كاميلا كافنديش
تبدو عبارة «فشل السوق» صادمة عندما نتحدث عن الأطفال الأكثر هشاشة وضعفاً، لكن هذا هو الوصف الذي أطلقه المكتب الوطني البريطاني للتدقيق على نظام الرعاية السكنية للأطفال، وهو نظام بات يستنزف ميزانيات السلطات المحلية إلى حد الإفلاس.
فمتوسط كلفة رعاية الطفل الواحد يبلغ الآن 384 ألفاً و20 جنيهاً استرلينياً سنوياً، وهو رقم ارتفع بصورة هائلة مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، رغم أن بعض الأطفال يُوضعون في مقطورات متنقلة أو في وحدات سكنية مستأجرة قصيرة الأجل عبر منصات مثل “إير بي إن بي”.
هذه الفضيحة ليست سوى نتيجة لفشل أعمق حدث في مرحلة مبكرة من النظام. فالكثير من هؤلاء الأطفال لم يكن ينبغي أن يصلوا أصلاً إلى دور الرعاية السكنية. ولو حصلت أسرهم على دعم مكثف في وقت مبكر، لأمكن تجنب تحول أعداد كبيرة من المراهقين إلى حالات تُصنف على أنها «معقدة»، وغالباً ما توصف بالعنف والانكسار النفسي.
ويكمن الخطر في أن يكون الرد على الأزمة هو بناء المزيد من دور الرعاية السكنية، في حين ما يحتاجه هؤلاء الأطفال في الواقع هو شيء مختلف تماماً: أسرة تحتضنهم.
فالأطفال الذين نشؤوا وسط الفوضى والعنف الأسري أو إدمان المخدرات يحتاجون إلى أمرين أساسيين: الحب والاستقرار.
لكن ما نفعله بدلاً من ذلك هو نقلهم من مكان إقامة مؤقت إلى آخر، وأحياناً لا يحملون ممتلكاتهم القليلة سوى في أكياس القمامة. نفصلهم عن أشقائهم وأقاربهم وأجدادهم. وفي كثير من الأحيان، ينتهي نظام حماية الطفل، رغم حسن نواياه وتفاني العاملين فيه، إلى حرمان الأطفال مما يحتاجون إليه أكثر من أي شيء آخر: علاقات مستقرة ودائمة.
ما نحتاج إليه هو نظام يقدم دعماً مكثفاً للأسر التي تمر بأزمات، ويتعامل بحزم مع حالات الإساءة، لكنه في الوقت نفسه يستثمر في شبكات الأسرة الممتدة ويمنحها دوراً أكبر.
نحتاج إلى نظام أكثر مرونة في تصميم الحلول المناسبة لكل طفل، ويرى في رعاية الأقارب بديلاً أفضل من الرعاية الحكومية، ويوفر الدعم المالي اللازم لهؤلاء الأقارب. فإضافة غرفة جديدة في المنزل، أو إطعام فرد إضافي، أو شراء زي مدرسي لطفل جديد، كلها أمور تتطلب أموالاً. كما أن توفير الحب والدعم يحتاج إلى وقت وصبر وقدرة على التحمل.
يقول جوش ماكاليستر، وزير شؤون الأطفال والأسر: لو وفرنا للآباء علاجاً أفضل للإدمان، ودعماً للصحة النفسية، وتعاملنا بجدية أكبر مع العنف الأسري، لما احتاج هذا العدد الكبير من الأطفال إلى دخول منظومة الرعاية أصلاً.
وماكاليستر، الذي أسس سابقاً مؤسسة «فرونت لاين» للعمل الاجتماعي، ظل لسنوات يطالب بإصلاحات جذرية في سياسات دعم الأطفال والأسر والعاملين الاجتماعيين.
وقد أدت المراجعة التي أعدها عام 2022 بتكليف من الحكومة المحافظة السابقة إلى إطلاق تجارب جديدة في مجالس محلية مثل وولفرهامبتون ودورست ولينكولنشاير، تقوم على فرق متعددة التخصصات تعمل مع الأسر بهدف إبقاء الأطفال داخل بيئتهم العائلية. أما حكومة حزب العمال فتعمل الآن على تعميم هذا النموذج على مستوى البلاد.
وعندما يصبح إصلاح الأسرة الأصلية مستحيلاً، تظل الرعاية الأسرية البديلة الخيار الأفضل.
فالأسر الحاضنة هم الأبطال المجهولون في مجتمعنا. إنهم يتولون رعاية أطفال عانوا من الإساءة والإهمال وسوء التربية، وهي تجارب تجعل التعامل معهم شديد الصعوبة في كثير من الأحيان.
وتشير وزارة التعليم إلى أن أربعة من كل عشرة أطفال يقيمون في دور الرعاية السكنية يمكن أن يكونوا مؤهلين للرعاية الأسرية البديلة. كما أظهر تحليل أجرته هيئة التفتيش التعليمية أن نحو ثلث الأطفال الموجودين في تلك المؤسسات كان قد أوصي لهم أصلاً بالرعاية الأسرية.
