منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بسبب الكيماويات الأبدية.. دعوى حقوقية تتهم بلجيكا بالإخفاق في مواجهة التلوث

08 يوليو 2026
مخاطر مركبات "بي إف إيه إس" الكيميائية
مخاطر مركبات "بي إف إيه إس" الكيميائية

تصاعد الجدل في بلجيكا بشأن المخاطر الصحية المرتبطة بالكيماويات الأبدية، بعدما اتخذت منظمة بيئية دولية خطوة قانونية جديدة تتهم السلطات بالتقاعس عن حماية السكان من آثار التلوث الذي يمتد منذ سنوات.

ويأتي هذا التحرك في ظل تزايد التحذيرات العلمية من التأثيرات الصحية بعيدة المدى لهذه المواد التي ترتبط بأمراض خطيرة وتبقى في البيئة لعقود طويلة دون أن تتحلل بصورة طبيعية.

وأفادت شبكة “يورونيوز”، نقلاً عن منظمة “كلاينت إيرث- Client Earth” البيئية، بأن محامين تقدموا بشكوى أمام اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية ضد بلجيكا، متهمين السلطات بعدم اتخاذ إجراءات فعالة رغم امتلاكها معلومات عن مستويات مرتفعة من التلوث بالكيماويات الأبدية منذ سنوات. وترى المنظمة أن القضية تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان؛ لأن استمرار التعرض لهذه المواد يهدد الحق في الصحة والعيش في بيئة آمنة.

تحرك قانوني غير مسبوق

اختارت منظمة كلاينت إيرث اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية، التابعة لمجلس أوروبا، للنظر في الشكوى باعتبارها الجهة المختصة بمتابعة مدى التزام الدول الأعضاء بأحكام الميثاق الاجتماعي الأوروبي.

وأوضحت المحامية البيئية هيلين دوغي أن المنظمة لجأت إلى هذه الآلية لاقتناعها بقدرة اللجنة على دفع الدول إلى تنفيذ قراراتها وتعزيز التزاماتها القانونية في مجال حماية الحقوق الاجتماعية والبيئية.

وأكدت دوغي أن السلطات البلجيكية امتلكت معلومات عن انتشار التلوث منذ سنوات، وربما منذ عقود، لكنها لم تتخذ إجراءات تتناسب مع حجم المخاطر، الأمر الذي أدى إلى استمرار تعرض السكان لهذه المواد الكيميائية ذات الآثار الصحية المعقدة.

بلجيكا في صدارة الدول الأوروبية

تشير البيانات التي جمعها مشروع “فوريفر بوليوشن”، وهو مشروع بحثي متخصص في رصد تلوث الكيماويات الأبدية في أوروبا، إلى أن بلجيكا تسجل أعلى مستويات تلوث بهذه المواد على مستوى القارة الأوروبية.

وتبرز بلدة زفايندريخت القريبة من مدينة أنتويرب باعتبارها واحدة من أكثر المناطق تضرراً، نتيجة قربها من مصنع تابع لشركة ثري إم، كما تعاني بلدة شييفر الواقعة بالقرب من الحدود الفرنسية من مستويات مرتفعة من التلوث ارتبطت بقاعدة جوية مجاورة.

 وتمتد آثار التلوث أيضاً إلى العاصمة بروكسل، خاصة في المناطق المحيطة بأندرلخت وأوكل، وفقاً للخرائط التي أعدها المشروع.

اتهامات بالتقاعس

استندت الشكوى إلى وقائع تشير إلى أن مسؤولين في الحكومة الفلمنكية تلقوا معلومات عن التلوث منذ عام 2017، ومنهم بارت دي ويفر الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس بلدية أنتويرب ويتولى حاليا رئاسة الوزراء في بلجيكا، إلا أن السلطات لم تتخذ خطوات حاسمة لمعالجة الأزمة.

كما أوضحت المعطيات أن شركة ثري إم والجهات الحكومية الفلمنكية ناقشتا منذ مطلع الألفية الحالية مستويات التلوث في محيط المصنع، لكنهما قللتا من خطورة المشكلة، وهو ما ترى المنظمة أنه أسهم في استمرار تعرض السكان لمخاطر صحية كان من الممكن الحد منها عبر تدخل مبكر.

مخاطر صحية متزايدة

تعرف الكيماويات الأبدية، أو مركبات “بي إف إيه إس”، بأنها مجموعة تضم أكثر من عشرة آلاف مادة كيميائية صناعية تستخدم في صناعات متعددة بفضل مقاومتها للماء والدهون والبقع، كما تدخل في تصنيع أواني الطهي غير اللاصقة، ومواد تغليف الأغذية، والملابس المقاومة للماء، ومنتجات استهلاكية أخرى.

وأكدت منظمة الصحة العالمية في عام 2023 تصنيف حمض بيرفلورو أوكتانويك باعتباره مادة مسرطنة للإنسان، في حين صنفت حمض بيرفلورو أوكتان سلفونيك ضمن المواد التي يحتمل أن تسبب السرطان. ورغم حظر استخدام هذين المركبين داخل الاتحاد الأوروبي، فإنهما لا يزالان موجودين في المياه والتربة وأجسام البشر، بسبب قدرتها على البقاء في البيئة لمئات السنين.

وأوضح فيليب غرانديان، أستاذ طب البيئة في المعهد الوطني للصحة العامة في كوبنهاغن، أن الدراسات العلمية ربطت هذه المواد بالإصابة بالسكري واضطرابات التمثيل الغذائي وتراجع الخصوبة والسمنة، إضافة إلى تأثيرها في جودة السائل المنوي وارتفاع احتمالات العقم والإجهاض.

وأضاف أن الكيماويات الأبدية تعبر المشيمة أثناء الحمل، كما تنتقل إلى الأطفال عبر حليب الأم، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية على الأجيال الجديدة ويجعل الوقاية أولوية قصوى أمام الحكومات.

من البيئة إلى حقوق الإنسان

اكتسب ملف الكيماويات الأبدية خلال السنوات الأخيرة بعداً حقوقياً متزايداً، بعدما اعتبر خبراء تابعون للأمم المتحدة في عام 2024 أن التلوث الناجم عن أنشطة شركتي دوبونت وكيمورس في ولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية يمثل قضية ترتبط بحقوق الإنسان؛ نظراً لتأثيره المباشر على الحق في الصحة والبيئة السليمة.

كما تشهد عدة دول أوروبية تحركات قانونية مماثلة، إذ رفعت منظمات بيئية وسكان في فرنسا خلال مايو 2026 دعاوى ضد السلطات بسبب ما وصفوه بالتقصير في مواجهة تلوث الكيماويات الأبدية، ومن المنتظر أن تنظر المحاكم في تلك القضايا خلال عام 2027.

مطالب بإصلاحات عاجلة

تسعى منظمة “كلاينت إيرث” من خلال شكواها إلى دفع السلطات البلجيكية نحو تبني إجراءات أكثر صرامة، تشمل حظر جميع الكيماويات الأبدية، وتوسيع برامج الرصد الحيوي للسكان، خاصة الأطفال والنساء الحوامل، إلى جانب تسريع عمليات إزالة التلوث وتعويض المجتمعات المتضررة.

ورغم هذه المطالب، يؤكد الخبراء أن إزالة آثار الكيماويات الأبدية تمثل تحدياً علمياً ومالياً بالغ التعقيد، وقد أظهرت دراسة نشرتها مجلة “إنفايرونمنتال ساينس بروسيسز آند إمباكتس” أن أوروبا لن تتمكن من إزالة سوى نسبة محدودة للغاية من هذه المواد، حتى إذا خصصت استثمارات تصل إلى مئة مليار يورو سنويا لأعمال المعالجة البيئية، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تواجهها القارة.

تمثل مركبات “بي إف إيه إس” واحدة من أكثر مجموعات المواد الكيميائية إثارة للجدل على مستوى العالم، إذ تضم أكثر من عشرة آلاف مركب صناعي تستخدم منذ خمسينيات القرن الماضي في صناعات متعددة بفضل مقاومتها العالية للحرارة والماء والزيوت.

وتتميز هذه المواد بقدرتها على البقاء في البيئة وجسم الإنسان لفترات طويلة، وهو ما أكسبها اسم الكيماويات الأبدية، وخلال السنوات الأخيرة، وسعت دول أوروبية عديدة تشريعاتها للحد من استخدام هذه المركبات، في حين يواصل الاتحاد الأوروبي دراسة فرض قيود أشمل عليها، في وقت تطالب فيه المنظمات البيئية والحقوقية بتشديد الرقابة على الصناعات المسببة للتلوث، وتسريع برامج إزالة التلوث وحماية المجتمعات الأكثر تعرضاً للمخاطر الصحية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print