منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد الإعلان عن تسوية أوضاع 500 ألف مهاجر

خطة الهجرة الإسبانية تشعل جدلاً ومواجهات بين تيار اليمين والحكومات الأوروبية

14 مايو 2026
مهاجرون خلال التقدم بطلبات لتسوية أوضاعهم في إسبانيا
مهاجرون خلال التقدم بطلبات لتسوية أوضاعهم في إسبانيا

أقرت الحكومة الإسبانية في مطلع عام 2026 خطة لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي يقيمون داخل البلاد، في خطوة وصفت بأنها واحدة من أكبر برامج التسوية في أوروبا خلال العقد الأخير، وأثارت نقاشاً سياسياً وحقوقياً واسعاً داخل إسبانيا وخارجها.

وبحسب ما نشرته وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، فإن القرار يمنح تصاريح إقامة وعملاً للمهاجرين الذين يثبتون الإقامة داخل البلاد لفترة لا تقل عن خمسة أشهر، مع اشتراط عدم وجود سجل جنائي، في إطار سياسة تهدف إلى دمج المهاجرين في سوق العمل الرسمي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وتشير بيانات رسمية صادرة عن المفوضية الأوروبية إلى أن إسبانيا أصدرت في عام 2024 نحو 51 ألف قرار بإلزام المهاجرين غير النظاميين بمغادرة البلاد، وهو ما يمثل نحو 11 في المئة من إجمالي قرارات الإبعاد داخل الاتحاد الأوروبي، ما يعكس حجم الملف داخل الدولة الأعضاء في التكتل الأوروبي.

دوافع اقتصادية 

تستند الحكومة الإسبانية في قرارها إلى معطيات ديموغرافية واقتصادية معقدة، أبرزها تراجع معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن، ما يضع ضغوطاً متزايدة على سوق العمل ونظام التقاعد.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نسبة السكان المولودين خارج إسبانيا بلغت نحو 18.4 في المئة من إجمالي السكان في عام 2024، أي ما يعادل نحو 8.8 مليون شخص، وهو ما يعكس الدور المتزايد للهجرة في دعم الاقتصاد الإسباني.

كما أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء في إسبانيا أن الاقتصاد الإسباني يعتمد بشكل متزايد على العمالة الأجنبية في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات والسياحة، وهي قطاعات تعاني من نقص هيكلي في اليد العاملة.

وتؤكد الحكومة الإسبانية أن تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين ستسهم في إدخالهم إلى الاقتصاد الرسمي، ما يزيد من العائدات الضريبية ويقلل من حجم الاقتصاد غير المصرح به، ويعزز استقرار سوق العمل.

 الحاجة إلى الحماية الدولية

تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أوروبا ما تزال تستقبل مئات الآلاف من الباحثين عن الحماية الدولية، رغم تراجع أعداد الوافدين عبر بعض المسارات خلال عام 2025.

وبحسب تقرير للمفوضية صدر في يناير 2026، فقد سجلت إسبانيا نحو 36 ألف حالة وصول عبر البحر والبر خلال عام 2025، بانخفاض يقارب 43 في المئة مقارنة بالعام السابق، إلا أن المنظمة أكدت أن انخفاض الأعداد لا يعني تراجع الحاجة إلى الحماية الدولية، بل يعكس في بعض الحالات زيادة المخاطر على طرق الهجرة أو تشديد القيود الحدودية.

وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار وجود مهاجرين في وضع غير نظامي يعرضهم للاستغلال في سوق العمل غير الرسمي، ويحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والسكن.

موقف حقوقي يدعم التسوية 

رحبت منظمات حقوق الإنسان الدولية بمبدأ تسوية أوضاع المهاجرين، معتبرة أنه يتماشى مع التزامات الدول في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالحق في الكرامة والعمل والحماية من الاستغلال.

وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن المهاجرين غير النظاميين غالباً ما يعيشون في أوضاع هشة، ما يجعلهم عرضة للعمل غير القانوني والاستغلال الاقتصادي، في ظل غياب الحماية القانونية.

كما تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن إدماج المهاجرين في الأنظمة القانونية يسهم في تقليل الجرائم المرتبطة بالاتجار بالبشر والعمل القسري، بشرط أن تكون السياسات مصحوبة بإجراءات تنظيمية واضحة وضمانات قانونية فعالة.

انقسام داخل أوروبا وإسبانيا

أثار قرار الحكومة الإسبانية بتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي انقساماً سياسياً حاداً داخل إسبانيا، حيث دافعت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن الخطوة باعتبارها ضرورة اقتصادية وإنسانية مرتبطة بواقع سوق العمل وشيخوخة السكان، في حين اعتبرت أحزاب اليمين أن القرار قد يشجع على مزيد من الهجرة غير النظامية ويزيد الضغوط على الخدمات العامة والحدود الأوروبية.

