منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قوائم انتظار تمتد لعقد.. أزمة السكن عبء يهدد الاستقرار الاجتماعي في العاصمة البلجيكية

25 أبريل 2026
السكن الاجتماعي في بلجيكا
السكن الاجتماعي في بلجيكا

تعيش آلاف الأسر في العاصمة البلجيكية بروكسل على إيقاع انتظار طويل للحصول على سكن اجتماعي، يمتد في كثير من الحالات إلى أكثر من عشر سنوات، ما يدفعها إلى البقاء في مساكن مكتظة أو غير لائقة، وتعكس هذه الحالات واقعاً أوسع لأزمة اجتماعية مركبة، حيث لم يعد السكن مجرد حاجة أساسية، بل تحول إلى عبء يهدد الاستقرار المعيشي والنفسي، وتؤكد بيانات حكومة منطقة بروكسل لعام 2025 أن أكثر من 55,572 أسرة مسجلة على قوائم الانتظار، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين العرض والطلب في سوق السكن.

تشير نتائج البارومتر الاجتماعي لعام 2025 الصادر عن مرصد بروكسل الاجتماعي والصحي إلى أن 23 في المئة من سكان بروكسل معرضون لخطر الفقر، مقارنة بـ7 في المئة في فلاندرز و13 في المئة في والونيا، ورغم تراجع النسبة مقارنة بـ28 في المئة في 2023، فإن المؤشرات الأخرى تكشف تدهوراً فعلياً في الظروف المعيشية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الحياة، ويُحدد خط الفقر في بلجيكا عند 1565 يورو للفرد شهرياً، ما يعكس هشاشة شريحة واسعة من السكان في مواجهة النفقات الأساسية.

لا تقتصر الأزمة على ارتفاع معدلات الفقر، بل تمتد إلى تفاوتات داخلية عميقة بين بلديات بروكسل، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الفجوة في معدلات الفقر تصل إلى ثلاثة أضعاف بين المناطق الأكثر ثراءً والأكثر فقراً، في حين تضم العاصمة 6 من أصل 10 بلديات هي الأقل دخلاً في بلجيكا، مثل مولنبيك وشاخربيك وأندرلخت، ويؤكد هذا التباين أن بروكسل ليست مدينة متجانسة اجتماعياً، بل مساحة حضرية تعكس انقسامات اقتصادية حادة.

 عبء يلتهم الدخل ومساكن غير لائقة

تشير بيانات مرصد بروكسل الاجتماعي والصحي إلى أن أفقر 20 في المئة من سكان بروكسل ينفقون أكثر من نصف دخلهم على السكن، ما يترك لهم أقل من 10 يوروهات يومياً لتغطية بقية الاحتياجات، ويُعد هذا المؤشر من أبرز مظاهر الضغط الاقتصادي، حيث يتحول السكن من حق أساسي إلى عامل رئيسي في تعميق الفقر، وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن ارتفاع كلفة السكن في المدن الكبرى يمثل أحد أبرز أسباب اتساع الفوارق الاجتماعية.

يعيش نحو 24 في المئة من سكان بروكسل في مساكن دون المستوى، في حين يقيم 30 في المئة في ظروف اكتظاظ، وترتفع النسبة إلى 50 في المئة بين الأسر التي لديها أطفال، كما تعاني 13 في المئة من الأسر من فقر الطاقة، ما يعني صعوبة في دفع فواتير الكهرباء والتدفئة، وترتبط هذه المؤشرات بضعف جودة الحياة وتزايد المخاطر الصحية، خاصة في الأحياء الفقيرة بحسب مرصد بروكسل الاجتماعي والصحي.

تصاعد التشرد والسكن الهش

تُظهر أحدث إحصاءات تعداد المشردين في بروكسل أن عدد المشردين أو من يعيشون في أوضاع سكنية هشة بلغ 9,777 شخصاً في نوفمبر 2024، بزيادة 25 في المئة خلال عامين، وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن هذا الارتفاع يعكس خللاً هيكلياً في سياسات الإسكان، حيث لا تتوافر حلول كافية للفئات الأكثر هشاشة، وتعد استمرار هذه الأوضاع يشكل انتهاكاً للحق في السكن اللائق.

