حذرت الأمم المتحدة من أن الجهود العالمية المبذولة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز” تواجه مرحلة شديدة الخطورة، في ظل تراجع التمويل الدولي وتصاعد الضغوط المرتبطة بحقوق الإنسان، الأمر الذي يهدد بتقويض عقود من التقدم الذي تحقق في مواجهة الوباء على مستوى العالم.
وخلال مؤتمر صحفي عقدته بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز، ويني بيانييما، إن العالم يقف أمام منعطف محفوف بالمخاطر، مؤكدة أن التراجع الحالي يأتي في وقت يحتاج فيه العالم إلى تعزيز الجهود لا تقليصها، بحسب ما نقلته الأمم المتحدة في تصريحات رسمية قبيل الاجتماع رفيع المستوى بشأن فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز” المقرر عقده يومي 22 و23 يونيو المقبل.
تراجع التمويل يهدد الخدمات
وأوضحت بيانييما أن خفض التمويل الدولي أدى إلى انهيار العديد من خدمات الوقاية من الفيروس، إلى جانب تعثر خطط التوسع في تقديم العلاج، مشيرة إلى أن منظمات المجتمع المدني التي شكلت على مدار سنوات العمود الفقري لجهود مكافحة الإيدز، أصبحت مهددة بالإغلاق أو توقفت بالفعل عن العمل.
وأضافت أن الأزمة الحالية جعلت حتى أبسط وسائل الوقاية بعيدة عن متناول كثير من الفئات الأكثر عرضة للإصابة، محذرة من أن تداعيات هذا الوضع ستكون قاسية على ملايين الأشخاص حول العالم.
الفتيات والنساء الأكثر تضررا
وأكدت المسؤولة الأممية أن التكلفة الإنسانية لهذا التراجع أصبحت غير محتملة، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والمهمشة، وكشفت أحدث بيانات البرنامج الأممي عن تسجيل إصابة نحو 570 فتاة وشابة بفيروس نقص المناعة البشرية يوميا خلال عام 2024.
وأشارت إلى أن نحو 60 بالمئة من المنظمات النسائية العاملة في مجال مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية فقدت مصادر تمويلها أو أغلقت أبوابها بالكامل، ما يضعف قدرة المجتمعات المحلية على الاستجابة للوباء وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
قلق من تراجع حقوق الإنسان
وفي سياق متصل، حذرت بيانييما من تصاعد ما وصفته بحملة عالمية للتراجع عن حقوق الإنسان، معتبرة أن هذه الحقوق تمثل أحد الأسس الرئيسية التي ساعدت على تحقيق التقدم في مكافحة الإيدز خلال العقود الماضية.
وقالت إن المساواة بين الجنسين، والحقوق الصحية والإنجابية، وحقوق مجتمع الميم، تتعرض لهجمات متزايدة في مناطق مختلفة من العالم، مشيرة إلى أن هذه التحركات ليست عشوائية، بل تقف وراءها حملات منظمة ومدعومة سياسيا وماليا.
وأضافت أن الصراعات الجيوسياسية والمنافسة على النفوذ والموارد أصبحت تلقي بظلالها على قضايا حقوق الإنسان، ما يؤدي إلى استخدام الفئات الأكثر تهميشا كأدوات ضمن صراعات النفوذ الدولية.
الأمل لا يزال قائما
ورغم هذه التحديات، شددت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز على أن العلم لا يزال يوفر أدوات فعالة يمكن أن تضع العالم على طريق إنهاء الوباء بحلول عام 2030، لافتة إلى التقدم الكبير في تطوير أدوية الوقاية طويلة المفعول والعلاجات الحديثة التي لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
وأكدت أن تحقيق هدف القضاء على الإيدز لا يزال ممكنا، لكنه يتطلب التزاما سياسيا وماليا حقيقيا من الحكومات والمؤسسات الدولية، خاصة مع وجود ملايين الأشخاص الذين لا يزالون ينتظرون الحصول على العلاج اللازم.
وأشارت إلى أن الاجتماع الأممي المرتقب سيشكل فرصة أمام الدول لتجديد التزاماتها عبر إعلان سياسي جديد يضع أهدافا واضحة وطموحة حتى عام 2030، بما يضمن إنقاذ ملايين الأرواح وتقليص الإصابات الجديدة وصولا إلى إنهاء الإيدز كتهديد للصحة العامة.
يُعد فيروس نقص المناعة البشرية من أخطر الأوبئة الصحية التي واجهها العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ تسبب في وفاة ملايين الأشخاص حول العالم.
ورغم التقدم الطبي الكبير الذي أسهم في خفض معدلات الوفيات والإصابات خلال السنوات الأخيرة، لا يزال المرض يمثل تحديا صحيا وإنسانيا كبيرا، خصوصا في الدول الفقيرة والمجتمعات الهشة، وتلعب برامج الأمم المتحدة والمنظمات الدولية دورا محوريا في تمويل حملات الوقاية والعلاج، غير أن الأزمات الاقتصادية العالمية وتراجع الدعم الدولي أثرت بشكل مباشر على استدامة هذه البرامج، ما يثير مخاوف متزايدة من عودة ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات خلال السنوات المقبلة، في حال استمرار تقليص التمويل المخصص لمكافحة الإيدز.
