منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العراق.. الديون تضع أجساد المحتاجين على طاولة المساومة

15 أكتوبر 2026
العراق.. الديون تضع أجساد المحتاجين على طاولة المساومة
العراق.. الديون تضع أجساد المحتاجين على طاولة المساومة

قد يبدأ الأمر بقرض يحتاجه شخص لتجاوز ضائقة مالية، ثم يجد نفسه، تحت وطأة الفوائد المتراكمة وشروط السداد التعجيزية، أمام مساومة على بيع إحدى كليتيه. هذه صورة من صور الاستغلال الكثيرة كشفتها قضية أعلنتها السلطات العراقية في بغداد، وتتعلق بالاشتباه في استخدام الديون للضغط على مواطنين محدودي الدخل والتفاوض معهم بشأن بيع أعضائهم.

وبينما لا تزال التحقيقات تبحث في عدد الأشخاص المستهدفين وما إذا كانت المساومات قد انتهت إلى عمليات استئصال فعلية، تطرح القضية سؤالاً حقوقياً يتجاوز المخالفة المالية: إلى أي مدى يكون الإنسان حراً في اتخاذ قرار يمس جسده عندما تصبح حاجته الاقتصادية وسيلة للضغط عليه؟

قروض تنتهي بمساومات على الكلى

في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أعلنت وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية العراقية إلقاء القبض على أربعة متهمين، بينهم امرأتان، في بغداد، للاشتباه في ارتباطهم بشبكة تستهدف مواطنين من ذوي الدخل المحدود عبر إغرائهم بقروض وسلف بفوائد مرتفعة، ثم فرض شروط تعجيزية عليهم ومساومتهم على بيع الكلى لتسديد الديون المتراكمة.

وقالت الوكالة إن القوات الأمنية ضبطت هواتف وسجلات توثق المعاملات والمساومات مع الأشخاص المستهدفين، عقب تحصيل الموافقات القضائية اللازمة.

ولا تثبت المعلومات المعلنة حتى الآن عدد الأشخاص الذين تعرضوا للاستغلال، أو وقوع عمليات استئصال وبيع للأعضاء بالفعل، لكن آلية الاستهداف التي وصفتها الوكالة تبرز خطورة تحويل الدين من التزام مالي إلى أداة ضغط على السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

350 دعوى اتجار بالبشر خلال شهرين

تأتي القضية في ظل استمرار تسجيل دعاوى الاتجار بالبشر أمام المحاكم العراقية، وبحسب بيانات مجلس القضاء الأعلى، سجلت محاكم الاستئناف 183 دعوى خلال أغسطس/آب 2026، مقارنة بـ167 دعوى خلال يوليو/تموز من العام نفسه، بإجمالي 350 دعوى خلال شهرين.

وتصدرت محكمة استئناف البصرة تسجيل دعاوى أغسطس بواقع 67 دعوى، تلتها بغداد/الكرخ بـ40 دعوى، ثم ديالى بـ12 دعوى. وفي يوليو سجلت البصرة 73 دعوى، وبغداد/الكرخ 21 دعوى، وبغداد/الرصافة 19 دعوى.

ولا تحدد هذه الإحصاءات نسبة القضايا المرتبطة بالاتجار بالأعضاء البشرية تحديداً، كما أن عدد الدعاوى لا يعادل بالضرورة عدد الضحايا أو الأحكام القضائية الصادرة بالإدانة.

وفي تقريرها عن الاتجار بالبشر في العراق لعام 2024، أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن السلطات العراقية كثفت التحقيقات والملاحقات القضائية، وحددت 335 ضحية اتجار بالبشر خلال الفترة التي تناولها التقرير، شملت حالات استغلال جنسي وعمل قسري وتسول قسري.

وهذه بيانات سنوية أقدم من الإحصاءات القضائية لعام 2026، ولا تمثل حصيلة لضحايا الاتجار بالأعضاء أو الأشخاص المرتبطين بالقضية الأخيرة.

الموافقة تحت ضغط الحاجة

يرى الأستاذ الدكتور خالد عواد العلواني، عميد كلية القانون في جامعة المعارف والمتخصص في القانون الجنائي، أن الاتجار بالبشر جريمة منظمة تتغير أساليبها بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، في حين يظل جوهرها قائماً على استغلال الإنسان وإخضاعه للإكراه أو الخداع أو استغلال حالة الضعف.

ويقول العلواني في حديث لـ«صفر» إن الحاجة إلى الاقتراض قد تتحول، في الحالات المرتبطة بالديون، إلى وسيلة للضغط على الشخص ودفعه إلى قبول استغلال يمس سلامته الجسدية وكرامته الإنسانية.

وتكتسب مسألة الموافقة أهمية خاصة في قضايا الاتجار بالأعضاء؛ إذ لا يمكن تقييم قرار الشخص بمعزل عن الظروف المحيطة به. فالديون المتراكمة والتهديدات والضغوط قد تثير تساؤلات جدية بشأن حرية الاختيار، وما إذا كان الشخص قد تعرض للإكراه أو استغلال حاجته.

ويشكل قانون مكافحة الاتجار بالبشر العراقي رقم 28 لسنة 2012 الإطار التشريعي الوطني لمواجهة هذه الجرائم، ومنها صور الاستغلال المرتبطة بنزع الأعضاء البشرية. ويبقى تحديد الوصف القانوني للقضية الأخيرة والمسؤوليات المترتبة عليها من اختصاص الجهات التحقيقية والقضائية، استناداً إلى الأدلة وظروف كل واقعة.

وزارة الداخلية: الملف قيد التحقيق

وفي رد رسمي على استفسار منصة «صفر» بشأن القضية، أفادت وزارة الداخلية العراقية بأن الملف لا يزال قيد التحقيقات، دون تقديم تفاصيل إضافية.

وبذلك تظل المعلومات المتعلقة بعدد الأشخاص المستهدفين، وطبيعة المساومات التي تعرضوا لها، وما إذا كانت قد وقعت عمليات استئصال أو بيع فعلية، مرتبطة بما ستكشفه الإجراءات التحقيقية والقضائية.

ولا تقل أهمية التعرف إلى الأشخاص المحتمل تعرضهم للاستغلال عن ملاحقة المشتبه بهم، خصوصاً إذا كانت الديون والضغوط المالية تجعلهم يخشون الإبلاغ أو طلب المساعدة.

حماية الجسد لا تسقط تحت وطأة الدين

من منظور حقوق الإنسان، تمس جرائم الاتجار بالأعضاء الحق في الصحة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، والحماية من الإكراه والاستغلال. ولا يجوز أن يتحول جسد الإنسان إلى وسيلة لتسوية الديون أو مورد مالي لشبكات تستفيد من هشاشة أوضاعه الاقتصادية.

وتقتضي الاستجابة لهذه الجرائم ألا تقتصر على ملاحقة المشتبه بهم، بل أن تشمل تحديد الأشخاص الذين تعرضوا للاستغلال، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية والنفسية والمساعدة القانونية، وحمايتهم من الانتقام أو إعادة الاستغلال، مع مراعاة ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى أمام العدالة العراقية اختبار يتجاوز إثبات التهمة ومعاقبة المتورطين: أن تضمن للأشخاص الذين قد تكشف التحقيقات تعرضهم للاستغلال طريقاً آمناً إلى الحماية، وألا يجدوا أنفسهم مطالبين بالدفاع عن قرارات انتزعت منهم تحت وطأة الحاجة.

فحين يخشى الإنسان أن يتحول إبلاغه عن الاستغلال إلى عبء جديد عليه، يصبح ضمان وصوله إلى العدالة جزءاً أصيلاً من مكافحة الجريمة. ولا تكتمل الحماية بمجرد تفكيك شبكة مشتبه بها، بل حين يستطيع من استهدفتهم أن يطلبوا الإنصاف دون خوف من دائنيهم أو من تبعات الإفصاح عما تعرضوا له.