وقد بلغ عدد المستفيدين من دخل الاندماج الاجتماعي في بروكسل 47,304 أشخاص مطلع 2025، وهو رقم يفوق ما هو مسجل في فلاندرز رغم الفارق السكاني، وتشير التوقعات إلى أن إصلاحات إعانات البطالة المرتقبة في 2026 قد تدفع مزيداً من السكان إلى طلب المساعدات، ما يزيد الضغط على أنظمة الحماية الاجتماعية، وفق هيئة الضمان الاجتماعي البلجيكية.

الأبعاد الصحية للأزمة

لا تنفصل الأزمة الاجتماعية عن آثارها الصحية، حيث يبلغ الفارق في متوسط العمر المتوقع نحو خمس سنوات بين أغنى وأفقر البلديات في بروكسل، كما تشير تقديرات إلى أن نحو خُمس السكان يعانون من أعراض القلق أو الاكتئاب، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الظروف السكنية غير الملائمة والاكتظاظ تسهم بشكل مباشر في تدهور الصحة النفسية والجسدية.

تؤكد بيانات المنظمات الدولية أن الأطفال هم من أكثر الفئات تأثراً بالأزمة، حيث يرتبط الفقر السكني بتراجع فرص التعليم والصحة، وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن العيش في مساكن مكتظة أو غير مستقرة يؤثر على النمو النفسي والتحصيل الدراسي للأطفال، ما يهدد بإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.

جذور أزمة السكن في بروكسل

تعود جذور أزمة السكن في بروكسل إلى عقود من النمو السكاني المتسارع، والهجرة، ونقص الاستثمار في السكن الاجتماعي كما ساهمت سياسات السوق العقاري في رفع الأسعار بشكل يفوق قدرة الفئات ذات الدخل المحدود، ويشير البنك الدولي إلى أن هذه العوامل مشتركة في العديد من المدن الأوروبية الكبرى، لكنها تتخذ طابعاً أكثر حدة في بروكسل بسبب خصوصيتها كعاصمة دولية.

ورغم حدة الأزمة، فإن بروكسل ليست وحدها في مواجهة تحديات السكن، حيث تعاني مدن أوروبية مثل باريس وأمستردام وبرلين من ارتفاع الإيجارات ونقص السكن الميسر، إلا أن خصوصية بروكسل تكمن في ارتفاع معدلات الفقر مقارنة بمدن أوروبية مماثلة، ما يجعل تأثير أزمة السكن أكثر عمقاً على الفئات الهشة بحسب المفوضية الأوروبية.

مواقف حقوقية ودولية

دعت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش السلطات البلجيكية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان الحق في السكن، بما يشمل زيادة الاستثمار في السكن الاجتماعي وتنظيم سوق الإيجارات، كما شددت على ضرورة حماية الفئات الأكثر هشاشة من مخاطر الإخلاء والتشرد.

أكدت المفوضية الأوروبية في تقاريرها لعام 2025 أن بروكسل تواجه تحديات اجتماعية تتطلب تنسيقاً بين السياسات المحلية والأوروبية، كما دعا برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى تبني سياسات إسكان شاملة ومستدامة تركز على العدالة الاجتماعية.

وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل فرد في السكن اللائق، وهو ما يشمل الأمان والاستقرار وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار أزمة السكن في بروكسل يمثل تحدياً لتطبيق هذا الحق في الدول المتقدمة.

أزمة مركبة تبحث عن حلول

تكشف مؤشرات 2025 أن بروكسل تواجه أزمة اجتماعية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها مشكلات السكن والفقر والصحة، وتؤثر بشكل خاص على الفئات الأكثر هشاشة، وبينما تتزايد الضغوط على أنظمة الحماية الاجتماعية، تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر شمولاً تضمن الحق في السكن وتعزز العدالة الاجتماعية، في مدينة يفترض أن تمثل نموذجاً أوروبياً للرفاه والاستقرار.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية