منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين ذاكرة النازية ومخاوف الحروب.. التجنيد الإجباري يعود إلى ألمانيا ويفجر انقساماً داخلياً

14 مايو 2026
جنود في الجيش الألماني
جنود في الجيش الألماني

لم تعد ألمانيا تنظر إلى الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط باعتبارها أزمات بعيدة جغرافياً عن أوروبا، بل باتت برلين تتعامل معها باعتبارها تهديداً مباشراً للاستقرار والأمن الأوروبي، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع دائرة النزاعات المسلحة عالمياً وتزايد احتمالات الانفجار الإقليمي والدولي، وهذا التحول دفع الحكومة الألمانية إلى تبني واحدة من أكثر السياسات حساسية منذ عقود، عبر إعادة بناء الجيش الألماني وطرح العودة التدريجية إلى التجنيد الإجباري بعد أكثر من 14 عاماً على تعليقه.

توسيع القدرات العسكرية

الحكومة الألمانية أعلنت في نهاية عام 2025 خطة واسعة لتوسيع القدرات العسكرية ورفع جاهزية الجيش، مؤكدة أن البيئة الأمنية الدولية تغيرت بصورة جذرية بعد الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد العسكري المستمر في الشرق الأوسط، خاصة الحرب في غزة والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران والبحر الأحمر، وذكرت الحكومة الاتحادية الألمانية أن قانون الخدمة العسكرية الجديد سيدخل حيز التنفيذ خلال عام 2026 بهدف زيادة أعداد الجنود وتعزيز قوات الاحتياط.

وتشير بيانات وزارة الدفاع الألمانية إلى أن الجيش الألماني يعاني نقصاً واضحاً في الأفراد، إذ تراجع عدد الجنود خلال السنوات الماضية إلى نحو 184 ألف جندي فقط، في حين تستهدف برلين رفع العدد إلى أكثر من 260 ألف جندي بحلول عام 2035، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات الاحتياط، تنفيذاً للالتزامات العسكرية الجديدة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، كما أقرت ألمانيا ميزانية دفاعية قياسية لعام 2026 تجاوزت 108 مليارات يورو، في أكبر زيادة عسكرية تشهدها البلاد منذ الحرب الباردة.

وتنص الخطة الجديدة على إلزام الشباب الذكور في سن الثامنة عشرة بملء استبيانات تتعلق بالجاهزية العسكرية واللياقة الصحية، تمهيداً لتوسيع برامج الخدمة العسكرية الطوعية، مع إمكانية الانتقال لاحقاً إلى التجنيد الإجباري الكامل إذا لم تحقق برامج التطوع الأهداف المطلوبة.

تداعيات الحروب

وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أكد أمام البرلمان الألماني أن بلاده تواجه واقعاً أمنياً جديداً يتطلب تعزيز قدرات الجيش بصورة عاجلة، مضيفاً أن ألمانيا لم تعد قادرة على الاكتفاء بسياسات الدفاع التقليدية في ظل التوترات العالمية المتصاعدة.

وتزامن هذا التحول العسكري مع تصاعد المخاوف الأوروبية من تداعيات الحروب الممتدة في الشرق الأوسط، سواء من حيث اضطراب أسواق الطاقة أو توسع موجات اللجوء أو احتمالات التصعيد العسكري الإقليمي، ولهذا ربطت الحكومة الألمانية بين تعزيز القدرات الدفاعية وبين ما وصفته بـ”مرحلة عدم اليقين الأمني” التي تواجه أوروبا.

جدل داخل المجتمع الألماني

فجّر التوجه الألماني الجديد نحو إعادة بناء الجيش وتوسيع برامج الخدمة العسكرية موجة واسعة من الجدل والانقسام داخل المجتمع الألماني، خاصة بسبب الحساسية التاريخية المرتبطة بالعسكرة وإرث الحرب العالمية الثانية، فقد علّقت ألمانيا العمل بالتجنيد الإجباري عام 2011 بعد عقود طويلة من اعتباره جزءاً من ترتيبات الحرب الباردة، في حين ظل الرأي العام الألماني يتعامل بحذر شديد مع أي توسع عسكري أو محاولات لإعادة الخدمة الإلزامية.

ومع بدء الحكومة الألمانية تطبيق قانون تحديث الخدمة العسكرية مطلع عام 2026، تصاعدت الاحتجاجات الطلابية والشبابية في عدد كبير من المدن الألمانية رفضاً لما اعتبره المحتجون عودة تدريجية للتجنيد الإجباري، وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن أكثر من 50 ألف طالب وطالبة شاركوا في إضرابات مدرسية وجامعية في مايو 2026 داخل عشرات المدن الألمانية، احتجاجاً على خطط إعادة التسلح وزيادة الإنفاق العسكري، وأوضحت الصحيفة أن منظمي الاحتجاجات اتهموا الحكومة الألمانية بالسعي إلى تحويل الشباب إلى وقود للصراعات الدولية وسط تراجع الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية.

كما أكدت وكالة أنباء الأناضول أن الاحتجاجات شملت أكثر من 90 مدينة ألمانية، بينها برلين وهامبورغ وكولونيا وشتوتغارت، حيث رفع الطلاب لافتات كتب عليها “لا للتجنيد الإجباري” و”الشباب يريد مستقبلاً لا حرباً”، وأشارت الوكالة إلى أن آلاف الطلاب غادروا المدارس والجامعات للمشاركة فيما عُرف باسم “إضراب المدارس ضد التجنيد”.

وذكرت مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية، المقربة من الحزب المسيحي الديمقراطي، أن الاحتجاجات الشبابية ضد الخدمة العسكرية تحولت إلى ظاهرة سياسية لافتة داخل ألمانيا منذ نهاية عام 2025، خاصة بعد تصويت البرلمان الألماني على قانون تحديث الخدمة العسكرية، وأوضحت المؤسسة أن قطاعات واسعة من الشباب الألمان تخشى من توسع الدولة في سياسات العسكرة وإعادة فرض الخدمة الإلزامية مستقبلاً إذا لم تحقق برامج التطوع الأهداف المطلوبة.

كما كشفت صحيفة “دي تسايت” الألمانية عن انقسام واضح داخل الرأي العام بشأن إعادة التجنيد الإجباري، وأظهرت نتائج استطلاع أجراه معهد “فورسا” للأبحاث لمصلحة مجلة “شتيرن” الألمانية في أكتوبر 2025 أن 54 بالمئة من الألمان يؤيدون إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية، في حين رفضت الأغلبية بين فئة الشباب هذا التوجه بصورة واضحة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الأجيال بشأن مستقبل السياسة الدفاعية الألمانية.

دفاع حكومي

وفي المقابل، دافعت الحكومة الاتحادية عن خططها الجديدة، مؤكدة أن ألمانيا تواجه تحولاً أمنياً تاريخياً بسبب الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات العالمية المتصاعدة، إضافة إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وأوضح مفوض القوات المسلحة في البرلمان الألماني هينينغ أوته، في تقريره السنوي الصادر في مارس 2026، أن الجيش الألماني يواجه أزمة حقيقية في التجنيد، مشيراً إلى أن القوات المسلحة تحتاج إلى رفع أعداد الجنود من نحو 185 ألفاً حالياً إلى 260 ألف جندي، إضافة إلى 200 ألف عنصر احتياطي خلال السنوات المقبلة، وأكد “أوته” أن برامج التطوع الحالية قد لا تكون كافية لسد العجز البشري داخل الجيش.

كما حذر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من أن ألمانيا لم تعد تملك رفاهية تجاهل التهديدات الأمنية، مؤكداً أن برلين قد تضطر مستقبلاً إلى العودة الكاملة للتجنيد الإجباري إذا فشلت الخطط الحالية في توفير الأعداد المطلوبة للقوات المسلحة.

وتؤكد بيانات وزارة الدفاع الألمانية أن برامج التجنيد الجديدة ستمنح المجندين رواتب شهرية ومزايا تعليمية وفرصاً مهنية بهدف جذب الشباب إلى الخدمة العسكرية، خاصة مع تراجع الإقبال على الانضمام إلى الجيش خلال السنوات الأخيرة.

وأثارت بعض بنود القانون الجديد مخاوف إضافية داخل المجتمع الألماني، خاصة بعد الجدل الذي أثارته مواد تتعلق بمتابعة أوضاع الرجال بين 17 و45 عاماً في حالات الطوارئ العسكرية، وذكرت تقارير إعلامية أوروبية أن هذه البنود أثارت انتقادات واسعة من ناشطين ومنظمات مجتمع مدني اعتبرت أن الإجراءات الجديدة تمثل توسعاً غير مسبوق في صلاحيات الدولة المرتبطة بالخدمة العسكرية منذ تعليق التجنيد الإجباري قبل أكثر من عقد.

تحذيرات حقوقية

كما حذرت منظمة العفو الدولية من أن أي عودة للتجنيد الإجباري يجب أن تلتزم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الاعتراض على الخدمة العسكرية لأسباب دينية أو أخلاقية، وأكدت المنظمة أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يكفل هذا الحق، ويلزم الدول بتوفير بدائل مدنية عادلة للممتنعين عن حمل السلاح.

وأشارت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في أحكام سابقة إلى أن الدول الأوروبية مطالبة بحماية حرية الفكر والضمير عند تطبيق قوانين الخدمة العسكرية الإلزامية، وعدم فرض عقوبات تعسفية على الرافضين للخدمة المسلحة.

وفي السياق نفسه، أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن تصاعد سباقات التسلح عالمياً يتزامن مع تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية داخل مناطق النزاع، خاصة في غزة والسودان وأوكرانيا، داعية الحكومات إلى إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتوسيع المساعدات الإنسانية بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية.

كما أوضح معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في تقريره السنوي لعام 2025 أن الإنفاق العسكري العالمي سجل أعلى مستوى في تاريخه الحديث نتيجة الحروب والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، مشيراً إلى أن أوروبا سجلت واحدة من أسرع معدلات التوسع العسكري خلال السنوات الأخيرة.

وتكشف هذه التطورات كيف دفعت الحروب في الشرق الأوسط أوروبا، وخاصة ألمانيا، إلى إعادة صياغة مفاهيم الأمن والدفاع والاستعداد العسكري، وبينما تواصل برلين تعزيز قدراتها العسكرية وإعادة بناء جيشها، تتصاعد في الوقت نفسه الأسئلة الحقوقية والإنسانية حول مستقبل الحريات الفردية، وحدود التوسع العسكري، وإمكانية أن يقود سباق التسلح العالمي إلى مزيد من الصراعات وعدم الاستقرار.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية