منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

براءة في دائرة الاستهداف.. سياسة اليمين المتطرف تهدد حياة أطفال أوروبا

26 أبريل 2026
متظاهرون يطالبون بحماية الأطفال
متظاهرون يطالبون بحماية الأطفال

شهدت أوروبا تصاعدا ملحوظا في خطاب الكراهية المرتبط بصعود تيارات اليمين المتطرف، في سياق سياسي واجتماعي متشابك تغذيه أزمات الهجرة والاقتصاد والتحولات الديموغرافية، وتشير تقارير المفوضية الأوروبية للحقوق الأساسية إلى أن جرائم الكراهية ذات الدوافع العنصرية والدينية شهدت زيادة مستمرة خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات سنويا في دول الاتحاد الأوروبي، ما يعكس تحول الظاهرة من هامش سياسي إلى جزء من الخطاب العام، ويبرز الأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات، سواء عبر المدارس أو الفضاء الرقمي أو البيئة الاجتماعية المحيطة، وفق المفوضية الأوروبية للحقوق الأساسية.

تصاعد موثق في جرائم الكراهية

تُظهر بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن حوادث التمييز والعنف المرتبطة بالكراهية في ارتفاع مستمر، حيث أفادت بأن ما يقارب نصف الأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية أو دينية في بعض الدول الأوروبية تعرضوا لشكل من أشكال التمييز أو المضايقة خلال العامين الماضيين، كما سجلت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة زيادات ملحوظة في الجرائم المرتبطة بخطاب الكراهية، شملت اعتداءات لفظية وجسدية وجرائم رقمية، وفق بيانات وزارات الداخلية الوطنية في هذه الدول، ويشير تحليل أوروبي مشترك إلى أن هذا الارتفاع يتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي المتشدد، ما يعزز بيئة اجتماعية أكثر قبولا للسلوكيات العنصرية، وفق وكالة يوروبول.

الأطفال في دائرة التأثير المباشر

تؤكد تقارير اليونيسف أن الأطفال المنتمين إلى أقليات مهاجرة أو دينية أو إثنية هم الأكثر عرضة للتنمر والعنف داخل المدارس الأوروبية، وتشير البيانات إلى أن نسبة التعرض للتنمر المرتبط بالهوية قد تتجاوز في بعض البيئات التعليمية 20 في المئة من إجمالي الطلاب المنتمين إلى أقليات، مع تسجيل تأثيرات مباشرة على التحصيل الدراسي والصحة النفسية، كما توضح التقارير أن الأطفال يتعرضون بشكل متزايد لمحتوى عنصري عبر الإنترنت، ما يضاعف من احتمالات تعرضهم للتأثير النفسي السلبي أو إعادة إنتاج خطاب الكراهية، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”.

الفضاء التربوي

تكشف بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية أن المؤسسات التعليمية أصبحت من أبرز البيئات التي يظهر فيها التمييز العنصري، حيث سجلت بعض الدول الأوروبية مئات الحوادث المرتبطة بالتحرش أو الإقصاء على أساس الهوية خلال عامي 2024 و2025، وتشير التقارير إلى أن الأطفال الذين ينتمون إلى خلفيات مهاجرة يعانون من مستويات أعلى من العنف اللفظي والاجتماعي داخل المدارس، ما يؤدي في بعض الحالات إلى الانقطاع المبكر عن التعليم أو العزلة الاجتماعية، وتربط هذه الظواهر بين الخطاب السياسي العام والممارسات اليومية داخل المدارس، ما يعكس تأثيرا مباشرا للبيئة السياسية على الفضاء التربوي، وفق منظمة اليونسكو.

الفضاء الرقمي وخطاب الكراهية

يشير تقرير أصدرته المفوضية الأوروبية إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت أحد أهم مسارات انتشار خطاب الكراهية في أوروبا، حيث يتم تداول محتوى تحريضي بشكل واسع بين المستخدمين الشباب، وتؤكد البيانات أن الأطفال والمراهقين هم الفئة الأكثر تعرضا لهذا المحتوى، مع صعوبة ضبطه بسبب خوارزميات الانتشار السريع، كما تشير تقارير أوروبية إلى أن المحتوى العنصري يرتبط أحيانا بمجموعات منظمة تستغل الفضاء الرقمي لنشر رسائل سياسية متطرفة تستهدف المهاجرين والأقليات، وفق وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية.

