منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حياة لا يعيدها القضاء.. ضمانات المحاكمة العادلة في أحكام الإعدام بالعراق

11 سبتمبر 2026
حياة لا يعيدها القضاء.. ضمانات المحاكمة العادلة في أحكام الإعدام بالعراق
حياة لا يعيدها القضاء.. ضمانات المحاكمة العادلة في أحكام الإعدام بالعراق

لم يكن أحمد نظمي يتخيل أن خلافاً عائلياً يمكن -وفق روايته- أن يضع حياته كلها أمام حكم بالموت، كان الشاب العراقي في الثلاثين من عمره عندما روى، والدموع تختلط بكلماته، كيف اتهمه أحد جيرانه بالانتماء إلى تنظيم “داعش” الإرهابي، بعدما رفض زواجه من إحدى شقيقاته، بحسب قصة نشرها موقع الأمم المتحدة.

يقول أحمد إن وشاية الجار كانت بداية القضية التي انتهت بحكم الإعدام، ولا تكشف روايته وحدها الأدلة التي بنت عليها المحكمة إدانته، لكنها تضع وجهاً إنسانياً أمام سؤال يصعب فصله عن هذه العقوبة: ماذا لو اكتُشف الخطأ بعدما أصبح إصلاحه مستحيلاً؟

 

في العراق يتجاوز السؤال حالة أحمد، فقد كشف رئيس الجمهورية نزار آميدي في أغسطس/ آب 2026 عن أكثر من 14 ألف حكم بالإعدام متراكم، معلناً تشكيل لجنة لبحث الملف وعرض تقرير بشأنه على اجتماع الرئاسات الثلاث، وقال إن القضية “وطنية ودستورية” وليست ملف طائفة أو قومية معينة.

14 ألف حكم بالاحكام في العراق

 

ولا ينحصر الجدل الحقوقي في مبدأ عقوبة الإعدام، بل يمتد إلى الطريق الذي يقود إليها؛ الاعتقال والتحقيق ومشروعية الاعترافات والأدلة وحق الدفاع، وصولاً إلى المراجعة القضائية، فكلما أصبحت العقوبة غير قابلة للتراجع، ارتفعت كلفة أي خلل لم يكتشف في الوقت المناسب.

وتتجاوز المخاوف الحقوقية مبدأ عقوبة الإعدام إلى سلامة الطريق الذي يقود إليها، فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية حقوق الإنسان في مراقبتهما لمحاكمات متهمين بجرائم مرتبطة بتنظيم “داعش” مشكلات شملت ضعف التمثيل القانوني ومحدودية القدرة على عرض الأدلة أو الطعن فيها، إلى جانب الإفراط في الاعتماد على الاعترافات وتكرار ادعاءات انتزاعها بالتعذيب دون التعامل معها بصورة كافية، كما وثقت “هيومن رايتس ووتش” حالات قالت إن المحاكم اعتمدت فيها على اعترافات غير معززة، أو لم تحقق بصورة كافية في ادعاءات التعذيب.

 

ضمانات قبل الوصول إلى حبل المشنقة

يقول القاضي أحمد هادي المنصوري، رئيس محكمة استئناف كربلاء، لـ”صفر” :”إن أحكام الإعدام لا تصبح نافذة بمجرد صدورها عن محكمة الجنايات، وإنما تمر بمراحل من التدقيق والمراجعة للتحقق من سلامة الحكم وتطبيق القانون قبل الوصول إلى التنفيذ”.

ويوضح أن هذه الأحكام تخضع للتدقيق التمييزي إلزامياً حتى إذا لم يقدم المحكوم عليه طعناً، بالنظر إلى خطورة العقوبة وآثارها التي لا يمكن تداركها، كما تبدأ ضمانات المحاكمة منذ التحقيق عبر الإشراف القضائي وحضور الادعاء العام وحق المتهم في الدفاع والاستعانة بمحامٍ.

قبل تنفيذ الحكم .. طريق طويل يجب أن تحرسه العدالة

ويشير المنصوري إلى أن محكمة التمييز الاتحادية تملك صلاحية تصديق الحكم أو نقضه في ضوء أوراق الدعوى والأدلة والإجراءات، معتبراً تعدد مستويات المراجعة ضمانة أساسية للحد من احتمالات الخطأ القضائي.

 

العدالة تبدأ قبل الحكم

الحقوقي العراقي المعني بالحريات المدنية الدكتور سعد سلوم يضع المسألة في مرحلة أسبق، مميزاً بين سلامة إجراءات تنفيذ الحكم وسلامة المسار الذي أنتجه.

