منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حماية المدنيين تحت نيران الحروب.. أوكرانيا تواجه اختبار القانون الدولي الإنساني

09 يوليو 2026
دعوات حقوقية لحماية المدنيين في أوكرانيا
دعوات حقوقية لحماية المدنيين في أوكرانيا

لم يعد تصاعد العمليات العسكرية في أوكرانيا يقاس فقط بحجم الأسلحة المستخدمة أو اتساع رقعة المواجهات، بل بقدرته على تعريض السكان المدنيين لمخاطر متزايدة تمس حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمن والحماية أثناء النزاعات المسلحة.

ومع اتساع استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، أصبحت المدن والمناطق السكنية أكثر عرضة للهجمات، ما يضع قواعد القانون الدولي الإنساني أمام اختبار متواصل.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الضحايا المدنيين، بالتزامن مع تزايد استهداف البنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية، الأمر الذي يعمق الأزمة الإنسانية ويزيد من الضغوط على الخدمات الأساسية، ويجعل حماية المدنيين إحدى أكثر القضايا الحقوقية إلحاحاً في النزاع الدائر.

أوكرانيا نموذج حقوقي

تشكل الحرب في أوكرانيا إحدى أبرز الساحات التي تختبر فيها قواعد القانون الدولي الإنساني بصورة يومية، نظرا لاستمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق، والاعتماد المتزايد على الأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان.

ولذلك، تعد الحالة الأوكرانية نموذجاً مهماً لتقييم مدى التزام أطراف النزاع بواجب حماية المدنيين، واحترام مبدأي التمييز والتناسب اللذين يشكلان أساس القانون الدولي الإنساني.

وأظهرت بيانات بعثة الأمم المتحدة لرصد حقوق الإنسان في أوكرانيا أن شهر يوليو 2025 سجل 1674 ضحية مدنية، بينهم 286 قتيلاً و1388 مصاباً، بزيادة بلغت 22.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وهو أعلى عدد شهري للضحايا المدنيين منذ مايو 2022.

وأوضحت البعثة أن نحو 40% من الضحايا سقطوا نتيجة الهجمات بعيدة المدى باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مراكز حضرية مثل كييف ودنيبرو وخاركيف، في حين شكلت المسيّرات قصيرة المدى أحد أبرز أسباب الإصابات والوفيات في المناطق القريبة من خطوط القتال.

القانون الدولي الإنساني

يلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالسكان المدنيين أو الحد منه إلى أدنى مستوى ممكن.

غير أن بعثة الأمم المتحدة لرصد حقوق الإنسان في أوكرانيا أفادت بأن 98% من الضحايا المدنيين خلال شهر يوليو 2025 سجلوا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية نتيجة الهجمات الروسية، وهو ما يعكس استمرار تعرض التجمعات السكانية والمرافق المدنية لمخاطر مباشرة، ويثير تساؤلات متجددة بشأن مدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

ولا تقتصر آثار التصعيد العسكري على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى تعطيل الخدمات الأساسية وتوسيع الاحتياجات الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد.

وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار استهداف البنية التحتية للطاقة والمياه والمرافق المدنية ينعكس مباشرة على قدرة السكان في الحصول على الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، في وقت تواجه فيه خطط الاستجابة الإنسانية نقصاً متزايداً في التمويل، ما يهدد بتراجع مستوى الدعم المقدم للفئات الأكثر هشاشة.

صعوبة حماية المدنيين

يرى الخبير الاستراتيجي في الشؤون الأمنية والسياسية محسن الشوبكي، أن التصعيد العسكري الأخير في أوكرانيا يعكس تحولاً في طبيعة النزاعات الحديثة، حيث لم تعد آثار العمليات العسكرية تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت بصورة متزايدة إلى البيئات المدنية والمراكز الحضرية.

ويؤكد الشوبكي، في حديثه لـ”صفر”، أن الاعتماد المكثف على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة جعل حماية المدنيين أكثر تعقيداً؛ نظراً لقدرة هذه الأسلحة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، وهو ما يزيد احتمالات إصابة السكان المدنيين وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الحيوية.

ويضيف أن استمرار استهداف شبكات الطاقة والمياه والمنشآت الخدمية لا ينعكس فقط على سير العمليات العسكرية، بل يؤثر بصورة مباشرة في قدرة السكان على الحصول على الخدمات الأساسية، ويضاعف الاحتياجات الإنسانية، خصوصاً خلال فترات الشتاء.

فجوة بين القانون والواقع

ويشير الشوبكي إلى أن القانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة لحماية المدنيين، وفي مقدمتها مبدأ التمييز والتناسب، إلا أن التطورات الميدانية تكشف اتساع الفجوة بين هذه القواعد وبين واقع النزاعات المعاصرة.

ومع تصاعد استخدام الأسلحة بعيدة المدى، أصبحت المرافق المدنية وشبكات الخدمات العامة جزءاً من بيئة الصراع، سواء بصورة مباشرة أو نتيجة الآثار غير المباشرة للهجمات، الأمر الذي يفاقم معاناة المدنيين ويزيد من تعقيد جهود الإغاثة والاستجابة الإنسانية.

ويرى الشوبكي أن ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين لا يؤدي بالضرورة إلى دفع أطراف النزاع نحو التسوية السياسية، إذ تظهر تجارب النزاعات الدولية أن الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية كثيراً ما تطغى على الاعتبارات الإنسانية.

ويضيف أن مواقف القوى الدولية المؤثرة ترتبط في الغالب بحسابات الأمن والنفوذ والتوازنات الجيوسياسية، وهو ما يجعل استمرار الخسائر البشرية عاملاً يزيد من تعقيد المشهد السياسي، بدلاً من أن يشكل حافزاً كافياً لإنهاء القتال.

المدنيون يدفعون الكلفة الكبرى

في ظل استمرار العمليات العسكرية، يبقى المدنيون الحلقة الأكثر هشاشة في النزاع، سواء نتيجة الخسائر البشرية المباشرة، أو بسبب تضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية، وما يرافق ذلك من نزوح وتدهور في الظروف المعيشية.

وتحذر منظمات الأمم المتحدة من أن استمرار استهداف المناطق المأهولة بالسكان يوسع نطاق الاحتياجات الإنسانية، ويزيد من صعوبة وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفاً، ومنها الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

وتكشف التطورات الأخيرة في أوكرانيا أن حماية المدنيين لم تعد تحدياً إنسانياً فحسب، بل أصبحت اختباراً مستمراً لمدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة. فكلما اتسعت رقعة العمليات العسكرية وازدادت كثافة استخدام الأسلحة بعيدة المدى، ارتفعت المخاطر التي تهدد السكان المدنيين والمرافق المدنية، واتسعت آثار الحرب لتتجاوز ميادين القتال إلى الحياة اليومية لملايين الأشخاص.

وفي هذا السياق، تؤكد المعايير الدولية أن حماية المدنيين ليست التزاماً أخلاقياً فقط، بل واجب قانوني يقع على عاتق جميع أطراف النزاع، ويقتضي احترام مبدأي التمييز والتناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب استهداف المدنيين وتقليل الأضرار التي تلحق بهم وبالأعيان المدنية.

وتبرز أهمية تعزيز المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، باعتبارها أحد الضمانات الأساسية للحد من الإفلات من العقاب، وحماية حقوق الضحايا، وترسيخ احترام قواعد النزاعات المسلحة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print