وقد أسهم صعود أحزاب اليمين المتطرف في عدد من الدول خلال انتخابات 2024 و2025 في إعادة تشكيل الخطاب العام حول الهجرة والهوية، وقد رصد البرلمان الأوروبي أن بعض الخطابات السياسية باتت تستخدم مفردات تحمل طابعا إقصائيا تجاه الأقليات، ما يسهم في تطبيع خطاب الكراهية داخل المجال العام، ويؤكد البرلمان الأوروبي أن هذا التحول ينعكس بشكل غير مباشر على الأطفال من خلال تعزيز بيئات اجتماعية أكثر انقسامًا، وفق البرلمان الأوروبي.

تداعيات نفسية واجتماعية

توضح تقارير منظمة الصحة العالمية أن التعرض المستمر للتمييز وخطاب الكراهية يؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الأطفال، إضافة إلى اضطرابات في النمو الاجتماعي والشعور بالانتماء، وتشير دراسات أوروبية إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعنصرية بشكل متكرر أكثر عرضة للعزلة وفقدان الثقة بالنفس، ما قد ينعكس على مستقبلهم التعليمي والمهني، كما تربط تقارير اليونيسف بين التمييز في الطفولة وارتفاع احتمالات التسرب المدرسي، وهو ما يشكل تحديا طويل الأمد للاندماج الاجتماعي في أوروبا، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة.

الجرائم الرقمية وإعادة إنتاج الكراهية

تؤكد وكالة الاتحاد الأوروبي لإنفاذ القانون أن الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالكراهية شهدت ارتفاعا خلال عام 2025، مع زيادة في المحتوى الذي يستهدف الأطفال والمراهقين، وتشير البيانات إلى أن بعض المنصات الرقمية لا تزال تواجه صعوبات في الحد من انتشار المحتوى العنصري، رغم التشريعات الأوروبية الحديثة، ويؤدي هذا الواقع إلى خلق بيئة رقمية يمكن أن تعيد إنتاج خطاب الكراهية بين الأجيال الجديدة، ما يعمق الأزمة على المدى الطويل، وفق وكالة يوروبول.

الإطار القانوني وردود الفعل الحقوقية

يستند الاتحاد الأوروبي إلى إطار قانوني يجرم خطاب الكراهية والجرائم المرتبطة بالتمييز، إلا أن تقارير المفوضية الأوروبية تشير إلى وجود فجوات في التطبيق بين الدول الأعضاء، ويشمل ذلك تفاوتا في تعريف الجرائم، ومستويات الملاحقة القضائية، وآليات الحماية، كما تؤكد تقارير حقوقية أن بعض القوانين لا تغطي بشكل كافٍ أشكال الكراهية الرقمية الجديدة، ما يحد من فعالية الاستجابة القانونية، وفق المفوضية الأوروبية.

أعربت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في تقارير متصلة بالأزمة عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية في أوروبا، معتبرة أن هذا الاتجاه يهدد أسس المساواة وحقوق الطفل، وتشير هذه المنظمات إلى أن التمييز المتزايد ضد الأقليات يعكس تحديات أعمق في السياسات الاجتماعية والهجرة، داعية إلى تعزيز التعليم الحقوقي ومكافحة خطاب الكراهية في الإعلام والسياسة.

مؤشرات رقمية

تُظهر البيانات المتاحة أن الجرائم المرتبطة بالكراهية في بعض الدول الأوروبية شهدت زيادات تراوحت بين 20 و50 في المئة خلال السنوات الأخيرة، كما تشير تقارير 2025 و2026 إلى أن الأطفال المنتمين إلى أقليات يمثلون نسبة مرتفعة من ضحايا التمييز المدرسي، بينما تتزايد حالات التنمر المرتبط بالهوية في البيئات التعليمية والرقمية على حد سواء، وتؤكد هذه المؤشرات أن الظاهرة لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءا من تحديات الأمن الاجتماعي في أوروبا.

جذور خطاب الكراهية

تعود جذور خطاب الكراهية في أوروبا إلى فترات تاريخية ممتدة ارتبطت بصعود القوميات المتشددة والصراعات السياسية والاقتصادية في القرن العشرين، إلا أن التحولات المعاصرة منذ العقد الأخير أعادت إنتاجه داخل سياقات جديدة أكثر تعقيدا وتشير تقارير المفوضية الأوروبية للحقوق الأساسية إلى أن أوروبا شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في الحوادث المرتبطة بالتمييز وخطاب الكراهية، مع تسجيل زيادة تراوحت بين 20 و50 في المئة في بعض الدول خلال فترات الأزمات الاقتصادية وتدفقات الهجرة، وهو ما يعكس ارتباطًا مباشرا بين الضغوط الاجتماعية وصعود الخطاب الإقصائي، وفق المفوضية الأوروبية للحقوق الأساسية.

وفي هذا السياق، لعبت الأزمات الاقتصادية المتكررة وارتفاع تكاليف المعيشة في عدد من الدول الأوروبية دورا في إعادة تشكيل المزاج العام، حيث أظهرت بيانات يوروباروميتر التابعة للمفوضية الأوروبية أن أكثر من 60 في المئة من المواطنين في بعض الدول عبروا عن مخاوف متزايدة من تأثير الهجرة على الخدمات العامة وفرص العمل، وهي مخاوف استُخدمت في الخطاب السياسي لبعض تيارات اليمين المتطرف لتعزيز سرديات الهوية والانغلاق، وفق المفوضية الأوروبية، كما تشير تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى أن هذا المناخ ساهم في زيادة معدلات جرائم الكراهية المبلغ عنها في عدد من الدول، خاصة ضد المهاجرين والأقليات الدينية.

تداعيات الأزمات المالية والضغوط الاجتماعية

ومع تصاعد هذه التحولات، برزت الأزمات المالية والضغوط الاجتماعية كعاملين رئيسيين في إعادة تشكيل الخطاب السياسي، حيث سجلت بعض الدول الأوروبية ارتفاعًا في معدلات البطالة بين الشباب تجاوز 15 في المئة في فترات معينة، ما خلق بيئة خصبة لانتشار الخطابات الشعبوية التي تربط بين الهجرة والأزمات الاقتصادية، وفق بيانات “يوروستات”، المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي، وتؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الشعور بعدم الاستقرار الاقتصادي غالبا ما يرتبط بزيادة قابلية المجتمعات لتبني مواقف أكثر تشددا تجاه الأقليات.

وتشير تحليلات تاريخية صادرة عن مراكز أبحاث أوروبية مثل المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية إلى أن أوروبا شهدت بالفعل موجات سابقة من تصاعد الخطاب المتطرف، أبرزها خلال فترات ما بين الحربين العالميتين، ثم موجات محدودة في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن ما يميز المرحلة الحالية هو الطابع البنيوي للخطاب وانتقاله من الهامش السياسي إلى التيار العام في بعض السياقات، وتضيف هذه التحليلات أن الخطاب المعاصر لم يعد محصورا في الساحات السياسية التقليدية، بل أصبح جزءا من النقاش العام اليومي.

ويبرز الفضاء الرقمي كعامل حاسم في تسريع انتشار خطاب الكراهية، حيث تشير وكالة يوروبول إلى أن المحتوى المتطرف عبر الإنترنت أصبح يتضاعف بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، مع صعوبة ضبطه بسبب الخوارزميات التي تعزز الانتشار السريع للمحتوى المثير للجدل، وتوضح تقارير المفوضية الأوروبية لعام 2026 أن الأطفال والمراهقين هم الفئة الأكثر تعرضا لهذا المحتوى، حيث يقضون ما معدله أكثر من ثلاث ساعات يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي، ما يزيد من احتمالات تعرضهم لخطاب الكراهية أو التفاعل معه بشكل غير مباشر.

كما تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن هذا التداخل بين السياق التاريخي والاقتصادي والرقمي أدى إلى خلق بيئة أكثر تعقيدا لانتشار الكراهية، حيث لم يعد الأمر مرتبطًا بخطابات سياسية فقط، بل أصبح جزءًا من التفاعل الاجتماعي اليومي، ما يجعل أثره أكثر عمقًا واستمرارية، خاصة على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال.

وتكشف البيانات الحديثة أن تصاعد خطاب الكراهية في أوروبا لم يعد مجرد ظاهرة سياسية أو إعلامية، بل تحول إلى أزمة اجتماعية ممتدة تؤثر بشكل مباشر على الأطفال، سواء في المدارس أو في الفضاء الرقمي أو داخل المجتمعات المحلية، ومع استمرار هذا الاتجاه خلال عامي 2025 و2026، تبرز الحاجة إلى استجابات شاملة تجمع بين التشريع والتعليم والسياسات الاجتماعية، لضمان حماية الأطفال وتعزيز قيم التعددية والمساواة داخل المجتمعات الأوروبية، وفق المفوضية الأوروبية للحقوق الأساسية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية