شهدت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف نقاشات موسعة حول قضايا تتصدر أجندة حقوق الإنسان العالمية، وفي مقدمتها تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المساواة بين الجنسين وحقوق النساء والفتيات، إلى جانب التحديات المرتبطة باستقلال القضاء والمحامين باعتبارهما ركيزة أساسية لضمان سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.
وجاءت هذه المناقشات في ظل التوسع المتسارع للتقنيات الرقمية وتزايد المخاوف من التحيز الخوارزمي والمراقبة الرقمية، بالتوازي مع تنامي القلق الدولي إزاء الضغوط التي تواجه المؤسسات القضائية في عدد من الدول.
وعقد مجلس حقوق الإنسان جلسات حوار تفاعلي تناولت قضايا العنف الجنسي والمساواة بين الجنسين والذكاء الاصطناعي، فيما خُصص محور مستقل للحوار مع المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين بشأن واقع الأنظمة القضائية والمبادئ الدولية المنظمة للتعيينات القضائية.
وشهدت الجلسات مشاركة واسعة من الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني التي قدمت ملاحظاتها وتوصياتها بشأن القضايا المطروحة.
الذكاء الاصطناعي بين الفرص والتحديات
استحوذ الذكاء الاصطناعي على جانب مهم من النقاشات في ظل اتساع حضوره في مجالات الصحة والتعليم والقضاء وسوق العمل والخدمات العامة.
وأظهرت مداخلات الدول والمنظمات المشاركة وجود توافق واسع على أن هذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، الأمر الذي يتطلب إخضاعها لمبادئ حقوق الإنسان وضمانات الشفافية والمساءلة وعدم التمييز.
وأكد المشاركون أن التطور التكنولوجي لا يمكن فصله عن البيئة الاجتماعية والسياسية التي يجري فيها تطوير الأنظمة الرقمية واستخدامها، موضحين أن الخوارزميات تعتمد على البيانات المتاحة لها، وبالتالي قد تعيد إنتاج أوجه التمييز والتحيز القائمة إذا لم يتم تصميمها ومراقبتها وفق معايير حقوقية واضحة.
الصحة الإنجابية والذكاء الاصطناعي
وركز الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة على العلاقة المتنامية بين الذكاء الاصطناعي والصحة الجنسية والإنجابية، مشيداً بما ورد في التقرير المعروض أمام المجلس بشأن الإمكانات التي تتيحها التقنيات الحديثة لمعالجة بعض أوجه عدم المساواة التاريخية التي تواجه النساء والفتيات.
وأكد الاتحاد أن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يتم وفق نهج قائم على حقوق الإنسان ومراعٍ للمنظور النسوي، بما يضمن عدم تحول هذه التقنيات إلى أدوات لتكريس التمييز أو تقويض الحقوق الأساسية.
كما شدد على أهمية حماية البيانات الصحية والإنجابية الحساسة، محذراً من أن بعض التطبيقات الرقمية قد تتيح إمكانية تتبع النساء أو استخدام بياناتهن الصحية بطرق قد تؤثر على حقوقهن الإنجابية أو تنتهك خصوصيتهن.
وأشار الاتحاد إلى أن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في القطاع الصحي قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة إذا كانت البيانات المستخدمة في تدريب هذه الأنظمة لا تعكس بصورة كافية احتياجات النساء أو كانت متأثرة بتحيزات قائمة مسبقاً.
العنف الرقمي ضد النساء والفتيات
من جانبها، سلّطت منظمة “أكشن كندا” للصحة والحقوق الجنسية الضوء على الأبعاد السلبية للتقنيات الرقمية، مؤكدة أن النساء والفتيات يواجهن أشكالاً متزايدة من العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الفضاء الإلكتروني.
وأوضحت المنظمة أن التطورات التكنولوجية أسهمت في ظهور أنماط جديدة من الانتهاكات تشمل التنمر الإلكتروني والملاحقة الرقمية ونشر المعلومات الشخصية دون موافقة والعنف الجنسي الميسر بالتكنولوجيا، إضافة إلى حملات الكراهية والتحريض التي تستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات في المجال العام.
وأكدت المنظمة أن النساء المنتميات إلى الفئات المهمشة يواجهن مخاطر مضاعفة، خاصة العاملات في مجال الجنس والأشخاص من الأقليات الجنسية والجندرية، حيث تسهم المراقبة الرقمية والاستهداف الإلكتروني في زيادة تعرضهن للعنف والإقصاء الاجتماعي وتقليص فرص مشاركتهن في الحياة العامة.
التكنولوجيا في بيئات النزاع والاحتلال
وشهدت الجلسة مداخلة من ممثلة إحدى المنظمات الحقوقية الصحراوية التي تناولت تأثيرات الذكاء الاصطناعي في البيئات المتأثرة بالنزاعات أو الاحتلال، مؤكدة أن النساء الصحراويات يواصلن أداء دور بارز في الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير رغم التحديات المرتبطة بالمراقبة والتضييق والقيود المفروضة على الحريات الأساسية.
وأشارت المتحدثة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى وسائل أكثر فاعلية للمراقبة والتعقب إذا لم تخضع لضوابط قانونية وحقوقية واضحة، محذرة من إمكانية استخدامها لتقييد عمل المدافعات عن حقوق الإنسان أو الحد من نشاطهن في المجال العام.
وأكدت أن التكنولوجيا ليست محايدة دائماً، وأن استخدامها في سياقات النزاع والاحتلال قد يؤدي إلى تكريس أنماط جديدة من التمييز أو القمع إذا غابت الضمانات الكفيلة بحماية الحقوق الأساسية.
العدالة الانتقالية والعنف الجنسي
وفي سياق متصل، عرضت اللجنة الكولومبية للحقوقيين في بيانها داخل مجلس حقوق الإنسان التحديات التي تواجه النساء المتضررات من النزاع المسلح في كولومبيا، خاصة في ما يتعلق بحقوقهن في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
وأشارت اللجنة إلى استمرار وجود عقبات تحول دون مشاركة النساء بصورة كاملة في بعض الإجراءات المرتبطة بالتحقيق في جرائم العنف الجنسي، مؤكدة أن استبعاد الضحايا من هذه العمليات يضعف فرص تحقيق العدالة ويحد من فاعلية الجهود الرامية إلى معالجة الانتهاكات.
وشددت اللجنة على أن العنف الجنسي لا يزال من أكثر الجرائم التي تعاني من ضعف التوثيق والمساءلة، ما يتطلب تعزيز الآليات القضائية والمؤسسية القادرة على ضمان حقوق الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
دعوات لمساءلة شركات الذكاء الاصطناعي
وفي كلمته الختامية، أكد الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات كبيرة يمكن أن تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز المساواة، إلا أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب وجود أطر تنظيمية وقانونية واضحة.
ودعا الفريق إلى فرض متطلبات العناية الواجبة على الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي وإلزامها بإجراء تقييمات دورية لتأثير منتجاتها على حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، إضافة إلى وضع قواعد صارمة لتنظيم جمع البيانات واستخدامها ومنع استغلال البيانات الشخصية والحساسة لأغراض تجارية أو سياسية.
وأكد الفريق أن غياب الشفافية في تصميم الخوارزميات قد يؤدي إلى استمرار أوجه التحيز القائمة ضد النساء والفتيات، مشدداً على أهمية المراجعة المستمرة لهذه الأنظمة وقياس آثارها الاجتماعية والحقوقية.
استقلال القضاء تحت المجهر
وفي محور موازٍ، ناقش مجلس حقوق الإنسان أوضاع استقلال القضاء والمحامين من خلال حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، التي قدمت تقريرين رئيسيين تناول أولهما نتائج زيارتها الرسمية إلى غواتيمالا، بينما خصص الثاني لعرض المبادئ الدولية الخاصة بالتعيينات القضائية.
وأكدت المقررة الخاصة أن استقلال القضاء يمثل حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي، وأن المساس باستقلال المؤسسات القضائية ينعكس مباشرة على قدرة الأفراد على الوصول إلى العدالة والتمتع بحقوقهم الأساسية.
وأوضحت أن القضاء المستقل لا يقتصر دوره على الفصل في المنازعات، بل يشكل الضمانة الرئيسية لمكافحة الإفلات من العقاب وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وضمان خضوع السلطات كافة لسيادة القانون.
تحديات النظام القضائي في غواتيمالا
وفي ما يتعلق بغواتيمالا، أشارت المقررة الخاصة إلى وجود تحديات بنيوية تؤثر في عمل المنظومة القضائية، من بينها تداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع عمل المؤسسات القضائية، إضافة إلى استخدام بعض الإجراءات الجنائية كوسائل للضغط أو الترهيب ضد قضاة ومحامين ومدعين عامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
كما لفتت إلى الصعوبات التي تواجهها النساء والشعوب الأصلية في الوصول إلى العدالة، وإلى التأثيرات السلبية للملاحقات القضائية أو النفي الذي طال بعض العاملين في قطاع العدالة.
ورغم هذه التحديات، أكدت المقررة وجود فرص حقيقية للإصلاح استناداً إلى الإطار الدستوري والمؤسساتي القائم في البلاد، مشيرة إلى إمكانية البناء عليه لتعزيز استقلال القضاء وترسيخ الثقة في المؤسسات العدلية.
التعيينات القضائية بوابة الاستقلال
وخصص التقرير الثاني لعرض خمسة عشر مبدأً توجيهياً بشأن تعيين القضاة تم تطويرها من خلال مشاورات واسعة شارك فيها خبراء ومؤسسات قضائية من مختلف الأقاليم القانونية حول العالم.
وأكد التقرير أن التعيينات القضائية تمثل الخطوة الأولى لبناء سلطة قضائية مستقلة، وأن أي خلل في هذه المرحلة قد ينعكس على عمل المؤسسة القضائية بأكملها.
وشددت المبادئ على ضرورة توافر شروط مؤسسية تضمن استقلال عملية التعيين وحمايتها من التدخلات السياسية أو الشخصية، واعتماد معايير موضوعية تستند إلى الجدارة والكفاءة والنزاهة والخبرة المهنية، إلى جانب ضمان شفافية الإجراءات وإتاحة المعلومات المتعلقة بمراحل الاختيار بما يعزز ثقة المجتمع في المؤسسات القضائية.
كما أكدت المبادئ أهمية تعزيز التنوع والتمثيل العادل داخل السلطة القضائية بما يعكس مختلف مكونات المجتمع.
غواتيمالا تدافع عن مسار الإصلاح
ورحّبت حكومة غواتيمالا بالتقرير والتوصيات الواردة فيه، مؤكدة التزامها بتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء.
وأشار الوفد الحكومي إلى عدد من الإصلاحات التي جرى تنفيذها خلال الفترة الأخيرة، من بينها تعيين مسؤولين قضائيين جدد واعتماد سياسة وطنية لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان للفترة الممتدة بين عامي 2025 و2035.
وأكدت الحكومة أن التعاون مع آليات الأمم المتحدة يمثل أداة مهمة لتعزيز المؤسسات الوطنية وتحسين أدائها وتطوير منظومة العدالة.
توافق دولي حول استقلال القضاء
وأظهرت المناقشات وجود توافق واسع بين الدول والمنظمات الدولية حول أهمية استقلال القضاء باعتباره أحد الشروط الأساسية لحماية حقوق الإنسان.
وأكدت دول الاتحاد الأوروبي أن التعيينات القضائية القائمة على الجدارة والشفافية تشكل ضمانة رئيسية لاستقلال السلطة القضائية، فيما شددت دول الشمال والبلطيق على أهمية وجود مؤسسات مستقلة تتولى إدارة عمليات الاختيار والتعيين.
كما أكدت المجموعة الإفريقية أن استقلال القضاء شرط أساسي لتحقيق العدالة وحماية الحقوق، محذرة من أن التعيينات غير المستقلة قد تؤدي إلى تقويض الثقة العامة بالمؤسسات القضائية.
وعرضت دول عدة، من بينها مصر والعراق والجزائر والهند وماليزيا وبوتسوانا وموريشيوس وتونس، تجاربها الوطنية في مجال إصلاح القضاء، مؤكدة اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والجدارة في اختيار القضاة مع مراعاة الخصوصيات الدستورية والقانونية لكل دولة.
القضاء في مناطق النزاعات
كما شهدت الجلسة مداخلات تناولت أوضاع القضاء في البيئات المتأثرة بالنزاعات المسلحة والاحتلال.
فقد أشارت أوكرانيا إلى الضغوط التي يتعرض لها القضاة والعاملون في قطاع العدالة في المناطق الواقعة تحت الاحتلال الروسي، بينما تناولت فلسطين آثار تدمير البنية القضائية واستهداف العاملين في قطاع العدالة خلال الحرب على قطاع غزة.
كما عرضت أفغانستان التحديات المرتبطة باستقلال القضاء في ظل حكم حركة طالبان، مشيرة إلى القيود المفروضة على المحامين والمحاميات وتراجع الضمانات القانونية والمؤسسية اللازمة لحماية استقلال المهنة القضائية.
المساواة بين الجنسين داخل المؤسسات القضائية
وأولت هيئة الأمم المتحدة للمرأة اهتماماً خاصاً لمسألة تمثيل النساء داخل الأنظمة القضائية، مؤكدة أن تعزيز مشاركة النساء في القضاء لا يسهم فقط في تحقيق المساواة، بل ينعكس أيضاً على جودة العدالة وفعاليتها واستجابتها لاحتياجات المجتمع.
وأشارت الهيئة إلى استمرار وجود فجوات في تمثيل النساء في المناصب القضائية العليا ومواقع صنع القرار القانوني، داعية إلى اعتماد سياسات تضمن تكافؤ الفرص وإزالة العقبات التي تحد من التقدم المهني للنساء داخل المؤسسات القضائية.
تحديات مترابطة في عالم متغير
وكشفت المناقشات التي شهدتها الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان أن الذكاء الاصطناعي واستقلال القضاء لم يعودا ملفين منفصلين، بل باتا يمثلان وجهين لتحدٍ واحد يتعلق بكيفية حماية حقوق الإنسان في عصر التحولات التكنولوجية والسياسية المتسارعة.
فمع اتجاه عدد متزايد من المؤسسات إلى استخدام الأنظمة الرقمية والخوارزميات في اتخاذ القرارات وإدارة البيانات، تتزايد الحاجة إلى مؤسسات قضائية مستقلة وقادرة على مراقبة هذه التحولات وضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى أداة للتمييز أو انتهاك الحقوق.
وتعكس هذه النقاشات اتجاهاً متنامياً داخل الأمم المتحدة نحو التعامل مع التحديات الناشئة الناتجة عن الثورة الرقمية بالتوازي مع التحديات التقليدية المرتبطة بسيادة القانون واستقلال المؤسسات.
وبينما تتسارع وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي عالمياً وتتزايد الضغوط على الأنظمة القضائية في عدد من الدول، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى أطر قانونية ومؤسسية تضمن أن يبقى احترام حقوق الإنسان المعيار الحاكم للتطور التكنولوجي والإصلاح القضائي على حد سواء.
