير وإجراء الزيارات القطرية وتعزيز الحوار مع الحكومات والمجتمع المدني.

وأشار إلى أن التمييز ضد المتأثرين بالجذام لا يزال متجذراً في بعض المجتمعات نتيجة ممارسات تاريخية ومؤسسية، الأمر الذي يجعل استمرار الجهود الدولية أمراً ضرورياً، حتى مع الحاجة إلى ترشيد عمل المجلس في ظل الضغوط المالية التي تواجه الأمم المتحدة.

وأوضح أن مشروع القرار يفتح مرحلة جديدة تعتمد على متابعة أكثر استدامة، إذ ستنتقل مسؤولية الرصد إلى مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من خلال إعداد تقرير شامل يعرض على المجلس ويعقبه حوار تفاعلي، ما يضمن استمرار الاهتمام بالقضية دون الحاجة إلى تمديد ولاية المقرر الخاص.

ويرحب القرار بتنظيم فعاليات سنوية للتوعية بدعم من التبرعات الطوعية، بهدف إتاحة المجال للأشخاص المتأثرين بالجذام وأسرهم لإيصال أصواتهم والإسهام في تطوير السياسات المتعلقة بحقوقهم.

الوصم يهدد الحقوق الأساسية

أعربت إثيوبيا، بصفتها إحدى الدول الراعية للمشروع، عن تقديرها لمشاركة الوفود في المشاورات التي أفضت إلى نص توافقي، مؤكدة أن الأشخاص المتأثرين بالجذام وأفراد أسرهم لا يزالون يواجهون وصماً اجتماعياً وتمييزاً يحول دون تمتعهم الكامل بحقوقهم الأساسية.

وأكدت أن القرار يجدد التزام المجتمع الدولي بالمساواة والكرامة والإدماج، ويدعو إلى اتخاذ تدابير عملية لمكافحة التمييز وتعزيز الوعي العام، مع الحفاظ على استمرارية متابعة القضية عبر تقرير دوري يصدر عن المفوض السامي، ما يحقق التوازن بين مواصلة العمل الحقوقي وتحسين كفاءة آليات المجلس.

وتحدثت إستونيا باسم الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن المفاوضات حول القرار اتسمت بالانفتاح والشفافية، وأن المقرر الخاص لعب دوراً محورياً خلال السنوات الماضية في إبراز معاناة المتأثرين بالجذام ودعم تنفيذ المبادئ التوجيهية الخاصة بمكافحة التمييز.

ورأى الاتحاد الأوروبي أن الوقت قد حان لاختتام ولاية المقرر الخاص بعد تحقيق تقدم ملموس، معتبراً أن إنهاء الولاية لا يعني تراجع الاهتمام بالقضية، وإنما يمثل إسهاماً في تعزيز الاتساق والكفاءة داخل منظومة مجلس حقوق الإنسان.

وشدد الاتحاد على أن الوصم والتمييز لا يزالان قائمين، وأن المطلوب هو دمج قضايا الجذام ضمن السياسات العامة لحقوق الإنسان، وضمان إشراك الأشخاص المتأثرين في عمليات صنع القرار، باعتبارهم أصحاب حقوق وليسوا مجرد مستفيدين من السياسات.

القضية تتجاوز البعد الطبي

أكدت إندونيسيا أن مشروع القرار يعكس تحولاً مهماً من التعامل مع الجذام باعتباره قضية صحية إلى اعتباره قضية حقوق إنسان، مشيرة إلى أن هذا النهج يضمن حماية الأشخاص المتضررين وأسرهم باعتبارهم أصحاب حقوق كاملة.

وأوضحت أن القرار ينسجم مع الأهداف الدولية الرامية إلى تحقيق “صفر حالات جديدة، وصفر إعاقات، وصفر وصم”، مؤكدة أن التحديات المتعلقة بالتمييز لم تنتهِ بعد، وهو ما يبرر استمرار الاهتمام الدولي بالقضية من خلال الآليات المناسبة.

ومن جانبها، أكدت كوبا أن المتأثرين بالجذام لا يزالون يتعرضون لانتهاكات تمس الكرامة الإنسانية في العديد من مناطق العالم، وأن القرار يدعو الدول إلى تطوير سياسات وطنية أكثر فاعلية لمواجهة هذه الظاهرة.

وأشادت بالدور الذي لعبه المقرر الخاص خلال السنوات التسع الماضية في رفع مستوى الوعي وتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات، مؤكدة أن كوبا تمكنت عملياً من القضاء على معظم انتشار المرض داخل أراضيها، مع توفير العلاج الطبي والنفسي المجاني، إلى جانب المشاركة في شبكات إقليمية للبحث العلمي وتبادل البيانات.

ترشيد الآليات لا ينتقص من الحقوق

وأشادت تايلاند بالنهج الذي اتبعته المجموعة الأساسية في إعداد المشروع، معتبرة أنه يجمع بين الحفاظ على الاهتمام بحقوق الأشخاص المتأثرين بالجذام وتحسين كفاءة عمل المجلس.

وأكدت أن إنهاء ولاية المقرر الخاص لا ينبغي تفسيره على أنه تقليل من أهمية القضية، بل يعكس توجهاً نحو اعتماد آليات أكثر استدامة ومرونة، خاصة في ظل الأزمة المالية التي تواجه الأمم المتحدة.

ويؤسس القرار الجديد لآلية متابعة مختلفة تعتمد على مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان الذي سيتولى إعداد تقرير شامل عن أوضاع الأشخاص المتأثرين بالجذام، يعرض أمام المجلس ويتبعه حوار تفاعلي بين الدول وأصحاب المصلحة.

ويمنح القرار أهمية خاصة لإشراك الأشخاص المتضررين أنفسهم في صياغة السياسات والبرامج، ويشجع تنظيم فعاليات توعوية سنوية تضمن استمرار حضور القضية على جدول أعمال الأمم المتحدة.

ويرى مؤيدو القرار أن هذه الصيغة تحقق التوازن بين الحفاظ على الزخم الحقوقي الذي تحقق خلال السنوات الماضية، وبين ترشيد استخدام الموارد المالية للمجلس.

توافق دولي

ورغم اختلاف مداخلات الدول حول أفضل السبل لمتابعة الملف مستقبلاً، فإن جميع الوفود التي تحدثت أكدت ضرورة استمرار مكافحة الوصم والتمييز المرتبطين بالجذام، واعتبرت أن حماية حقوق الأشخاص المتأثرين بالمرض تمثل جزءاً لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان العالمية.

وبعد أن أعلن رئيس المجلس عدم وجود أي طلب لإجراء تصويت، اعتمد مجلس حقوق الإنسان مشروع القرار L.5 بتوافق الآراء ودون تصويت في رسالة تؤكد الإجماع الدولي على ضرورة مواصلة حماية الأشخاص المتأثرين بمرض الجذام وأفراد أسرهم، وتعزيز كرامتهم وضمان تمتعهم الكامل بحقوقهم، بعيداً عن الوصم والتمييز الذي ما زال يلازمهم في عدد من المجتمعات حول العالم.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print