اختتم مجلس حقوق الإنسان أعمال دورته الثانية والستين بعد سلسلة من البيانات الختامية التي عكست استمرار التباين بين الدول بشأن أولويات أجندة حقوق الإنسان، وحدود إدراج بعض المفاهيم الحقوقية، ودور المجلس في التعامل مع القضايا الدولية، في مقابل توافق واسع على أهمية تعزيز التعاون الدولي، ودعم آلية الاستعراض الدوري الشامل، ومواصلة بناء القدرات وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
وشهدت الجلسة الختامية للدورة كلمات لعدد من الدول المراقبة، تناولت مواقفها من القرارات التي اعتمدها المجلس، ولا سيما تلك المتعلقة بحقوق المرأة، وحماية العاملين في المجال الإنساني، والرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة، إضافة إلى النقاشات المرتبطة بمفاهيم النوع الاجتماعي، والحقوق الجنسية والإنجابية، وآليات الاستعراض الدوري الشامل.
وأكدت مقدونيا الشمالية أن الاستعراض الدوري الشامل يمثل الآلية العالمية الوحيدة القائمة على استعراض الأقران لتقييم أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول، مشيدة بتقديم أكثر من 90 دولة تقارير منتصف المدة بشأن تنفيذ توصياتها.
ودعت جميع الدول إلى اعتماد هذه الممارسة، معتبرة أن مشاركة المجتمع المدني بصورة آمنة وفاعلة تشكل عنصراً أساسياً في نجاح الآلية، معربة عن قلقها من استمرار القيود التي تحد من مشاركة منظمات المجتمع المدني، خاصة المدافعين عن حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وما يتعرضون له من ضغوط وإقصاء.
وشددت على ضرورة الامتناع عن أي أعمال انتقامية ضد المتعاونين مع آليات المجلس، مؤكدة أن تعزيز تنفيذ التوصيات سيظل أحد أهم عناصر نجاح الاستعراض الدوري الشامل.
فعالية مجلس حقوق الإنسان
من جانبها، رأت كندا أن الحفاظ على فعالية مجلس حقوق الإنسان أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، مشيدة بجهود الدول مقدمة مشاريع القرارات في تطبيق إجراءات ترشيد عمل المجلس، وبالمرونة التي أبدتها خلال المفاوضات.
وأكدت استمرار التزامها بدعم حقوق النساء والفتيات، ووضعها في صميم سياساتها الدولية، مع التركيز على التدخلات القائمة على الأدلة لمواجهة العنف والتمييز القائمين على النوع الاجتماعي، ما يشمل احترام الحقوق الجنسية والإنجابية، وضمان المشاركة الكاملة للنساء والفتيات في مختلف المجالات.
وفي المقابل، سجلت الأرجنتين تحفظات قانونية على عدد من المفاهيم الواردة في بعض القرارات، مؤكدة رفضها أي تفسير للاتفاقيات الدولية يهدف إلى فرض تعديلات على التشريعات الوطنية أو إنشاء التزامات جديدة غير منصوص عليها في المعاهدات.
وشددت على أن التثقيف الجنسي والرعاية الذاتية لا يمكن أن يحلا محل الدور الأساسي للوالدين، معتبرة أن مصطلحات مثل “التقاطعية” و”الذكورية” لا تستند إلى تعريفات متفق عليها دولياً، في حين أكدت أن مفهوم النوع الاجتماعي يجب تفسيره وفق الأطر القانونية الوطنية.
تمكين النساء والفتيات
سارت باراجواي في الاتجاه ذاته، مع تأكيدها دعم الجهود الرامية إلى تمكين النساء والفتيات، والقضاء على زواج الأطفال والزواج المبكر والقسري.
وشددت على أن مفهوم النوع الاجتماعي في دستورها يقتصر على الرجل والمرأة، وأن الإشارات إلى الحقوق الجنسية والإنجابية يجب تفسيرها في ضوء التشريعات الوطنية والقيم الاجتماعية والثقافية، مؤكدة كذلك أن دستورها يكفل الحق في الحياة منذ لحظة الحمل.
أما إريتريا فأكدت استمرار تعاونها مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وهيئات المعاهدات وآلية الاستعراض الدوري الشامل، مع التشديد على أهمية الحوار والحياد في عمل المجلس.
وأشارت بيرو إلى مشاركتها الفاعلة في الدورة الثانية والستين، معتبرة أن بعض القرارات التي اعتمدها المجلس تمس قضايا ترتبط بالسيادة الوطنية، دون الخوض في تفاصيل إضافية.
ومن جانبها، أكدت السودان تقديرها للدول التي تقدمت بمبادرات حقوقية خلال الدورة، لكنها شددت على رفضها القرارات الخاصة بأوضاع الدول إذا اتخذت خلافاً لإرادة الدولة المعنية، داعية إلى إعطاء الأولوية للحوار والتعاون.
وأوضحت أنها دعمت مشروع القرار القطري بشأن حماية العاملين في المجال الإنساني، كما أيدت القرار الإفريقي الخاص ببناء القدرات وضمان حصول النساء والفتيات على التعليم الرقمي والأمن السيبراني، إلى جانب عدد من مشاريع القرارات الأخرى التي تناولت القضايا الإنسانية.
اعتراضات على عدد من المفاهيم
وأبدى الاتحاد الروسي اعتراضات واسعة على عدد من المفاهيم الواردة في بعض قرارات المجلس، معرباً عن قلقه مما وصفه بمحاولات استغلال الذكرى العشرين لإنشاء المجلس لتوسيع تفسير القرارات الأممية واستباق نتائج المناقشات الجارية في الأمم المتحدة.
وأعلن الاتحاد الروسي رفضه الإشارات إلى المحكمة الجنائية الدولية، والنهج القائم على حقوق الإنسان، وعدد من المصطلحات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والتثقيف الجنسي الشامل، والحقوق الجنسية والإنجابية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، مؤكداً أن بلاده لا تعترف إلا بالتفسير البيولوجي لمفهوم النوع الاجتماعي.
بدورها، رحبت إيران بعدد من المبادرات التي تناولت الأوضاع الإنسانية، ولا سيما مشروعي القرارين المتعلقين بحماية العاملين في المجال الإنساني والرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة، معتبرة أن حماية الحق في الحياة تمثل أساساً للتمتع بسائر حقوق الإنسان.
وفي الوقت نفسه، انتقدت استمرار تجديد الولايات القطرية الخاصة ببعض الدول، معتبرة أن هذه الممارسات تضعف التعاون مع المجلس، كما أبدت تحفظات على مفاهيم مثل التثقيف الجنسي الشامل والحقوق الجنسية والإنجابية والاستقلالية الجسدية، مؤكدة أنها لا تعكس توافقاً دولياً.
ذكرى إنشاء مجلس حقوق الإنسان
أعربت كوريا الجنوبية عن خيبة أملها من القرار المتعلق بالذكرى العشرين لإنشاء مجلس حقوق الإنسان، معتبرة أنه لا يحقق التوازن المطلوب ولا يعكس بالكامل المبادئ الواردة في قرار الجمعية العامة المنشئ للمجلس، كما رأت أنه تضمن قضايا لا تزال محل نقاش داخل الأمم المتحدة، وكان ينبغي عدم استباقها.
وأكدت أرمينيا أن الدورة الحالية أبرزت التحديات التي تفرضها التطورات التكنولوجية والمالية على منظومة حقوق الإنسان، لكنها سجلت بدورها تحفظات على عدد من المصطلحات التي لا تحظى باعتراف دولي، ومنها بعض المفاهيم المتعلقة بالنوع الاجتماعي والتقاطعية والتثقيف الجنسي.
وفي المقابل، رحبت الإمارات العربية المتحدة باعتماد عدد من القرارات، وفي مقدمتها القرار الخاص بالمساعدة التقنية لتمكين النساء والفتيات في مجالات التعليم الرقمي والأمن السيبراني، وقرار حماية العاملين في المجال الإنساني، وقرار حماية الرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة، معتبرة أنها تشكل أدوات مهمة لتعزيز حقوق الإنسان.
ورحبت بالقرار المتعلق بحالة حقوق الإنسان في السودان، ولا سيما ما تضمنه من إدانة للعنف الجنسي والدعوة إلى هدنة إنسانية ووقف فوري لإطلاق النار، مشيرة إلى إعلانها تقديم مساعدات إنسانية عاجلة بقيمة 30 مليون دولار لدعم المدنيين السودانيين، ورافضة الاتهامات التي وجهت إليها خلال المناقشات.
ومن جهتها، أوضحت سنغافورة أنها لا تعترف بالطابع العالمي للحق في الاستنكاف الضميري من الخدمة العسكرية، مؤكدة أن نظام الخدمة الوطنية يمثل ركيزة أساسية لأمنها الوطني ويحظى بتأييد شعبي واسع، وأن السماح باستثناءات واسعة قد يقوض العدالة بين المواطنين ويؤثر في قدراتها الدفاعية.
احترام أولويات الدول النامية
في مداخلة ختامية، دعت إريتريا إلى احترام أولويات الدول النامية وعدم تحويل قيادة مشاريع القرارات إلى وسيلة لفرض مفاهيم أو أجندات لا تحظى بتوافق واسع.
وأكدت إريتريا أن أولويات العديد من الدول النامية تتركز في الأمن الغذائي، والتعليم، والرعاية الصحية، والمياه، والطاقة، والتنمية الزراعية، وهي القضايا التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام الأكبر داخل المجلس.
وفي ختام الدورة، أعرب رئيس مجلس حقوق الإنسان عن شكره لجميع الوفود والأمانة العامة والمترجمين وموظفي الأمم المتحدة على إسهاماتهم في إنجاح أعمال الدورة، كما دعا الدول إلى مواصلة دعم الصندوق الاستئماني الذي يتيح مشاركة أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية في أعمال المجلس.
وشدد رئيس المجلس على أن النتائج التي تحققها المناقشات تبقى المعيار الحقيقي لنجاح المجلس، قبل أن يعلن رسمياً اختتام أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان.
