في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل مفاهيم الرقابة والعدالة والمساءلة، ومع تصاعد ظاهرة التشهير الإلكتروني أو ما يُعرف بـ”الوصم الرقمي” برزت إشكالية معقدة تتعلق بحدود استخدام هذا الفضاء وهل يمثل أداة ضغط مجتمعي لتحقيق الإنصاف في ظل قصور المؤسسات؟ أم يتحول إلى انتهاك صريح للحق في الخصوصية؟
ويُشار إلى الوصم الرقمي باعتباره نشر معلومات أو اتهامات أو محتوى يهدف إلى التشهير بشخص أو جهة عبر الإنترنت، غالباً دون المرور بإجراءات قانونية أو تحقق قضائي، وقد ارتبطت هذه الظاهرة بتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها منصات تحقق عدالة موازية، خصوصاً في قضايا التحرش والفساد والانتهاكات وغيرها.
ويعد خبراء ومراقبون تعاظم دور منصات التواصل الاجتماعي في هذه القضايا يعكس تراجع ثقة بعض المواطنين في آليات العدالة التقليدية، واتجاههم إلى انتهاج سياسة “الفضح العلني” للضغط وتحقيق الاعتراف أو المحاسبة، إذ يلعب الوصم الرقمي في بعض الحالات دوراً في كشف انتهاكات لم تكن لتظهر لولا الضغط الشعبي، وأسهم في دعم ضحايا لم يجدوا مساراً قانونياً فعالاً في بلدانهم.
غير أن هذا الدور الإيجابي يظل مشروطاً بضوابط صارمة، أبرزها دقة المعلومات وحماية الضحايا وعدم التحريض أو التشهير غير المبرر، ولا سيما أن مخاطر الوصم الرقمي قد تؤدي إلى إدانة الأفراد اجتماعياً قبل أي حكم قضائي، والتشهير والإضرار بالسمعة حتى في حال ثبوت براءة الشخص لاحقاً، إلى جانب الاستدامة الرقمية للضرر، إذ يبقى المحتوى المنشور متاحاً لفترات طويلة ويصعب محوه.
وتكفل المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الحق في الخصوصية (المادة 12) والحق في السمعة، كما تؤكد الحق في حرية التعبير (المادة 19)، غير أن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين هذين الحقين في البيئة الرقمية التي تعاني من حالة سيولة كبيرة.
الحق في الخصوصية
يُعدّ الحق في الخصوصية من الحقوق الأساسية التي تحمي الإنسان من التدخل التعسفي أو غير القانوني في حياته الخاصة وأسرته ومسكنه ومراسلاته، وهو حق كرّسه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته السابعة عشرة التي تنص أيضاً على حق كل شخص في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو الاعتداء.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن هذا الحق يواجه في العصر الرقمي تحديات متزايدة مرتبطة بجمع البيانات ومعالجتها والمراقبة الواسعة، ما قد يؤدي إلى التمييز وتقويض المساواة في التمتع بالحقوق.
ومن جانبها، تشدد منظمة العفو الدولية على أن المراقبة لا تكون مشروعة إلا إذا كانت ضرورية ومحددة ومبنية على اشتباه معقول وخاضعة لإذن مستقل، محذّرة من أن برامج التجسس شديدة التوغل تمثل تهديداً بالغاً للخصوصية ولحقوق أخرى مرتبطة بها، مثل حرية التعبير والتنظيم.
كما تؤكد هيومن رايتس ووتش أن جمع البيانات نفسه قد يشكل مساساً بالخصوصية، حتى قبل استخدامها، ما يجعل حماية هذا الحق شرطاً أساسياً لصون الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في المجالين الواقعي والرقمي.
ويظل الوصم الرقمي سلاحاً ذا وجهين، فهو قد يشكل أداة ضغط مشروعة في سياقات محددة، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى انتهاك خطِر للحقوق الأساسية، وبين هذين الوجهين تبقى الحاجة ملحة لإعادة تعريف العدالة في العصر الرقمي، ما يضمن الإنصاف دون التضحية بالكرامة الإنسانية.
سياقات مختلفة للظاهرة
من جانبه، دعا الناشط الحقوقي السوري، أنس جودة، إلى ضرورة التمييز في مقاربة ظاهرة التشهير الإلكتروني بين البيئات المستقرة وتلك التي تشهد صراعات وتوترات وحروب، موضحاً أن إسقاط التجارب أو القياس بينها لا يستقيم، فعلى سبيل المثال السياق في مصر والإمارات يختلف جذرياً عنه في سوريا أو لبنان أو اليمن.
وقال جودة في تصريح لـ”صفر” إن السؤال المتعلق بالتشهير الإلكتروني أو الوصم الرقمي لا يمكن تناوله بمعزل عن السياق العام في الدول، مؤكداً أن الأداة قد تكون واحدة، لكن وظائفها تتباين بصورة جذرية بين مجتمع يتمتع بقدر من الاستقرار والأمان وآخر يعيش حالة صراع ممتد.
وأضاف أن “التشهير الإلكتروني في الحالة الأولى، كما في مصر، يظل انحرافاً عن المسار القانوني، لا بديلاً عنه، إذ تُسرع المنصات وتيرة توجيه الاتهامات وتضخيم الأخطاء، لكنها لا تلغي حضور الدولة ولا دور القضاء، وعليه حين يتحول فرد إلى متهم عبر وسائل التواصل، فإننا نكون إزاء خلل في سلوك الحشد، يتجلى في الاندفاع وغياب التحقق وسهولة إصدار الأحكام”.
وأشار إلى أن الضرر في هذه الحالة قد يكون بالغاً على مستوى السمعة والحياة الشخصية والخصوصية، لكنه يظل قابلاً للتدارك نسبياً عبر مسارات قانونية أو إعلامية لاحقة، بمعنى أن التشهير هنا يمثل خطراً حقيقياً، لكنه لا يعيد تشكيل النظام العام في المجتمع.
في المقابل، يرى جودة أن المشهد في البيئات المتصارعة، مثل سوريا ولبنان، أكثر تعقيداً وعمقاً، حيث لا تعمل المنصات بوصفها فضاء للنقاش، بل أدوات ضمن بنية الصراع ذاته، ويُستخدم الاتهام فيها لا لكشف الحقيقة، بل لتكريس رواية معينة أو نزع الشرعية عن طرف أو تعبئة جمهور ضد آخر.
ليست بديلة للعدالة
ويؤكد أن “التشهير في هذه السياقات يفقد طابعه الفردي، ويتحول إلى ممارسة منظمة تدخل ضمن حرب سرديات مفتوحة”، لافتاً إلى أن غياب المرجعيات من قضاء موثوق وإعلام مهني وآليات تحقيق متفق عليها، يقود إلى تحول الرأي العام الرقمي إلى سلطة فعلية، رغم استناده إلى الانفعال أكثر من الأدلة.
وأشار جودة إلى أن الأفراد أنفسهم قد يتحولون إلى أدوات داخل هذا الصراع، إذ يمكن أن يُختزل شخص عادي إلى رمز سياسي أو طائفي خلال ساعات، ويتعرض لحملات لا تعكس حقيقته بقدر ما تعكس موقعه داخل حالة الاستقطاب.
وتساءل جودة: “ليس السؤال ما إذا كان التشهير الإلكتروني أداة إنصاف، بل متى يتحول إلى أداة تدمير؟” مجيباً بأن “الضغط الرقمي في المجتمعات المستقرة قد يفتح أحياناً نافذة للمساءلة، لكنه يظل محفوفاً بالمخاطر، أما في البيئات المتصارعة فإنه غالباً ما يعمق الانقسام ويقوض ما تبقى من النسيج الاجتماعي”.
ويخلص جودة إلى أن “التشهير الإلكتروني لا يمكن اعتباره بديلاً عن العدالة في أي سياق؛ ففي المجتمعات المستقرة يظل خطأً يمكن احتواؤه، في حين يتحول في المجتمعات المتصارعة إلى جزء من آليات الصراع، وأداة لإنتاج الانقسام أكثر من كونه وسيلة للوصول إلى الحقيقة”.
مخاطر استبدال القضاء بالترند
بدورها قالت الحقوقية المصرية، انتصار السعيد، إن التشهير الإلكتروني لا يُعد وسيلة حقيقية للإنصاف، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى انتهاك مزدوج يمس حق الفرد في الخصوصية وحقه في السمعة، فضلاً عن تقويض قرينة البراءة.
وشددت السعيد، بصفتها رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، في حديث لـ”صفر”، على أن العدالة لا تقتصر على بلوغ نتائج تُنصف الضحايا، بل تقوم أساساً على إجراءات عادلة تضمن عدم إلحاق الظلم بأي طرف.
وانتقدت ما تشهده بعض القضايا على منصات التواصل الاجتماعي: “عندما نستبدل القضاء بـ(الترند)، فإننا لا نمنع الظلم بل نعيد إنتاجه والتوسع فيه”، موضحة في الوقت ذاته أن لجوء بعض المواطنين إلى وسائل التواصل الاجتماعي لا يأتي من فراغ، بل قد يكون انعكاساً لبطء إجراءات التقاضي أو ضعف الاستجابة أو الشعور بعدم توفر الحماية الكافية.
وأكدت السعيد أن هذا الخلل في أداء منظومة العدالة يتطلب معالجة حقيقية، لكن ذلك لا يبرر خلق بدائل عشوائية قد تضر بأبرياء، مؤكدة أنه من الناحية القانونية، فإن النشر دون أدلة أو توجيه اتهامات مباشرة قد يندرج ضمن جرائم السب والقذف أو إساءة استخدام وسائل الاتصال، وفقاً لقانون رقم 175 لسنة 2018، ما يعني أن ما يُنشر عبر الإنترنت يترتب عليه مسؤولية قانونية قد تصل إلى المساءلة.
ضوابط النشر الرقمي
وأوضحت إنتصار أن المسار الحقوقي السليم في مثل هذه الحالات يقتضي توثيق الوقائع بدقة، والتوجه إلى الجهات المختصة، واللجوء إلى الأدوات القانونية المتاحة، بهدف إنصاف الضحايا ومعاقبة الجناة.
كما نبهت إلى أنه في حال نشر الواقعة عبر منصات التواصل، يجب أن يتم ذلك بشكل مسؤول عبر عرض الوقائع دون إطلاق اتهامات مباشرة، مع تجنب نشر البيانات الشخصية، وبعد تقييم قانوني للمخاطر بهدف تقليل الأضرار على الأشخاص.
وفي هذا السياق، شددت الحقوقية المصرية على أهمية التمييز في السرد لتفادي الوقوع في التشهير الإلكتروني أو الوصم الرقمي، موضحة ضرورة التفريق بين رواية تجربة شخصية وبين اتهام شخص بعينه، محذرة أيضاً من إعادة نشر محتوى غير موثق، معتبرة أن إعادة التداول قد تمثل مشاركة ضمنية في إلحاق الضرر والتشهير.
وبحسب إنتصار السعيد، فإن النشر الرقمي المسؤول لا يقوم فقط على سرعة الوصول أو التأثير، بل على الدقة والتحقق واحترام السياق وتقدير العواقب، كما أن إصلاح اختلالات منظومة العدالة وتسريع إجراءاتها يظل شرطاً أساسياً للحد من لجوء الأفراد إلى ما سمته بـ”محاكمات السوشيال ميديا” بوصفه بديلاً غير منضبط.