ويقول سلوم لـ”صفر” إن حكم الإعدام يخضع، وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، للطعن التمييزي تلقائياً، وبعد تصديق محكمة التمييز ترسل أوراق الدعوى لاستحصال المرسوم الجمهوري، ولا يجوز تنفيذ الحكم قبل استكمال الإجراءات القانونية.

ما الذي يراجعه القضاء

ويشدد سلوم على أن احتفاظ العراق بعقوبة الإعدام وصدور حكم بها لا يعنيان تلقائياً أن المحاكمة كانت غير عادلة، لكن المعايير الدولية تقتضي في القضايا التي تنتهي بالموت أعلى مستويات ضمانات المحاكمة العادلة.

وقد تكون إجراءات التنفيذ، بحسب سلوم، مستوفية للشروط الشكلية، في حين يكون الخلل قد وقع قبل ذلك أثناء الاعتقال أو التحقيق أو انتزاع الاعتراف أو بناء ملف الدعوى، مختصراً المسألة بالقول: “هذا هو الفارق بين سلامة إجراءات التنفيذ وسلامة العدالة التي أفضت إلى صدور الحكم”.

 

قانون يعيد فتح أبواب أغلقتها الأحكام

وتزداد أهمية هذا السؤال مع تعديل قانون العفو العام عام 2025 الذي أتاح للمحكوم عليهم بجناية أو جنحة، ومنهم مرتكبو الجرائم المستثناة من العفو، طلب تدقيق الحكم وإعادة المحاكمة إذا ادعى انتزاع اعترافه بالإكراه.

كما تناول القانون الحالات التي اتخذت فيها الإجراءات بناءً على أقوال مخبر سري أو اعتراف متهم آخر، وأتاح إعادة التحقيق والمحاكمة وتدقيق الأحكام والقرارات، وهي آلية تمنح بعض الملفات التي اكتسبت أحكامها الدرجة القطعية فرصة جديدة للمراجعة، ويؤكد نص المادة التاسعة هذه الحالات صراحة.

متى يمكن إعادة فتح قضية بعد صدور الحكم؟

وبحسب سلوم، أدى تطبيق القانون إلى مراجعة عدد كبير من الملفات ووقف تنفيذ أحكام إعدام في بعض الحالات، وهو ما يجعل مراجعة الأدلة والاعترافات جزءاً من النقاش القانوني العراقي نفسه، لا مطلباً حقوقياً خارجياً فقط.

 

بين حق الضحايا وحق المتهم

ولا تجري هذه المراجعات في فراغ، فجزء من أحكام الإعدام يتعلق بجرائم إرهابية وجرائم خلفت ضحايا وعائلات تطالب بتنفيذ الأحكام، وقد أكد رئيس الجمهورية نفسه أن لضحايا الإرهاب حقوقاً قانونية، وفي المقابل ظهرت خلال الأيام الأخيرة مطالبات برلمانية بتسريع تنفيذ أحكام الإعدام بحق مدانين بالإرهاب.

ولا يلغي حق الضحايا في العدالة حق المتهم في محاكمة عادلة، كما لا تجعل ضمانات المحاكمة الجريمة أقل خطورة، بل تصبح دقة التحقيق ومشروعية الأدلة وحق الدفاع أكثر أهمية عندما تكون العقوبة النهائية سلب الحياة.

حكم لا يمنح العدالة فرصة ثانية

بين قصة أحمد نظمي وآلاف أحكام الإعدام التي تنتظر استكمال مساراتها، لا يقف السؤال عند عدد درجات التقاضي التي عبرها الحكم، بل يصل إلى ما سبقها، من جمع الأدلة، وفي أي ظروف أخذ الاعتراف، وهل تمكن المتهم من الدفاع عن نفسه، وهل خضعت الشكوك للمراجعة قبل أن يصبح الحكم نهائياً؟

يضع القضاء العراقي سلسلة من الضمانات والمراجعات لتقليل احتمالات الخطأ، في حين فتح القانون نفسه باب إعادة النظر في قضايا ارتبطت بادعاءات الإكراه أو المخبر السري أو اعتراف متهم آخر، وبين المسارين تظهر قيمة الضمانة الحقوقية الأساسية، على ألا تصبح سرعة الوصول إلى العقوبة أهم من اليقين بعدالة الطريق إليها.

فالسجن قد يفتح بابه لمن تثبت براءته بعد سنوات، والحكم قد تنقضه محكمة بعد اكتشاف خطأ، لكن حياة أخذها تنفيذ حكم بالإعدام لا يستطيع القضاء إعادتها؛ لهذا لا تقاس عدالة هذه العقوبة بلحظة تنفيذها وحدها، بل بكل خطوة سبقتها منذ أول اتهام حتى آخر باب للمراجعة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان