بعد وفاة والدها وجدت الابنة نفسها أمام حسابه على «فيسبوك»، حيث بقيت صور وذكريات ترغب في الاحتفاظ بها، لكن كلمة المرور التي لا تعرفها حالت دون وصولها إليها، وبين رغبتها في استعادة ما يربطها بأبيها وخشيتها من اقتحام خصوصيته، تحول الحساب إلى باب مغلق يفصلها عن جزء من ذاكرتها، ويضعها أمام سؤال لم تكن تتوقع أن تواجهه بعد رحيله: أين ينتهي حقها في الاحتفاظ بذكرياته، وأين يبدأ حقه في صون أسراره؟
تكشف هذه الحكاية وجهاً إنسانياً لمعضلة الإرث الرقمي، فالحسابات التي يتركها الإنسان قد تضم أصولاً مالية وصوراً عائلية ومراسلات حساسة، بعضها يتعلق بأشخاص ما زالوا على قيد الحياة، وبين حقوق الأسرة ورغبات المتوفى وشروط شركات التكنولوجيا، تتسع فجوة قانونية تترك مصير تلك البيانات معلقاً.

المال والذكريات والأسرار
يقول المستشار المغربي في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي زهير الخديسي، نائب رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية، لـ«صفر»، إن إدارة الإرث الرقمي تتداخل فيها إرادة صاحب الحساب من خلال تعليماته السابقة، وحقوق الورثة في حدود القانون، وشروط المنصة التي تحتفظ بالبيانات، فتظل الطرف الأقوى عملياً؛ لأن استخدام الحساب لا يعني امتلاكه امتلاكاً مطلقاً.
ويشبه الخديسي التركة الرقمية بخزانة تضم ثلاثة أدراج؛ المال بما يشمله من محافظ إلكترونية وعوائد قنوات ومتاجر رقمية، والذكريات كالصور والتسجيلات العائلية، والأسرار مثل الرسائل الخاصة والسجلات الصحية وعمليات البحث.
ويؤكد أن الدرج الأخير لا يخص المتوفى وحده، بل يشمل أشخاصاً آخرين تواصلوا معه، ما يجعل انتقال الحقوق المالية إلى الورثة مختلفاً عن منحهم حق الاطلاع على جميع المراسلات.
ومن جانبه، يوضح الحقوقي السوري المعني بالحقوق الرقمية أنس جودة لـ«صفر» أن الإرث الرقمي تتداخل فيه قواعد الميراث والخصوصية والملكية الفكرية والعلاقات التعاقدية مع المنصات.
ويميز جودة بين أربعة حقوق مستقلة: الملكية والوصول والإدارة والحذف، فالأصول ذات القيمة المالية، كالعملات المشفرة والأرصدة والعوائد وحقوق الملكية الفكرية، قد تدخل ضمن التركة وفقاً للقانون، لكن ذلك لا يعني انتقال صلاحيات الوصول إلى الحسابات والبريد الإلكتروني والرسائل والصور الخاصة تلقائياً إلى الورثة.

حقوق الورثة لا تعني اقتحام الأسرار
في المقابل، ينبغي ألا تتحول حماية خصوصية المتوفى إلى ذريعة لحرمان أسرته من حقوقها المشروعة، فللورثة حق المطالبة بالأصول الرقمية التي تدخل ضمن التركة وعوائدها، وقد تكون لهم مصلحة إنسانية في استعادة الصور والذكريات العائلية، أو حاجة قانونية إلى بيانات محددة لاستكمال إجراءات الميراث.
وتبرز هنا ضرورة توفير مسارات واضحة وعادلة لطلب الوصول إلى البيانات، تضمن تسبيب قرارات المنصات وإتاحة الاعتراض عليها، بدلاً من ترك الأسر أمام شروط تعاقدية معقدة أو رفض يصعب الطعن فيه.
ولا يستلزم إنصاف الورثة منحهم كلمات المرور أو فتح جميع المراسلات الخاصة، فالمعيار الحقوقي هو تمكينهم مما يلزم لحماية حقوقهم، بالقدر الضروري، مع صون أسرار المتوفى وخصوصية الأشخاص الذين تواصلوا معه.

قوانين متفاوتة وسلطة واسعة للمنصات
يصف الخديسي الحماية القانونية العربية للخصوصية الرقمية بعد الوفاة بأنها حماية “بالتقسيط وبنصوص لم تُكتب أصلاً لهذا الغرض”.
ففي المغرب، قد تنتقل عوائد الأنشطة الرقمية، ومنها أرباح قنوات «يوتيوب»، إلى الورثة بحسب طبيعة الحق والقواعد المطبقة عليه، في حين لا تعامل المراسلات الخاصة باعتبارها أموالاً قابلة للتقسيم.
ويشير إلى أن نظام حماية البيانات الشخصية السعودي يشمل بيانات المتوفى متى أمكن أن تؤدي إلى التعرف عليه أو على أحد أفراد أسرته، في حين يتيح القانون التونسي لحماية المعطيات الشخصية لعام 2004 للورثة ممارسة حقوق محددة بشأن بيانات مورثهم، وفق الشروط القانونية.
أما اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات «GDPR» فلا تسري بذاتها على بيانات المتوفين، وتترك للدول تنظيم هذه المسألة. وفي فرنسا توجد أحكام تتيح للفرد ترك توجيهات بشأن بياناته بعد الوفاة، في حين أقرت المحكمة الاتحادية الألمانية عام 2018، في قضية تتعلق بـ«فيسبوك»، إمكان انتقال حساب المتوفى إلى الورثة وفق نطاق الحكم.
ويلفت الخديسي إلى أن احترام حرمة الميت والحياة الخاصة والنهي عن التجسس مبادئ حاضرة في الثقافة العربية والإسلامية، وإن كانت التطبيقات الرقمية الحديثة تطرح تحديات قانونية مختلفة.
وعلى مستوى الشركات، تتيح «فيسبوك» تحويل الحساب إلى صفحة تذكارية أو طلب حذفه وفق ضوابطها، وتوفر «جوجل» أداة لإدارة بعض البيانات بعد فترة من عدم النشاط، في حين تسمح «آبل» بتعيين جهة اتصال للوصول إلى بيانات محددة بعد الوفاة. لكن هذه الخيارات لا تمنح بالضرورة حق الاطلاع على جميع الرسائل أو الملفات.
ويحذر جودة من غياب منظومة تشريعية عربية موحدة للإرث الرقمي، خصوصاً أن معظم الحسابات تديرها شركات عالمية تخضع لقوانين وشروط استخدام مختلفة، ما يضع الأسر أمام إجراءات لا تملك دائماً التأثير فيها.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل هوية الراحلين
تتجاوز المخاطر مسألة الوصول إلى الحسابات أو حذفها؛ إذ تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة أصوات المتوفين وصورهم وأنماط حديثهم باستخدام تسجيلاتهم ومراسلاتهم.
ويحذر الخديسي من أن هذه الإمكانات تثير أسئلة بشأن الموافقة المسبقة وحدود التصرف في الهوية الرقمية، وقد تفتح الباب أمام الاحتيال أو الابتزاز الذي يستهدف أفراد الأسرة بمحتوى اصطناعي يحاكي أشخاصاً فقدوهم.
ويقترح ثلاثة تدابير تشريعية: الاعتراف بوصية رقمية ملزمة تحدد مصير الحسابات والبيانات، ووضع قواعد احتياطية عند غيابها تفصل بين الأصول المالية والأسرار والذكريات العائلية، وإقرار ضوابط تمنع إعادة إنتاج صوت المتوفى أو صورته دون موافقة مسبقة أو سند قانوني واضح.
ويدعو جودة بدوره إلى إطار قانوني يمنح الفرد حق تحديد مصير بياناته مسبقاً، ويقيد وصول الورثة بالمصلحة المشروعة، ويحمي خصوصية المتوفى والأشخاص الذين تظهر معلوماتهم في حساباته.
ويرى أن النقاش القانوني العربي ما زال يركز على انتقال الملكية أكثر من حماية الخصوصية، رغم أن الوصول إلى البيانات وإدارتها وحذفها حقوق مختلفة تستلزم ضمانات مستقلة.
حين يصبح الغائب مادة قابلة للاستنساخ
قد تجد الأسر نفسها قريباً أمام معضلة لم تعرفها الأجيال السابقة: صوت مألوف يتحدث بكلمات لم يقلها صاحبه، ووجه راحل يظهر في إعلان أو رسالة أو محادثة لم يختر المشاركة فيها.
هنا تبرز الحاجة إلى ضمانة حقوقية تتجاوز تنظيم الميراث وحماية كلمات المرور، وتمنح الإنسان حق تقرير ما إذا كان يجوز استنساخ هويته أو توظيف ملامحه وصوته بعد وفاته، مع وضع حدود واضحة لاستغلالها التجاري والتقني، فالخطر المقبل ليس أن ننسى من رحلوا، بل أن تمتلك التكنولوجيا القدرة على التحدث بألسنتهم دون إذن منهم.
