منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الأطفال يتحملون النصيب الأكبر من الخسائر

خطر الألغام يحاصر ملايين الأفغان والأمم المتحدة تدعو إلى دعم عاجل لعمليات التطهير

02 يوليو 2026
تركيب طرف صناعي لطفل من ضحايا الألغام في أفغانستان
تركيب طرف صناعي لطفل من ضحايا الألغام في أفغانستان

تواصل الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة حصد أرواح المدنيين في أفغانستان، رغم مرور سنوات على انتهاء مراحل واسعة من الصراعات المسلحة التي شهدتها البلاد، وتؤكد الأرقام الأممية أن مخلفات الحرب لا تزال تشكل أحد أخطر التحديات الإنسانية، إذ تحصد عشرات الضحايا شهرياً، في حين يتحمل الأطفال النصيب الأكبر من الخسائر بسبب انتشار الألغام في المناطق السكنية والزراعية وعلى الطرق المؤدية إلى المدارس والخدمات الأساسية.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، “أوتشا”، في بيان نقلته وكالة الأنباء الأفغانية “خامة برس”، أن نحو خمسين شخصاً يسقطون بين قتيل وجريح كل شهر نتيجة انفجار الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة المنتشرة في أنحاء أفغانستان.

وأوضح المكتب أن الأطفال يمثلون نحو 80 في المئة من إجمالي الضحايا، الأمر الذي يعكس حجم التهديد الذي تفرضه مخلفات الحرب على الفئات الأكثر ضعفاً داخل المجتمع.

الأطفال في صدارة الضحايا

تظهر البيانات التي أوردها المكتب الأممي أن الأطفال يواجهون خطراً يومياً خلال تنقلهم أو أثناء اللعب في مناطق ما زالت تحتوي على ذخائر غير منفجرة أو ألغام زرعتها أطراف النزاع على امتداد سنوات طويلة.

وأكد “أوتشا” أن استمرار سقوط هذا العدد الكبير من الأطفال يفرض ضرورة تكثيف عمليات إزالة الألغام وتعزيز برامج التوعية بمخاطرها، خاصة في المناطق الريفية التي تشهد انتشاراً واسعاً لهذه المخلفات، حيث يعتمد السكان على الزراعة والتنقل اليومي عبر أراضٍ لم تخضع بعد لعمليات التطهير.

تراجع التمويل

حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن انخفاض التمويل الدولي أثر بصورة مباشرة في برامج إزالة الألغام، الأمر الذي أدى إلى تقليص نطاق العمليات الميدانية في عدد من المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل.

وأوضح المكتب أن استمرار هذا التراجع المالي يقلل قدرة الفرق المتخصصة على الوصول إلى المناطق الملوثة بمخلفات الحرب، كما يبطئ عمليات مسح الأراضي وتطهيرها، وهو ما يزيد احتمالات وقوع المزيد من الحوادث بين المدنيين.

وأضاف أن السكان في أفغانستان يستحقون العيش في بيئة آمنة بعيدة عن التهديد الدائم الذي تمثله الألغام والذخائر غير المنفجرة، مؤكداً أن استمرار الدعم الدولي يمثل عنصراً أساسياً لحماية الأرواح.

ملايين الأشخاص تحت التهديد

كشفت “أوتشا” أن نحو 3.3 مليون شخص يعيشون بالقرب من مناطق تنتشر فيها الألغام والذخائر غير المنفجرة، وهو ما يضعهم أمام مخاطر يومية تؤثر في مختلف جوانب حياتهم.

وأوضح المكتب أن وجود هذه المخلفات يمنع كثيراً من الأسر من استغلال الأراضي الزراعية، كما يعوق وصول الأطفال إلى المدارس ويحد من حركة السكان نحو المرافق الصحية والأسواق والخدمات الأساسية، الأمر الذي يضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المجتمعات المحلية.

وأشار إلى أن استمرار انتشار الألغام لا يهدد حياة المدنيين فحسب، بل يعرقل أيضاً جهود التعافي وإعادة الإعمار؛ لأن بقاء مساحات واسعة من الأراضي غير صالحة للاستخدام يؤخر تنفيذ المشروعات التنموية ويقيد الأنشطة الاقتصادية.

إرث أربعة عقود من الصراع

أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أفغانستان ما زالت من أكثر دول العالم تضرراً من مخلفات الحرب غير المنفجرة نتيجة أكثر من أربعين عاماً من النزاعات المسلحة المتواصلة.

وأوضح المكتب أن البلاد شهدت مراحل متعاقبة من الصراعات، شملت الاحتلال السوفيتي والحرب الأهلية والعمليات العسكرية التي قادها التحالف الدولي، إضافة إلى استمرار المواجهات المسلحة في مناطق مختلفة، وهو ما خلف كميات هائلة من الألغام والذخائر غير المنفجرة التي ما زالت تهدد المدنيين حتى اليوم.

دعوة إلى دعم عاجل

شددت الأمم المتحدة على أن المنظمات الإنسانية حذرت مراراً من التداعيات التي يسببها تراجع تمويل المانحين، خاصة مع عودة مئات الآلاف من الأفغان من الدول المجاورة خلال الفترة الأخيرة.

وأكد المكتب أن هذه العودة رفعت مستوى الضغوط على المجتمعات المحلية التي تعاني بالفعل من أوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة، وهو ما يزيد الحاجة إلى توسيع برامج إزالة الألغام وتوفير الحماية للمدنيين.

وأشار إلى أن استمرار التمويل الدولي يتيح للفرق المختصة تنفيذ عمليات المسح والتطهير في المناطق الملوثة، كما يدعم برامج التوعية المجتمعية التي تستهدف الأطفال والأسر، بهدف تقليل أعداد الضحايا ومنع وقوع حوادث جديدة.

وأضاف أن إزالة الألغام تمثل خطوة أساسية لتهيئة الظروف أمام عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة؛ لأنها تتيح استعادة استخدام الأراضي الزراعية، وتسهل وصول السكان إلى المدارس والمستشفيات والخدمات العامة، كما تعزز جهود التنمية والاستقرار.

تعد أفغانستان من أكثر الدول تلوثاً بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة على مستوى العالم نتيجة عقود متتالية من الصراعات المسلحة التي بدأت مع الغزو السوفيتي عام 1979، ثم استمرت خلال الحرب الأهلية، وأعقبتها العمليات العسكرية الدولية والصراع مع الجماعات المسلحة.

وخلفت هذه الحروب ملايين الألغام والذخائر التي انتشرت في القرى والحقول والطرق ومحيط المنشآت المدنية، ما جعل إزالة هذه المخلفات إحدى أكبر التحديات الإنسانية والتنموية في البلاد.

وتنفذ الأمم المتحدة وشركاؤها منذ سنوات برامج لتطهير الأراضي وتوعية السكان بمخاطر الألغام، إلا أن اتساع مساحة المناطق الملوثة وتراجع التمويل الدولي يحدان من سرعة إنجاز هذه العمليات، في حين تواصل مخلفات الحرب تهديد حياة المدنيين وإعاقة جهود إعادة الإعمار والتنمية وعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print