في بيلاروس، لم يعد ملف حقوق الإنسان مرتبطاً فقط بالسجناء السياسيين أو قمع المجتمع المدني، بل امتد إلى مساحة أكثر حساسية: حرية الضمير والمعتقد في مواجهة الخدمة العسكرية، فقد أظهرت مداخلات حقوقية أمام مجلس حقوق الإنسان أن الحق في الاستنكاف الضميري من الخدمة العسكرية يواجه قيوداً منهجية، في ظل توجه متزايد نحو عسكرة المجتمع وربط الحقوق المدنية الأساسية، ومنها الوثائق الرسمية، بالامتثال لمتطلبات الخدمة العسكرية.
خلال الجلسة، لفتت منظمة Conscience and Peace Tax International الانتباه إلى القيود المفروضة على بدائل الخدمة العسكرية في بيلاروس، ووفق المداخلة، فإن إمكانية الاستفادة من الخدمة البديلة محصورة ضمن قائمة محدودة من الطوائف الدينية المعترف بها، وبشروط ضيقة للغاية، ما يحرم كثيراً من المستنكفين ضميرياً، خصوصاً أصحاب القناعات الأخلاقية أو الإنسانية أو العلمانية، من أي حماية قانونية فعالة.
هذه النقطة أساسية؛ لأن الاستنكاف الضميري لا يقتصر على الانتماء الديني، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان ينظر إلى حرية الفكر والوجدان والدين أو المعتقد باعتبارها حقاً واسعاً يشمل القناعات الدينية وغير الدينية، لذلك، فإن حصر هذا الحق في جماعات دينية معينة فقط يعني استبعاد فئات واسعة من الحماية، وتحويل الحق إلى امتياز محدود لا يتمتع به الجميع على قدم المساواة.
الحصول على وثائق الهوية
تزداد خطورة المسألة مع الإجراءات الإدارية التي تربط الحصول على وثائق الهوية، ومنها جوازات السفر، بالامتثال لمتطلبات الخدمة العسكرية، فهذا الربط يحوّل الوثائق الشخصية من حق قانوني أساسي إلى أداة ضغط، فالشخص الذي يرفض الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية قد يجد نفسه عاجزاً عن تجديد جوازه، أو إثبات وضعه القانوني، أو السفر، أو تسوية إقامته في الخارج.
وبذلك، لا يصبح العقاب محصوراً في رفض الاعتراف بالاستنكاف الضميري، بل يمتد إلى الحياة اليومية والحقوق المدنية، فغياب الوثائق قد يقود إلى هشاشة قانونية، وصعوبات في التعليم والعمل والتنقل، وربما خطر انعدام الجنسية أو فقدان الحماية الفعلية، خاصة بالنسبة للبيلاروسيين الموجودين في الخارج.
وقد ربطت مداخلات أخرى هذا الملف بالسياق الأوسع للقمع العابر للحدود، فحرمان المواطنين في الخارج من الخدمات القنصلية، أو تعقيد حصولهم على الوثائق، لا يؤثر فقط في المعارضين السياسيين، بل أيضاً في فئات مثل المستنكفين ضميرياً من الخدمة العسكرية، وهنا تتداخل حرية الضمير مع الحق في الجنسية والهوية القانونية والحماية من الإعادة القسرية.
اللافت أيضاً أن المقرر الخاص نيلسميزنيكس أشار في ملاحظاته الختامية إلى أن بيلاروس تسير في اتجاه معاكس فيما يتعلق بالخدمة العسكرية البديلة، إذ يجري التركيز بصورة متزايدة على الجاهزية العسكرية، وهذا يعني أن الدولة لا تتعامل مع الاستنكاف الضميري بوصفه حقاً يجب تنظيمه وحمايته، بل استثناء ضيق في بيئة سياسية وأمنية تميل نحو عسكرة التعليم والمجتمع.
النزعة العسكرية في التعليم
هذا الاتجاه يثير مخاوف أوسع، فعندما تزداد النزعة العسكرية في التعليم والخطاب العام، يصبح من الصعب حماية التعددية الفكرية وحرية المعتقد، فالمواطن، خصوصاً الشاب، قد يجد نفسه أمام خيارين: الامتثال لمنطق الدولة العسكري، أو مواجهة العزل القانوني والإداري والاجتماعي، وفي هذه الحالة، لا يكون الحديث فقط عن الخدمة العسكرية، بل عن شكل العلاقة بين الدولة وضمير الفرد.
من منظور حقوقي، يتطلب احترام الاستنكاف الضميري وجود نظام خدمة بديلة مدنية حقيقية، غير عقابية، ومتاحة لجميع من لديهم اعتراضات جدية قائمة على الضمير أو المعتقد، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو فلسفية أو إنسانية، كما يجب ألا تكون الخدمة البديلة أطول أو أثقل أو أكثر إذلالاً من الخدمة العسكرية، حتى لا تتحول إلى عقوبة مقنّعة.
وتبرز أهمية هذا المبدأ في السياق البيلاروسي لأن غياب البدائل العادلة يدفع كثيرين إلى مغادرة البلاد أو البقاء في وضع قانوني هش، وقد دعت منظمات مجتمع مدني الدول الأعضاء إلى ضمان الحماية واللجوء للمستنكفين ضميرياً من بيلاروس، خاصة في ظل غياب ضمانات فعالة داخل البلاد.
الأزمة الحقوقية في بيلاروس
لا يمكن فصل هذا الملف عن الأزمة الحقوقية العامة في بيلاروس، فالدولة التي تقيّد المجتمع المدني، وتلاحق المعارضين، وتستخدم قوانين التطرف والإرهاب لتجريم التعبير، تميل أيضاً إلى تضييق مساحة الخيارات الفردية في قضايا الضمير والمعتقد، لذلك، فإن الاستنكاف الضميري يصبح مؤشراً على مدى احترام الدولة لحرية الفرد في أعمق مستوياتها: حقه في ألا يُجبر على فعل يتعارض مع قناعته الأساسية.
كما أن حماية هذا الحق لا تعني إضعاف الدولة أو إنكار حقها في تنظيم الخدمة العامة، بل تعني أن أي تنظيم يجب أن يتم ضمن حدود حقوق الإنسان، فالدول تستطيع إنشاء أنظمة دفاعية أو خدمات عامة، لكنها لا تستطيع إلغاء حرية الضمير أو معاقبة الأشخاص بسبب قناعاتهم السلمية.
في نهاية المطاف، يكشف ملف الاستنكاف الضميري في بيلاروس جانباً مهماً من الأزمة: التضييق لا يقتصر على من يتحدثون في السياسة، بل يشمل أيضاً من يرفضون، بدافع الضمير، الانخراط في منطق عسكري لا يؤمنون به، وعندما تصبح الوثائق، والخدمة البديلة، والحماية القانونية أدوات ضغط، فإن حرية المعتقد تتحول من حق مضمون إلى مساحة مشروطة بإرادة السلطة.
لذلك، فإن أي إصلاح حقوقي حقيقي في بيلاروس يجب أن يشمل إنشاء نظام خدمة بديلة مدنية شامل وعادل وغير عقابي، وفصل الحصول على الوثائق الأساسية عن متطلبات الخدمة العسكرية، وضمان حماية المستنكفين ضميرياً داخل البلاد وخارجها، فحرية الضمير لا تُختبر في النصوص القانونية فقط، بل في قدرة الفرد على قول “لا” دون أن يخسر حقه في الكرامة والحماية والوجود القانوني.