لكن المشكلة أن أعداد الأسر الحاضنة تتراجع باستمرار.
فقد غادر بعضهم هذا المجال خلال جائحة كورونا بعدما أصبحت الحياة أكثر تعقيداً وتحولت غرفة الضيوف إلى مكتب للعمل من المنزل. كما يخبرني آخرون أنهم سئموا التدخلات البيروقراطية المفرطة؛ إذ لا يستطيع الوالدان الحاضنان حتى السماح لطفل بالمشاركة في رحلة مدرسية دون موافقة العامل الاجتماعي، وهو أمر لا يمثل استخداماً جيداً لوقت أي من الطرفين.
ووفقاً لشبكة الرعاية الأسرية البريطانية، فإن 60% من الأسر الحاضنة فكرت في ترك هذا الدور بسبب ضعف الدعم، وعدم حصولها على التقدير الكافي من المتخصصين الآخرين، إضافة إلى الإرهاق النفسي والمهني.
طالما امتلكت بريطانيا سجلاً مشرفاً في رعاية الأطفال الأكثر ضعفاً.
فخلال الحرب العالمية الثانية، جرى إجلاء مئات الآلاف من الأطفال من المدن التي تعرضت للقصف إلى أسر في المناطق الريفية. وفي عام 2022، سجل أكثر من 150 ألف شخص أسماءهم لاستضافة لاجئين أوكرانيين ضمن برنامج “منازل لأجل أوكرانيا”.
وقد حقق هذا البرنامج نجاحاً لافتاً، وكان منسجماً إلى حد كبير مع رؤية توماس بارناردو، الذي سعى في القرن التاسع عشر إلى توفير أسر داعمة للأطفال الذين تيتموا بسبب وباء الكوليرا.
وما زالت تلك الرؤية صالحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وقد ارتبط اسم مؤسسات خيرية مثل «بارناردوز» بدور رعاية الأطفال خلال القرن الماضي، لكنها انسحبت تدريجياً من هذا القطاع بعد سلسلة من فضائح الإساءة والانتهاكات التي بلغت ذروتها مع تقرير أوتينغ عام 1997.
ولهذا السبب تحديداً أصبحت الشركات الخاصة اليوم اللاعب المهيمن على قطاع الرعاية السكنية.
في الحقيقة، كانت الرعاية السكنية دائماً نشاطاً مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر. فهي تحتاج إلى أعداد كبيرة من الموظفين، ولا تستفيد كثيراً من وفورات الحجم. كما أن توظيف المديرين والعاملين المؤهلين ليس بالأمر السهل.
ويشكو بعض العاملين من أن القيود التنظيمية المفروضة عليهم أصبحت شديدة إلى درجة أنهم يترددون في منع الأطفال من الخروج لمقابلة عصابات المخدرات أو المعتدين الجنسيين خشية اتهامهم بالإساءة.
والحقيقة أن إسناد إدارة دور الرعاية إلى القطاع الخاص أتاح للسلطات المحلية نقل المخاطر المرتبطة بالسمعة إلى جهات أخرى.
ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة ضبط شاملة للنظام بأكمله، بهدف تقليل عدد الأطفال الذين ينتهي بهم المطاف في دور الرعاية السكنية.
كما نحتاج إلى حملة وطنية واسعة، شبيهة ببرنامج «منازل لأجل أوكرانيا»، لتشجيع المزيد من الأسر على الانخراط في الرعاية البديلة، مع توضيح أهمية هذا الدور الحيوي وتوفير الدعم اللازم لمن يقومون به.
وهذا الخيار منطقي اقتصادياً أيضاً، فكلفة مكان واحد في دار رعاية للأطفال تبلغ نحو ثمانية أضعاف كلفة الرعاية الأسرية البديلة.
والأهم من ذلك أنه يحقق نتائج أفضل بكثير للأطفال أنفسهم.
وهناك بالفعل نماذج ناجحة تستحق التوسع. من بينها برنامج «موكينغبيرد» الذي انطلق في مدينة سياتل الأمريكية وتديره في بريطانيا شبكة الرعاية الأسرية، حيث تُنظم مجموعات تضم ما بين ست وعشر أسر حاضنة لتعمل معاً كشبكة عائلية موسعة توفر الدعم المتبادل للأطفال والأسر.
وينبغي أن تصبح مثل هذه النماذج هي القاعدة لا الاستثناء.
لقد خصصت الحكومة 2.4 مليار جنيه استرليني إضافية لإصلاح المراحل المبكرة من نظام الرعاية الاجتماعية للأطفال.
والاختبار الحقيقي الآن هو توجيه هذه الأموال نحو إعادة بناء النظام من جذوره، بدلاً من تركها تُستهلك في التوسع المستمر في دور الرعاية السكنية.
إنها مهمة صعبة بالنسبة للسلطات المحلية التي تعاني أصلاً من ضغوط مالية كبيرة.
لكن ينبغي لنا ألا نقبل بأقل من ذلك.
نقلاً عن فايننشيال تايمز
