منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

هزيمة أوربان قد تكون بداية انحسار موجة اليمين المتطرف في أوروبا

14 أبريل 2026
احتفالات في شوارع بودابست بعد إعلان نتيجة الانتخابات يوم الأحد.
احتفالات في شوارع بودابست بعد إعلان نتيجة الانتخابات يوم الأحد.

بولي توينبي

تراجعت قوى الظلام، ولو مؤقتاً، يوم الأحد. التحالف غير المعلن بين روسيا “فلاديمير بوتين” وأمريكا “دونالد ترامب” مُني بهزيمة في المجر، في حين حققت القيم الليبرالية الديمقراطية الأوروبية انتصاراً طال انتظاره.

اليمين الشعبوي القومي حشد كل ما لديه لإبقاء فيكتور أوربان في السلطة. نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، ورغم انشغاله بحرب إيران، خصّص وقتاً للظهور في بودابست دعماً له، وذلك بعد شهر واحد فقط من استضافة المدينة مؤتمر العمل السياسي المحافظ الأمريكي ذي التوجه اليميني المتشدد. وفي يناير، ظهر بنيامين نتنياهو في مقطع فيديو مؤيداً أوربان، في حين انهالت عليه رسائل الدعم من جورجيا ميلوني في إيطاليا ومارين لوبان في فرنسا. حتى هربرت كيكل، زعيم حزب الحرية النمساوي، تحدث عن “رياح وطنية تهب عبر أوروبا”، ربما، لكنها لم تهب في اتجاههم، فالوطنية ليست حكراً عليهم.

هزيمة أوربان أمام المحافظ بيتر ماجيار وحزبه “تيسا” تُضعف هذا المعسكر بأكمله. لقد خسر رغم سنوات من التلاعب الانتخابي، وتعديل الدستور، واستشراء الفساد، والسيطرة على الإعلام والقضاء ومؤسسات الدولة. أخيراً، كسر المجريون القيود، موجّهين صدمة باردة لليمين السلطوي في أوروبا.

لقد لعبت المجر في عهد أوربان دوراً محورياً في صعود اليمين العالمي. وكما كشفت منظمة “دي سموغ”، فقد استخدم شبكة من مراكز الفكر المدعومة من الدولة ووسائل الإعلام والمؤتمرات لنشر نموذجه لما يسميه “الديمقراطية غير الليبرالية” عبر أوروبا، ومنها بريطانيا.

صعود اليمين المتطرف في أوروبا لم يكن خطراً نظرياً، بل واقع ملموس. فقد حصد نحو ربع مقاعد البرلمان الأوروبي في 2024، وتولى الحكم في إيطاليا، وشارك أو دعم حكومات في فنلندا والسويد والنمسا وسلوفاكيا، وحتى هولندا مؤخراً. صورة أوروبا بوصفها قلعة للديمقراطية الليبرالية باتت مهددة. صحيح أن ماجيار ليس ليبرالياً اجتماعياً، لكنه يعيد المجر إلى التيار الأوروبي العام.

نتيجة المجر تتقاطع مع تحولات أوسع، أبرزها تراجع بريق ترامب بعد خطئه الكبير بإشعال الحرب في إيران، وما تبعها من موجة تضخم عالمية. قد تتحرك موازين القوة ببطء، لكن رئيساً أمريكياً يواجه انتخابات نصفية مع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 21% لن يكون مصدر إلهام لليمين المتطرف، بل عبئ يسعى إلى التنصل منه.

في 2018 كتب نايجل فاراج، أحد أبرز داعمي أوربان، أن “فيكتور أوربان هو أقوى زعيم في أوروبا وكابوس الاتحاد الأوروبي”. اليوم، قد يضطر لمواجهة تراجع المد الذي حمله. فحزبه “ريفورم يو كيه” صعد على موجة اليمين المتطرف، لكنه بدأ بالفعل في الانحدار، وفق استطلاعات الرأي. فشله في تحقيق مكاسب انتخابية مؤخراً كان ضربة قوية، كما أن دعمه المربك لترامب أصبح عبئاً، في وقت لا يؤيده سوى 16% من الناخبين البريطانيين.

فاراج يتجنب أيض الحديث عن حقيقة أساسية: بريكست صنعه وصنعه هو. واليوم، يرى 58% من البريطانيين أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان قراراً خاطئاً. كما لا يمكن تجاهل مواقفه السابقة التي رددت صدى خطاب بوتين، حين اعتبر أن الغرب “استفز” روسيا لغزو أوكرانيا.

رغم ذلك، لا يزال حزب “ريفورم” يتصدر بعض استطلاعات الرأي بنسبة 25%، ما قد يمنحه فوزاً كبيراً في الانتخابات المحلية المقبلة. لكن ذلك لا يعني أن فاراج في طريقه إلى رئاسة الوزراء. المؤشرات توحي بعكس ذلك، فالحزب بات الخيار الذي يصوت ضده الناخبون أكثر من غيره، وهو عامل حاسم في التصويت التكتيكي.

قد لا يكون الناخب البريطاني العادي تابع انتخابات المجر بشغف، لكن المزاج السياسي يتغير أحياناً بطريقة خفية، كذبذبة في الهواء يلتقطها الناس دون وعي مباشر. السؤال الآن: هل تمثل هزيمة أوربان نقطة تحول حقيقية؟ أم مجرد سراب عابر؟ هذا ما سيكشفه الوقت.

ما هو واضح أن اليمين البريطاني اقترب أكثر مما ينبغي من نموذج أوربان. تقارير حديثة كشفت عن تمويلات مجرية لمؤسسات فكرية بريطانية مرتبطة بشخصيات محافظة بارزة. فماذا حدث للحاجز الأخلاقي الذي كان يفصل المحافظين عن اليمين المتطرف؟

حتى حزب العمال ليس بمنأى عن التحذير. ينبغي له ألا يطمئن لنتيجة المجر، فخطر الغرور السياسي يلوح في الأفق، وقد يكون ثمنه باهظاً.

بعد سبعين عاماً من فشل الانتفاضة المجرية، قد تمثل هذه النتيجة بداية جديدة، تعيد إحياء فكرة الوحدة الأوروبية والديمقراطية الليبرالية. إنها رسالة واضحة: إعادة اليمين الشعبوي المتطرف إلى الهامش حيث ينتمي.

الانتخابات الأوروبية المقبلة ستكشف إن كانت هذه مجرد لحظة مجرية عابرة، أم بداية موجة أوسع، وحتى ذلك الحين، وفي زمنٍ ندر فيه الخبر الجيد، ربما يجدر بنا التمسك بهذه اللحظة.

نقلاً عن الجارديان