منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الذكاء الاصطناعي وحقوق النساء.. تحذيرات دولية من اتساع الفجوة الرقمية ودعوات عربية لضمان العدالة والمساواة

24 يونيو 2026
دعوات دولية لدعم حقوق النساء
دعوات دولية لدعم حقوق النساء

وسط تسارع غير مسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسع حضورها في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تتصاعد المخاوف الدولية من أن تتحول هذه الثورة التكنولوجية إلى عامل جديد لإعادة إنتاج أوجه التمييز القائمة ضد النساء والفتيات، بدلاً من أن تكون أداة لتعزيز المساواة وتمكين المرأة.

وبينما تؤكد الحكومات والمنظمات الدولية الإمكانات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، يبرز في المقابل تحذير متزايد من المخاطر المرتبطة بالتحيز الخوارزمي، والعنف الرقمي، والفجوات المتزايدة في فرص الوصول إلى التكنولوجيا.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات، حيث ناقشت الدول والمنظمات الدولية انعكاسات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية على حقوق النساء والفتيات، والفرص والتحديات التي تفرضها هذه التحولات على مسار المساواة بين الجنسين حول العالم.

التكنولوجيا فرصة ومصدر قلق

في مستهل النقاش، أكدت المجموعة الأفريقية، في بيان ألقته كينيا، أن القارة تنظر بإيجابية إلى التطورات التي حققها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المرتبطة به في المجالات العلمية والاقتصادية، لكنها أعربت في الوقت ذاته عن قلقها من المخاطر التي قد تهدد النساء والفتيات في ظل استمرار الفجوات الرقمية والتكنولوجية داخل العديد من الدول الأفريقية.

وشددت المجموعة الأفريقية على أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة تتعلق بانتهاك الخصوصية والتضييق والاستغلال عبر التطبيقات الرقمية ومنصات الذكاء الاصطناعي، داعية إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل وضع معايير عادلة ومتوازنة لتنظيم هذه التكنولوجيا بما يضمن حماية الحقوق الأساسية.

وأكدت المجموعة أهمية إشراك النساء والفتيات بصورة فعلية في عمليات الحوكمة الرقمية وصنع القرار المرتبط بالتكنولوجيا الحديثة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لبناء فضاء رقمي أكثر عدالة وإنصافاً.

الفجوة الرقمية وحقوق النساء

من جانبها، تحدثت رواندا نيابة عن مجموعة من الدول المستفيدة من الصندوق الاستئماني المخصص لدعم مشاركة أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً عميقاً في الاقتصادات والمجتمعات الحديثة، إلا أن الاستفادة من مزاياه ما زالت بعيدة المنال بالنسبة لملايين النساء في الدول النامية.

وأوضحت أن العديد من هذه الدول تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية، وقصور خدمات الاتصال بالإنترنت، ومحدودية القدرات التقنية، ما يحد من قدرة النساء والفتيات على الاستفادة من التحول الرقمي العالمي.

ودعت هذه الدول إلى تكثيف جهود نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتعزيز المهارات الرقمية، باعتبارها أدوات ضرورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وضمان عدم استبعاد النساء من الثورة التكنولوجية الجارية.

تمكين المرأة واحترام الخصوصيات الثقافية

برز الحضور العربي والإسلامي بصورة لافتة خلال النقاشات، حيث ركزت المداخلات العربية والإسلامية على ضرورة تحقيق التوازن بين تمكين النساء والفتيات من الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وبين احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات المختلفة.

وأكدت اللجنة المستقلة الدائمة لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي أن مكافحة جميع أشكال التمييز والعنف ضد النساء والفتيات تمثل التزاماً أساسياً يستند إلى مبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة التي يقرها الإسلام والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأشارت المنظمة إلى أن النساء والفتيات في العديد من مناطق العالم الإسلامي ما زلن يواجهن تحديات هيكلية متعددة تشمل الفقر والنزاعات المسلحة والاحتلال والصور النمطية الضارة والفجوات الرقمية، وهي عوامل تؤثر بشكل غير متناسب على فرصهن في التعليم والعمل والوصول إلى التكنولوجيا.

وشددت المنظمة على أهمية تبني مقاربات تراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للدول، مع العمل في الوقت نفسه على تمكين النساء من الوصول إلى التعليم الجيد والتكنولوجيا الحديثة والفرص الاقتصادية ومواقع القيادة وصنع القرار.

ودعت إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات والممارسات الجيدة من أجل إزالة العقبات التي تحول دون الإعمال الكامل لحقوق النساء والفتيات.

ويعكس هذا الموقف العربي والإسلامي رؤية تقوم على اعتبار التكنولوجيا أداة للتنمية والتمكين، شريطة أن تُستخدم ضمن أطر تحافظ على التماسك المجتمعي والأسري وتراعي التنوع الثقافي بين الدول.

تحذيرات من العنف الرقمي

واحتلت قضية العنف القائم على النوع الاجتماعي الميسر بالتكنولوجيا مساحة واسعة من النقاشات، حيث حذرت العديد من الدول والمنظمات الدولية من تصاعد هذه الظاهرة بالتزامن مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي.

وأكدت ليختنشتاين أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر يومية مرتبطة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق، ونشر الصور الخاصة دون موافقة أصحابها، والاستغلال الرقمي، والتشهير الإلكتروني.

وشددت بلجيكا على أن العنف الرقمي لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل أصبح تحدياً عالمياً يهدد سلامة النساء والفتيات، ويقوض الجهود الرامية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين.

وفي السياق نفسه، أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُستخدم في الابتزاز الإلكتروني والمطاردة الرقمية والتحرش والاستغلال، ما يؤدي إلى آثار نفسية ومهنية واقتصادية خطيرة على الضحايا.

وأشارت الهيئة إلى أن أقل من نصف دول العالم تمتلك أطرًا قانونية كافية لملاحقة الانتهاكات المرتكبة عبر الإنترنت، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين التطور التكنولوجي وقدرة التشريعات على مواكبته.

نحو تنظيم قائم على حقوق الإنسان

وشهدت الجلسة توافقاً أوروبياً واسعاً حول ضرورة إخضاع الذكاء الاصطناعي لأطر تنظيمية تستند إلى حقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز.

وأكد مجلس أوروبا أن اتفاقية إسطنبول والإطار القانوني الأوروبي يوفران أساساً مهماً لمكافحة العنف ضد المرأة وتعزيز الحماية القانونية للنساء والفتيات في العصر الرقمي.

وأوضح أن المجلس اعتمد توصيات جديدة تتعلق بالمساواة والذكاء الاصطناعي ومساءلة مرتكبي العنف الميسر بالتكنولوجيا، بما يعزز مكافحة الإفلات من العقاب.

بدورها، شددت إسبانيا على أهمية ما وصفته بـ”الحوكمة النسوية للذكاء الاصطناعي”، القائمة على مبادئ الشفافية والمساءلة والإشراف البشري واحترام حقوق الإنسان.

أما النمسا ورومانيا وسويسرا وسلوفينيا، فقد أكدت جميعها أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون محايدة إذا كانت تُبنى على بيانات وأنماط اجتماعية تتضمن تمييزاً تاريخياً ضد النساء، داعية إلى تبني أطر قانونية وتنظيمية تمنع إعادة إنتاج هذه التحيزات عبر الخوارزميات.

 حقوق النساء والثورة الرقمية

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء والفتيات ما زلن يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى الإنترنت والحواسيب والتقنيات الحديثة مقارنة بالرجال.

وأكدت أن الفجوة الرقمية بين الجنسين لا تزال واسعة في العديد من الدول، وأن استمرارها قد يؤدي إلى استبعاد النساء من فرص التعليم والعمل والابتكار التي يوفرها الاقتصاد الرقمي.

وفي الاتجاه نفسه، حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن ما يقارب 58% من النساء والفتيات تعرضن لشكل من أشكال التحرش أو الإساءة عبر الإنترنت، في وقت تفتقر فيه معظم الدول إلى أطر قانونية فعالة لمعالجة هذه الظاهرة.

وأشار الصندوق إلى أهمية تعزيز الثقافة الرقمية والوعي بالخوارزميات، وتمكين النساء والفتيات من الوصول إلى المعلومات والخدمات الرقمية بطريقة آمنة ومسؤولة.

الشباب وسوق العمل

برزت خلال الجلسة مخاوف متزايدة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المستقبلية للنساء والفتيات.

وأكدت بولندا، من خلال مداخلتها الشبابية، أن الأجيال الجديدة تدخل سوق عمل يشهد تحولات جذرية بفعل الذكاء الاصطناعي، ما يفرض ضرورة توفير التعليم الرقمي والتدريب التقني للفتيات منذ المراحل المبكرة.

وأوضحت أن عدم توفير هذه الفرص سيؤدي إلى استبعاد النساء من الوظائف المستقبلية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، ويعمق الفجوة القائمة بالفعل في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وخلال النقاش، استعرضت عدة دول تجاربها الوطنية في التعامل مع التحديات الرقمية الجديدة، ففي المكسيك، أشارت الحكومة إلى اعتماد “قانون أوليمبيا” الذي يجرم نشر المحتوى الحميمي دون موافقة الضحية، ويوفر آليات للإنصاف وجبر الضرر.

أما كوريا الجنوبية، فأكدت أنها شددت القوانين المتعلقة بحماية النساء ضحايا الاستغلال الجنسي الرقمي، وحظرت نشر المعلومات الشخصية الخاصة بهن، وعززت التحقيقات والدعم المقدم للضحايا.

وفي الأوروغواي، جرى اعتماد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والمساواة والمساءلة، مع التركيز على تقليص الفجوات الجندرية في القطاعات التكنولوجية.

بين الفرص والمخاطر

ورغم المخاوف الواسعة التي عبرت عنها الدول والمنظمات الدولية، فإن غالبية المتحدثين شددوا على أن الذكاء الاصطناعي ليس تهديداً بحد ذاته، بل أداة يمكن أن تسهم في تعزيز المساواة إذا ما استُخدمت بصورة مسؤولة.

وأكد المشاركون أن التكنولوجيا قادرة على توسيع فرص التعليم والصحة والخدمات العامة والوصول إلى العدالة، فضلاً عن تعزيز مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والسياسية.

لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب معالجة التحيزات الخوارزمية، وسد الفجوة الرقمية، وتوفير بيئات إلكترونية آمنة، وإشراك النساء في عمليات تصميم التكنولوجيا وتطويرها وحوكمتها.

توافق دولي متنامٍ

وكشفت المناقشات عن وجود توافق دولي متزايد حول مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها ضرورة اعتماد أطر تنظيمية تستند إلى حقوق الإنسان، وتعزيز المشاركة المتساوية للنساء والفتيات في الاقتصاد الرقمي، ومكافحة العنف الميسر بالتكنولوجيا، وضمان المساءلة القانونية لمطوري المنصات والأنظمة الرقمية.

وبرز إدراك متنامٍ بأن المساواة بين الجنسين لم تعد قضية اجتماعية أو تنموية فحسب، بل أصبحت أيضاً قضية تكنولوجية ترتبط بمستقبل المجتمعات وقدرتها على الاستفادة من التحولات الرقمية العالمية.

وفي ظل التسارع الكبير الذي يشهده قطاع الذكاء الاصطناعي، تبدو الرسالة التي خرج بها المشاركون واضحة: التكنولوجيا قد تكون أداة للتحرر والتمكين، لكنها قد تتحول أيضاً إلى وسيلة جديدة لترسيخ التمييز إذا لم تُبنَ على أسس العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان.

ومن هنا، تتزايد الدعوات الدولية إلى وضع النساء والفتيات في قلب عملية التحول الرقمي العالمي، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة لا تستثني أحداً.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print