وأكدت الحكومة الإسبانية، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، أن الخطة تستهدف إدماج العمال الموجودين فعلياً داخل البلاد في الاقتصاد الرسمي، خاصة مع تقديرات مراكز بحثية إسبانية تشير إلى وجود نحو 840 ألف مهاجر غير نظامي يعمل جزء كبير منهم في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات والرعاية. كما أوضح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن القرار يمثل عملاً من أعمال العدالة ويهدف إلى الاعتراف بواقع مئات الآلاف من الأشخاص الذين يعيشون ويعملون بالفعل داخل المجتمع الإسباني.

في المقابل، صعدت الأحزاب اليمينية الإسبانية والفرنسية من انتقاداتها للخطة، حيث أعلن حزب الشعب الإسباني المحافظ عزمه الطعن في القرار قضائياً، في حين وصف حزب فوكس اليميني الخطوة بأنها تشجيع للهجرة غير القانونية، وفق ما أوردته وكالة رويترز وتقارير إعلامية أوروبية.

وتحول القرار الإسباني إلى محور سجال سياسي واسع داخل فرنسا، خاصة بعد تصريحات رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا الذي اعتبر أن تسوية أوضاع هذا العدد الكبير من المهاجرين قد تخلق تداعيات مباشرة على دول الجوار الأوروبي، مطالباً بإعادة تشديد الرقابة على الحدود داخل فضاء شنغن، وأوضحت وكالة فرانس برس أن بارديلا زعم أن المهاجرين الذين يحصلون على إقامة في إسبانيا قد ينتقلون لاحقاً إلى فرنسا للاستفادة من النظام الاجتماعي، إلا أن خبراء قانونيين أكدوا للوكالة أن حصول المهاجر على إقامة إسبانية لا يمنحه تلقائياً حق العمل أو الإقامة القانونية الدائمة في فرنسا دون تصاريح إضافية.

كما دعا السياسي الفرنسي إريك سيوتي الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إعادة الحدود مع إسبانيا، معتبراً أن قرار مدريد سيؤثر في أوروبا بأكملها، بحسب صحيفة لو جورنال دو ديمانش الفرنسية، في الوقت نفسه، هاجم رئيس حزب الجمهوريين الفرنسي برونو ريتايو السياسة الإسبانية، واعتبرها مخالفة لروح الاتحاد الأوروبي، محذراً مما وصفه بـ”عامل الجذب” للهجرة نحو جنوب القارة.

ولم تقتصر الاعتراضات على اليمين الفرنسي والإسباني فقط، بل امتدت إلى دوائر سياسية وأمنية أوروبية أوسع، حيث أثارت الخطة الإسبانية مخاوف لدى عدة حكومات وأحزاب أوروبية ترى أن أي تسوية جماعية واسعة للمهاجرين قد تؤثر بشكل مباشر في سياسة الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي وفي حرية التنقل ضمن منطقة شنغن.

ففي ألمانيا، انتقد سياسيون من حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الخطوة الإسبانية، معتبرين أنها قد تزيد من “الهجرة الثانوية” داخل الاتحاد الأوروبي، أي انتقال المهاجرين الحاصلين على إقامات قانونية في دولة أوروبية إلى دول أخرى بحثاً عن فرص عمل ومزايا اجتماعية كبرى، ونقلت صحيفة فيلت الألمانية عن نواب بالحزب قولهم إن سياسة التسويات الجماعية ترسل إشارات خاطئة لشبكات الهجرة غير النظامية، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها ألمانيا في ملف اللجوء والهجرة منذ سنوات.

وفي إيطاليا التي تتبنى حكومة جورجيا ميلوني فيها سياسة متشددة تجاه الهجرة، أبدت شخصيات سياسية يمينية تحفظات على القرار الإسباني، معتبرة أن التسويات الواسعة قد تضعف جهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تشديد الرقابة الحدودية وتقليل تدفقات المهاجرين عبر المتوسط، وأشارت صحيفة “إل جورنالي” الإيطالية إلى أن مسؤولين مقربين من الحكومة الإيطالية يرون أن الحل يجب أن يركز على “حماية الحدود الأوروبية” بدلاً من تقنين أوضاع الوافدين بعد وصولهم.

كما أبدى بعض المسؤولين في دول شرق أوروبا، خاصة في المجر وبولندا، اعتراضات غير مباشرة على السياسة الإسبانية، وأكد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أوروبية أن أوروبا تحتاج إلى وقف الهجرة غير القانونية وليس شرعنتها، في موقف ينسجم مع السياسة المجرية الرافضة لخطط توزيع اللاجئين أو التوسع في برامج الإدماج.

وعلى مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لم تعلن المفوضية الأوروبية معارضة رسمية للخطة الإسبانية، لكنها شددت، بحسب تصريحات نقلتها وكالة “يورونيوز”، على ضرورة أن تتوافق أي سياسات وطنية للهجرة مع الإطار الأوروبي المشترك للهجرة واللجوء، في إشارة إلى مخاوف من أن تؤدي السياسات الفردية المتباينة إلى زيادة الانقسامات داخل الاتحاد.

في المقابل، دعمت منظمات أوروبية معنية بحقوق الإنسان والمهاجرين التوجه الإسباني، معتبرة أن برامج التسوية ليست جديدة في أوروبا، حيث سبق لإيطاليا والبرتغال وفرنسا تنفيذ إجراءات مشابهة بدرجات مختلفة خلال العقود الماضية، وأكد المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين أن إدماج المهاجرين الموجودين فعلياً داخل المجتمعات الأوروبية يسهم في تقليل الاستغلال الاقتصادي ويعزز الاستقرار الاجتماعي.

ودافعت أطراف سياسية أوروبية ومنظمات مجتمع مدني عن الخطوة الإسبانية، معتبرة أنها تعكس تحولاً أكثر واقعية في إدارة ملف الهجرة داخل أوروبا، وأشارت تقارير صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن قطاعات اقتصادية وشركات إسبانية وكنائس ومنظمات حقوقية دعمت القرار بسبب حاجة الاقتصاد الإسباني إلى اليد العاملة، خاصة مع إسهام الهجرة في دعم النمو الاقتصادي الإسباني الذي بلغ نحو 2.8 في المئة خلال عام 2025.

كما أوضحت تقارير “برشلونة ميتروبوليتان” أن المبادرة الإسبانية جاءت بعد حملة شعبية جمعت أكثر من 700 ألف توقيع دعماً لتسوية أوضاع المهاجرين، في حين أيد البرلمان الإسباني مناقشة المشروع بأغلبية واسعة بلغت 310 أصوات مقابل 33 صوتاً فقط، ما يعكس وجود دعم سياسي واجتماعي معتبر داخل إسبانيا رغم تصاعد المعارضة اليمينية.

ويعكس هذا الجدل اتساع الانقسام الأوروبي حول ملف الهجرة بين تيارات تدفع نحو الإدماج القانوني للمهاجرين باعتباره ضرورة اقتصادية واجتماعية، وتيارات يمينية تعد أي تسوية واسعة قد تؤدي إلى زيادة الضغوط على الحدود الأوروبية وتعزز صعود الهجرة غير النظامية، في وقت ما يزال فيه الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن التوصل إلى سياسة موحدة ومتوازنة للهجرة واللجوء.

البعد الأوروبي والسياسات المتباينة

تأتي الخطة الإسبانية في سياق أوروبي متباين، حيث تتبنى دول مثل ألمانيا سياسات إدماج انتقائية مرتبطة بسوق العمل، في حين تميل دول أخرى مثل فرنسا وإيطاليا إلى تشديد إجراءات الهجرة والحدود.

وتشير بيانات وكالة فرونتكس الأوروبية إلى أن قضايا الهجرة غير النظامية ما تزال تمثل تحدياً مستمراً للاتحاد الأوروبي، مع تسجيل مئات الآلاف من حالات الدخول غير النظامي أو الإقامة غير القانونية سنوياً داخل دول الاتحاد.

ويعكس هذا التباين غياب سياسة موحدة للهجرة داخل أوروبا، ما يجعل كل دولة تتعامل مع الملف وفق أولوياتها الاقتصادية والسياسية والديموغرافية.

يذكر أن إسبانيا تعد إحدى أبرز نقاط الدخول للمهاجرين نحو أوروبا، خصوصاً عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي باتجاه جزر الكناري، وقد شهدت البلاد خلال العقدين الأخيرين موجات متكررة من الهجرة غير النظامية، دفعت الحكومات المتعاقبة إلى تبني برامج تسوية سابقة، كان أبرزها في عام 2005 عندما تم منح مئات الآلاف من تصاريح الإقامة والعمل.

وتشير تقارير الاتحاد الأوروبي إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين المقيمين داخل دول الاتحاد يقدر بمئات الآلاف، مع تفاوت كبير في أساليب التعامل معهم بين دول تشدد الرقابة الحدودية ودول تعتمد سياسات الإدماج والتسوية.

وفي هذا السياق، تمثل الخطة الإسبانية الحالية اختباراً جديداً للتوازن بين الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية والسياسية داخل أوروبا، في وقت تتزايد فيه الضغوط الناتجة عن التغيرات الديموغرافية واحتياجات سوق العمل، مقابل تصاعد الجدل حول حدود سياسات الهجرة ومستقبلها في القارة الأوروبية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية