دخلت أوروبا صيفا جديدا تحت ضغط مناخي غير مسبوق، حيث تتقاطع موجات الحر القياسية مع تراجع الرطوبة في التربة والأنهار والبحيرات، لتتحول موجات الجفاف إلى أزمة تتجاوز نقص الأمطار وتمس الأمن المائي والغذائي والصحي لملايين السكان، وتؤكد بيانات المؤسسات الأوروبية والأممية أن القارة تواجه نمطا متكررا من الجفاف الشديد، تغذيه درجات الحرارة المرتفعة الناتجة عن تغير المناخ.
وأفادت وكالة فرانس برس، نقلا عن دراسة حديثة أعدتها مجموعة وورلد ويذر أتريبيوشن ونشرتها في يوليو 2026، أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري فاقم موجة الجفاف الحالية في أوروبا، لأن الحرارة القياسية سرّعت تبخر المياه من التربة والأنهار والبحيرات، وأوضحت الدراسة أن نقص الأمطار خلال الربيع أسهم في الأزمة، لكن ارتفاع درجات الحرارة جعل آثار الجفاف أكثر حدة واتساعا.
أوروبا تسجل مستويات حرارة قياسية
أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، استنادا إلى بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ، أن يونيو 2026 كان الأكثر حرارة على الإطلاق في أوروبا الغربية.
وسجل متوسط الحرارة في المنطقة 20.74 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 3.06 درجات مئوية من متوسط الفترة المرجعية 1991-2020، متجاوزا الرقم القياسي السابق المسجل في يونيو 2025.
وأوضحت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير حالة المناخ الأوروبي لعام 2025 أن أوروبا تعد القارة الأسرع احترارا على سطح الأرض، وأن 95 في المئة من أراضيها شهدت درجات حرارة أعلى من المعدل السنوي خلال عام 2025.
كما أشار التقرير إلى أن موجات الحر امتدت من منطقة البحر المتوسط إلى الدائرة القطبية الشمالية، وترافقت مع فترات جفاف واسعة النطاق.
الحرارة لا الأمطار فقط
أظهرت دراسة مجموعة وورلد ويذر أتريبيوشن أن الآلية الجديدة للجفاف في أوروبا ترتبط بزيادة قدرة الغلاف الجوي الدافئ على امتصاص الرطوبة من التربة والنباتات.
وذكرت الدراسة أن احتمال حدوث جفاف شديد في التربة الزراعية أصبح أعلى بخمس مرات في أوروبا الغربية، وأعلى بإحدى عشرة مرة في أوروبا الشرقية مقارنة بعالم خال من تغير المناخ.
وأضافت الدراسة أن احتمال تسجيل مستويات مرتفعة جدا من الطلب البخاري، أي قدرة الهواء على سحب الرطوبة من التربة والنباتات، أصبح أعلى بنحو 80 مرة في أوروبا الغربية، ونحو 40 مرة في أوروبا الشرقية، وأكد الباحثون أن ارتفاع حرارة الأرض بنحو 1.4 درجة مئوية منذ ما قبل الثورة الصناعية جعل الغلاف الجوي أكثر عطشا للمياه.
أزمة مياه تتسع
أشارت الوكالة الفرنسية إلى أن دولاً عدة من فرنسا إلى رومانيا تواجه انخفاضا في مستويات الأنهار، وقيودا على استهلاك المياه، وتراجعا في الموارد المائية المتاحة للزراعة والصناعة، كما أعلنت سلطات محلية في بعض المناطق إجراءات طارئة لتنظيم استخدام المياه مع استمرار الجفاف خلال أشهر الصيف.
وأوضح مرصد كوبرنيكوس الأوروبي أن الحرارة المرتفعة بعد شتاء كان رطبا نسبيا في بعض المناطق أدت إلى جفاف سريع للتربة خلال فترة قصيرة، ما جعل الأراضي الزراعية أكثر هشاشة أمام موجات الحر اللاحقة.
خسائر زراعية وأمن غذائي
ذكرت صحيفة الغارديان، استنادا إلى تقديرات قطاعية أوروبية نشرت في يوليو 2026، أن موجة الحر والجفاف تسببت في خسائر زراعية تقدر بنحو ملياري يورو، وأدت إلى تضرر نحو 9 ملايين طن من المحاصيل، وأشارت التقديرات إلى أن موسم الحصاد في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يعد من أضعف المواسم منذ عام 2018.
وأضافت الصحيفة أن فرنسا فقدت نحو 3.4 مليون طن من الذرة، بقيمة تقدر بنحو 891 مليون يورو، بينما تأثرت محاصيل القمح والذرة في إسبانيا والمجر ودول أخرى خلال مراحل نمو حساسة بسبب نقص الرطوبة وارتفاع درجات الحرارة.
وفي السياق نفسه، حذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من أن تكرار موجات الجفاف والحر الشديد يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، ويزيد الضغوط على أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة المروية.
الحرائق تتوسع
أفادت صحيفة الغارديان بأن إسبانيا سجلت 22 حريقا كبيرا خلال عام 2026 حتى أواخر يوليو، أي أربعة أضعاف العدد المسجل في الفترة نفسها من العام السابق. كما شهدت صقلية ومناطق في فرنسا واليونان وإيطاليا حرائق واسعة النطاق دفعت السلطات إلى إجلاء سكان من بعض القرى والمناطق السكنية.
وأوضحت التقارير أن الجفاف السريع للتربة والنباتات وفر ظروفا مواتية لانتشار الحرائق، في وقت تواجه فيه فرق الإطفاء مواسم أطول وأكثر خطورة من المعتاد.
الوفيات والعبء الصحي
أعلنت وكالة الصحة العامة الفرنسية أن موجة الحر التي ضربت فرنسا بين 17 يونيو و2 يوليو 2026 ارتبطت بتسجيل 5764 وفاة إضافية مقارنة بالمعدل المتوقع. وذكرت الوكالة أن منطقة باريس كانت من أكثر المناطق تضررا، مع تسجيل 1999 وفاة إضافية.
كما أفادت كلٌ من وكالة أسوشيتد برس ووكالة رويترز، استنادا إلى بيانات شبكة يورومومو الأوروبية لرصد الوفيات، بأن موجة الحر في أواخر يونيو 2026 تسببت في أكثر من 10 آلاف وفاة إضافية في أوروبا، وكان أكثر من 9 آلاف من الضحايا من الأشخاص الذين تجاوزوا 65 عاما.
وأوضحت وكالة البيئة الأوروبية أن الحرارة مسؤولة عن نحو 95 في المئة من الوفيات المرتبطة بالمخاطر المناخية في أوروبا، وأن القارة سجلت نحو 70 ألف وفاة مرتبطة بالحر خلال عام 2022، ما يعكس حجم التهديد الصحي المتزايد مع تكرار موجات الحر والجفاف.
تداعيات إنسانية متشابكة
أكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن موجات الحر والجفاف تؤثر بصورة غير متساوية على السكان، حيث يواجه كبار السن والأطفال والعمال في الهواء الطلق والأسر منخفضة الدخل مخاطر أكبر، كما تزيد القيود على المياه وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة من الضغوط على الأسر في المناطق المتضررة.
وأشارت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن الحق في المياه والحق في الغذاء والحق في الصحة ترتبط جميعها بتأثيرات تغير المناخ، وأن الدول مطالبة باتخاذ تدابير فعالة لحماية الفئات الأكثر هشاشة من آثار الجفاف والحر الشديد.
مواقف أممية وحقوقية
دعت منظمة الأمم المتحدة إلى تعزيز خطط التكيف مع تغير المناخ، وتحسين إدارة الموارد المائية، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، كما شددت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على أن موجات الحر والجفاف لم تعد أحداثا استثنائية، بل أصبحت أكثر تكرارا وشدة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وطالبت منظمات بيئية وحقوقية أوروبية الحكومات والاتحاد الأوروبي بتسريع إجراءات خفض الانبعاثات، وتطوير سياسات عادلة لتوزيع المياه، وضمان عدم تحول أزمة المناخ إلى أزمة اجتماعية تمس الفئات الأضعف.
شهدت أوروبا خلال العقدين الماضيين عددا من موجات الجفاف والحر الشديد، أبرزها موجة عام 2003 التي تسببت في عشرات الآلاف من الوفيات، وموجة عام 2022 التي أثرت على مساحات واسعة من القارة، وتظهر تقارير كوبرنيكوس والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تكرار هذه الظواهر وشدتها ازدادا مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن الجفاف الأوروبي لم يعد يرتبط فقط بتراجع الأمطار، بل أصبح نتيجة تفاعل بين نقص الهطول وارتفاع الحرارة وزيادة التبخر، ومع استمرار هذا الاتجاه، تواجه أوروبا تحديا متزايدا في حماية مواردها المائية، وضمان الأمن الغذائي، وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية المرتبطة بتغير المناخ.
