لم يعد الحديث عن الإعاقة السمعية البصرية مجرد نقاش يتعلق بإتاحة الخدمات أو تحسين وسائل التواصل، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بمسألة الاعتراف الحقوقي بفئة طال وجودها خارج العدسات الإحصائية، وخارج تصميم السياسات العامة، رغم ما تواجهه من تحديات مركبة تمس الحق في التعليم والصحة والوصول إلى المعلومات والتنقل والمشاركة المجتمعية.
وفي تحول يحمل دلالة حقوقية وإنسانية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم A RES 79 294، معلنة يوم 27 يونيو من كل عام يوماً دولياً للإعاقة السمعية البصرية، يبدأ الاحتفاء به اعتباراً من عام 2025، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بأنها اعتراف عالمي بالإعاقة السمعية البصرية بوصفها حالة متميزة تتطلب دعماً خاصاً ونهجاً مستقلاً للإدماج.
هذا اليوم لا يأتي بوصفه مناسبة رمزية، بل باعتباره محاولة دولية لإعادة تعريف موقع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية البصرية داخل منظومة الحقوق، وإعادة إدراجهم في السياسات والبرامج والخدمات، بوصفهم أصحاب حقوق كاملة لا مجرد متلقين للرعاية.
وتوضح الأمم المتحدة أن الإعاقة السمعية البصرية تشير إلى ضعف شديد في السمع والبصر بدرجة تجعل الحاستين غير قادرتين على التعويض المتبادل، وبالتالي تصبح حالة قائمة بذاتها تختلف عن الإعاقة السمعية أو البصرية كل على حدة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد المنظمة الدولية أن الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية البصرية يواجهون عقبات نوعية لا تنشأ فقط من القيود الحسية، وإنما من عدم الاعتراف بهذه الإعاقة بوصفها تصنيفاً مستقلاً، الأمر الذي يؤدي إلى تغييبهم عن الإحصاءات الوطنية والبرامج الحكومية والسياسات العامة، ويحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن المترجمين المتخصصين في وسائل التواصل الخاصة بذوي الإعاقة السمعية البصرية، إلى جانب المرشدين المرافقين، يمثلون حلقة أساسية في تمكين هؤلاء الأشخاص من الوصول إلى المعرفة والخدمات والحقوق والمشاركة المجتمعية والعيش باستقلالية.
اختيار اليوم
اختارت الأمم المتحدة يوم 27 يونيو تحديداً ليكون اليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية، تخليداً لذكرى ميلاد الكاتبة والناشطة الأمريكية هيلين كيلر التي ولدت عام 1880 وتوفيت عام 1968، والتي تعد واحدة من أبرز الشخصيات المرتبطة عالمياً بمجتمع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية البصرية.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن كيلر أصبحت رمزاً عالمياً للإصرار والدفاع عن الحقوق، وأن سيرتها أسهمت لعقود في تعزيز الوعي العالمي بهذه الفئة.
وتستحضر الأمم المتحدة زيارة هيلين كيلر إلى مقر المنظمة عام 1949، حين حضرت إحدى الجلسات برفقة سكرتيرتها بولي تومسون التي قامت بنقل مجريات الاجتماع إليها، ما يعكس منذ ذلك الوقت أهمية الوصول إلى المعلومات بوصفه حقاً وليس امتيازاً.
قضية حقوق
في القرار الأممي الخاص بإعلان اليوم الدولي، شددت الجمعية العامة على أن الغاية لا تقتصر على رفع الوعي، بل تشمل تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية البصرية وإدماجهم في جميع جوانب المجتمع.
ودعت الدول الأعضاء ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية إلى إحياء هذا اليوم سنوياً، عبر أنشطة تعليمية وتوعوية تعزز المشاركة والاعتراف والتمكين.
وشجع القرار الحكومات على النظر في الاعتراف بالإعاقة السمعية البصرية بوصفها إعاقة مستقلة ضمن السياسات والبرامج الوطنية، وفقاً للأطر القانونية والإدارية لكل دولة.
ومن الرموز التي سلط القرار الضوء عليها العصا المخططة بالأحمر والأبيض، باعتبارها أداة مهمة يستخدمها مجتمع الإعاقة السمعية البصرية في الحركة والتعريف بالهوية.
2025 عام الانطلاقة الرسمية
يمثل عام 2025 أول عام يحتفل فيه العالم رسمياً باليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية بعد اعتماد القرار الأممي.
وأوضحت الأمم المتحدة أن الاعتراف الدولي جاء بعد جهود متواصلة قادتها منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي مقدمتها الاتحاد العالمي للصم المكفوفين، بدعم من مجموعة واسعة من الدول.
وارتبط إطلاق اليوم الدولي بأسبوع التوعية بالإعاقة السمعية البصرية الممتد من 23 إلى 29 يونيو، بهدف توسيع النقاش العالمي حول الإدماج والتمكين والحقوق.
وبحسب المعلومات المنشورة من الأمم المتحدة، لم يعلن موضوع رسمي مستقل لليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية لعام 2025 تحت صيغة شعار سنوي منفصل، وإنما ارتبطت الرسائل الأساسية لعملية الإطلاق بالاعتراف بالإعاقة السمعية البصرية بوصفها إعاقة متميزة وتعزيز الإدماج والتمكين.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
يحمل هذا اليوم أيضاً بعداً مؤسسياً يرتبط باتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تعد الإطار الدولي الأبرز لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي هذا السياق، انعقدت الدورة 18 لمؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية خلال الفترة من 10 إلى 12 يونيو 2025 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، تحت شعار تعزيز الوعي العام بحقوق وإسهامات الأشخاص ذوي الإعاقة في التنمية الاجتماعية تمهيداً لمؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية.
وركز المؤتمر على 3 ملفات رئيسية؛ هي التمويل المبتكر، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وحقوق السكان الأصليين من الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويظهر هذا الربط أن النقاش الدولي لم يعد يقتصر على الحماية القانونية، بل يمتد إلى ضمان المشاركة في التنمية والاستفادة من التكنولوجيا والوجود في عملية صنع القرار.
من الرعاية إلى الحق
الرسالة الأبرز التي يحملها اليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية تتمثل في الانتقال من مقاربة الرعاية إلى مقاربة الحقوق.
فالقضية لم تعد ترتبط بتقديم خدمات منفصلة، بقدر ما تتعلق بحق الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية البصرية في أن يكونوا مرئيين داخل الإحصاءات، ومسموعين داخل السياسات، ومشاركين في رسم القرارات التي تمس حياتهم.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الإدماج الحقيقي يبدأ بالاعتراف، وأن الوصول إلى المعلومات والتواصل والتعليم والتنقل والمشاركة ليست امتيازات تمنح، وإنما حقوق يجب ضمانها.
ومن هنا يصبح اليوم الدولي للإعاقة السمعية البصرية أكثر من مناسبة سنوية، فهو دعوة لإعادة النظر في مفهوم الإعاقة ذاته، وفي قدرة المجتمعات على بناء سياسات لا تترك أحداً خارج المجال العام.
وفي عالم يتحدث كثيراً عن الشمول، يذكر هذا اليوم بأن العدالة لا تتحقق فقط حين تفتح الأبواب، بل حين تصبح الطرق المؤدية إليها قابلة للوصول للجميع.
